التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الشريعة الإسلامية { خاص بديننا الحنيف على مذهب أهل السنة والجماعة }

التّقوى سبب كلّ خير

التّقوى سبب كلّ خير للشيخ ابن باز رحمه الله الحمد لله ربّ العالمين والعاقبة للمتّقين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-05-2013, 08:30 PM #1
الاستاذ
المدير العام
 
الصورة الرمزية الاستاذ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2013
العمر: 26
المشاركات: 36,585

التّقوى سبب كلّ خير 82.gif



التّقوى سبب كلّ خير ThamaratTaqwa025.jpg



التّقوى سبب كلّ خير

للشيخ ابن باز رحمه الله


الحمد لله ربّ العالمين والعاقبة للمتّقين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه، سيّدنا وإمامنا ونبيّنا محمّد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم القيامة،

أمّا بعد:

فَلِشِدَّة الحاجة إلى التَّقْوَى ولِعِظَمِ شَأْنِها، ولِكَوْنِ كلّ واحد منّا، بل كلّ واحد من المسلمين في أشدّ الحاجة إلى التَّقْوَى والإِستقامة عليها، رأيت أن أكتب فيها كلمة موجزة عسى الله أن ينفع بها المسلمين.

فأقول:

كلّ مَنْ تدبَّر موارد التَّقْوَى في كتاب الله عزّ وجل وفي سُنَّة رسوله محمد عليه الصّلاة والسّلام، علم أنّها سبب كلّ خير في الدّنيا والآخرة.

فأنت يا عبد الله إذا قرأت كتاب ربّك من أوّله إلى آخره تجد التَّقْوَى رأس كلّ خير، ومفتاح كلّ خير، وسبب كلّ خير في الدّنيا والآخرة،

وإنّما تأتي المصائب والبلايا والمحن والعقوبات بسبب الإهمال أو الإخلال بالتَّقْوَى وإضاعتها، أو إضاعة جزء منها،

فالتَّقْوَى هي سبب السّعادة والنّجاة، وتفريج الكروب، والعزّ والنّصر في الدّنيا والآخرة،

ولنذكر في هذا آيات من كتاب الله ترشد إلى ما ذكرنا، من ذلك قوله جل وعلا: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ )[1]،

قال بعض السّلف: (هذه الآية أجمع آية في كتاب الله)، أو قال: (من أجمع آية في كتاب الله)، وما ذاك إلاّ لأنّ الله رتّب عليها خير الدّنيا والآخرة،

فَمَنِ اتَّقَى الله جعل له مخرجاً من مضائق الدّنيا ومضائق الآخرة، والإنسان في أشدّ الحاجة، بل في أشدّ الضّرورة إلى الأسباب الّتي تخلّصه من المضائق في الدّنيا والآخرة، ولكنّه في الآخرة أشدّ حاجة وأعظم ضرورة،

وأعظم الكُرُبَات وأعظم المضائق كُرُبات يوم القيامة وشدائدها، فَمَنِ اتَّقَى الله في هذه الدّار فرّج الله عنه كُرُبات يوم القيامة، وفاز بالسّعادة والنّجاة في ذلك اليوم العظيم العصيب،

فَمَنْ وقع في كُرْبَة من الكُرُبَات فَعَلَيْهِ أن يَتَّقِي الله في جميع الأمور، حتّى يفوز بالفرج والتّيسير،

فالتَّقْوَى باب لتفريج كُرْبَة العُسْرِ ، وكُرْبَة الفَقْرِ ، وكُرْبَة الظُّلْم، وكُرْبَة الجَهْل وكُرْبَة السَّيِّئَات والمعاصي، وكُرْبَة الشِّرْكِ والكُفْرِ إلى غير ذلك،

فدواء هذه الأمور وغيرها أن يَتَّقِي الله بترك الأمور التي حرمها الله ورسوله، وبالتّعلّم والتّفقّه في الدّين حتّى يسلم من داء الجهل، وبالحذر من المعاصي والسّيّئات حتّى يسلم من عواقبها في الدّنيا والآخرة،

فالسّيّئات لها عواقب في الدّنيا من عقوبات قدرية، أو عقوبات شرعية، من الحدود والتّعزيرات والقِصَاص، ولها عقوبات في الآخرة أوّلها عذاب القبر، ثم بعد الخروج من المقابر بعد البعث والنّشور عقوبات وشدائد يوم القيامة،

ومن عقوباتها أيضاً أن الإنسان يخف ميزانه بسبب إضاعة التَّقْوَى ، ويرجح ميزانه بسبب استقامته على التَّقْوَى ، ويُعْطَى كتابه بيمينه إذا استقام على التَّقْوَى ، وبشماله إذا انحرف عن التَّقْوَى، ويُدْعَى إلى الجَنَّة إذا استقام على التَّقْوَى ، ويُسَاق إلى النّار إذا ضيّع التَّقْوَى ، وخالف التَّقْوَى ولا حول ولا قوة إلا بالله.


والإنسان محتاج أيضاً إلى الرّزق الحلال الطيّب في هذه الدّار، وإلى النّعيم المُقيم في الآخرة، وهو أحسن نعيم وأعظم النّعيم ولا نعيم فوقه، ولا طريق إلى ذلك ولا سبيل إلاّ بالتَّقْوَى ،

فمَنْ أراد عزّ الدّنيا والرّزق الحلال فيها، والنّعيم في الآخرة، فعليه بالتَّقْوَى.


والإنسان محتاج إلى العلم والبصيرة والهُدَى، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بالتَّقْوَى ، كما قال عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا )[2]،

والفُرْقَان كما قال أهل العلم: هو النُّور الذي يفصل به بين الحقّ والباطل، وبين الهُدى والضلال.

ولا يخفى على من تأمّل أنّ الإجتهاد في طلب العلم والتّفقّه في الدّين من جملة التَّقْوَى ، وبذلك يحصل النُّور والهُدى، وهما الفُرْقَان.

فَالتَّقْوَى كلمة جامعة حقيقتها الإيمان والعمل الصّالح؛ كما قال الله جل وعلا: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ )[3]؛ وكما قال عز وجل: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )[4]،

فالتَّقْوَى حقيقتها إِيمَانٌ صَادِقٌ : بالله ورسوله، وبما أخبرت به الرّسل عمّا كان وعمّا يكون، ثم عَمَلٌ صَالِحٌ وهو مقتضى الإيمان وموجبه، ومن ذلك التَّعَلُّم والتَّفَقُّه في الدِّين وهما من التَّقْوَى كما تقدّم؛

ولذلك رتّب الله على التَّقْوَى : الفُرْقَان؛ لأنّ من شُعَبِهَا التَّعَلُّم والتَّفَقُّه في الدِّين ، والتَّبَصُّر في ما جاء به المُصطفى عليه الصلاة والسلام.

فالإنسان قد تضيق أمامه الدّروب، وتُسَدّ في وجهه الأبواب في بعض حاجاته، فالتَّقْوَى هي المفتاح لهذه المضائق وهي سبب التّيسير لها، كما قال عز وجل: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا )[5]،

وقد جرّب سلفنا الصّالح وهم الصّحابة رضي الله عنهم وأتباعهم بإحسان، كما جرّب قبلهم رسل الله عليهم الصّلاة والسّلام الذين بعثهم الله لهداية البشر، وحصّلوا بالتَّقْوَى على كلّ خير، وفتحوا بها باب السّعادة، وانتصروا بها على الأعداء، وفتحوا بها القلوب، وهدوا بها البشرية إلى الصّراط المستقيم.

وإنّما حصلت لهم القِيَادَةُ للأُمَم، والذِّكْرُ الجميل، والفتوحات المتتابعة بسبب تقواهم لله، وقيامهم بأمره، وانتصارهم لدينه، وجمع كلمتهم على توحيده وطاعته،

كما أنّ النّاس في أشدّ الحاجة إلى تكفير السّيّئات وحطّ الخطايا، وغُفران الذّنوب وسبيل هذا هو التَّقْوَى، كما قال عز وجل: ( إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ )[6]، وقال عز وجل: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا )[7]،

ومن أعظم الأجر الفوز بالجَنَّة والنَّجاة من النّار، وهكذا المسلمون في أشدّ الحاجة إلى النّصر على أعدائهم، والسّلامة من مكايد الأعداء، ولا سبيل إلى هذا إلاّ بالتَّقْوَى، كما قال عز وجل: ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ )[8].


فالمسلمون إذا صبروا في طاعة الله وفي جهاد أعدائه، واتّقوا ربّهم في ذلك بإعداد العُدَّة المستطاعة البدنية والمالية والزّراعية والسّلاحية وغير ذلك، نُصِرُوا على عدوّهم؛ لأنّ هذا كلّه من تقوى الله،

ومن أهمّ ذلك إعداد العُدَّة المُستطاعة من جميع الوجوه، كالتّدريب البدني والمهني والتّدريب على أنواع الأسلحة، ومن ذلك إعداد المال وتشجيع الزّراعة والصّناعة وغير ذلك ممّا يُستعان به على الجهاد، والإستغناء عمّا لدى الأعداء، وكل ذلك داخل في قوله سبحانه: ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ )[9] ولا يتمّ ذلك إلاّ بالصّبر.

والصّبر من أعظم شُعَبِ التَّقْوَى، وعطفها عليه في قوله سبحانه: ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا )[10] من عطف العام على الخاص،

فلابُدّ من صبر في جهاد الأعداء، ولابُدّ من صبر في الرّباط في الثّغور، ولابُدّ من صبر في إعداد المُستطاع من الزّاد والبدن القوي المدرّب، كما أنّه لابُدّ من الصّبر في إعداد الأسلحة المُستطاعة التي تماثل سلاح العدوّ أو تفوقه حسب الإمكان،

ومع هذا الصّبر لابُدّ من تقوى الله في أداء فرائضه وترك محارمه، والوقوف عند حدوده، والإنكسار بين يديه، والإيمان بأنّه النّاصر، وأنّ النّصر من عنده لا بكثرة الجنود ولا بكثرة العدة، ولا بغير ذلك من أنواع الأسباب،

وإنّما النّصر من عنده سبحانه، وإنّما جعل الأسباب لتطمين القلوب وتبشيرها بأسباب النّصر، كما قال جل وعلا: ( وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )[11] الآية،

وقال سبحانه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ )[12]، وقال عز وجل: ( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ )[13] الآية.


وهذه الأعمال من شُعَبِ التَّقْوَى ، وبهذا يعلم معنى قوله سبحانه: ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا )[14]،

فإذا أراد المسلمون النّصر والعزّة والنّجاة في الدّنيا والآخرة، وتفريج الكروب، وتيسير الأمور، وغفران الذّنوب، وتكفير السّيّئات، والفوز بالجنّات، إلى غير هذا من وجوه الخير فعليهم بتقوى الله عز وجل.

والله وصف أهل الجَنَّة بالتَّقْوَى فقال: ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ )[15]، وقال عز وجل: ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ )[16]، وقال تعالى: ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ )[17]،

فبيّن سبحانه أنّه أعدّ الجَنَّة لأهل التَّقْوَى ، فعلمت يا أخي أنّك في أشدّ الحاجة إلى أن تَتَّقِي رَبَّكَ، ومتى اتّقيته سبحانه حقّ التّقوى فزت بكل خير، ونجوتَ من كلّ شر،

وليس المعنى أنّك لا تُبْتَلَى، بل قد تُبِتَلَى وتُمْتَحَن، وقد أبتلي الرّسل وهم أفضل الخلق وأفضل المتّقين حتّى يتبيّن للنّاس صبرهم وشكرهم، وليقتدي بهم في ذلك،

فبالإبتلاء يتبيّن صبر العبد وشكره، ونجاته وقوّته في دين الله عز وجل، كما قال سبحانه: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ )[18]، وقال تعالى: ( وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ )[19]،

فلا بدّ من الإمتحان والفتنة كما تقدّم، وكما قال جل وعلا: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) [20]، وقال سبحانه: ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ )[21]، وقال سبحانه: ( وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )[22]،

فالإختبار لابدّ منه، فالرّسل وهم خير الناس امتحنوا بأعداء الله.

نوح ما جرى عليه من قومه، وهكذا هود وصالح وغيرهم، وعلى رأسهم نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم خاتم النّبيّين، وإمام المتّقين، وأفضل المجاهدين، ورسول ربّ العالمين، قد عُلم ما أصابه بمكة وفي المدينة وفي الحروب، ولكنّه صبر صبراً عظيماً حتّى أظهره الله على أعدائه وخصومه، ثم ختم له سبحانه وتعالى بأن فتح عليه مكة ودخل النّاس في دين الله أفواجاً،

فلما أتمّ الله النّعمة عليه وعلى أمّته، وأكمل لهم الدّين، اختاره إلى الرّفيق الأعلى، وإلى جواره عليه الصّلاة والسّلام بعد المحنة العظيمة، والصّبر العظيم والبلاء الشّديد،

فكيف يطمع أحد بعد ذلك أن يسلم أو يقول متى كنت متّقياً أو مؤمناً فلا يصيبني شيء، ليس الأمر كذلك بل لابدّ من الامتحان، ومن صبر حمد العاقبة،

كما قال الله جل وعلا: ( فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ )[23]، ( وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى )[24]،

فالعاقبة الحميدة لأهل التَّقْوَى، متى صبروا واحتسبوا وأخلصوا لله وجاهدوا أعداءه وجاهدوا هذه النّفوس فالعاقبة لهم في الدّنيا والآخرة، كما قال عز وجل: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ )[25].

فأنت يا عبد الله في أشدّ الحاجة إلى تقوى ربّك ولزومها والإستقامة عليها، ولو جرى ما جرى من الإمتحان، ولو أصابك ما أصابك من الأذى أو الإستهزاء من أعداء الله، أو من الفسقة والمجرمين فلا تبالي، واذكر الرّسل عليهم الصلاة والسلام، واذكر أتباعهم بإحسان، فقد أوذوا واستهزئ بهم، وسخر بهم، ولكنّهم صبروا فكانت لهم العاقبة الحميدة في الدّنيا والآخرة.


فأنت يا أخي كذلك اصبر وصابر

فإن قلت: ما هي التَّقْوَى؟ فقد سبق لك شيء من بيانها، وقد تنوّعت عبارات العلماء في التَّقْوَى،

وروي عن عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين رضي الله عنه ورحمه أنّه قال: (ليس تقوى الله بقيام اللّيل وصيام النّهار والتّخليط فيما بين ذلك، ولكن التَّقْوَى أداء فرائض الله وترك محارمه، فمن رزق بعد ذلك خيراً فهو خير إلى خير) أ.هـ.

فَمَنْ رُزِق بعد أداء الفرائض وترك المحارم نشاطاً في فعل النّوافل وترك المكروهات والمشتبهات فهو خير إلى خير.


وقال طلق بن حبيب التّابعي المشهور رحمه الله: (تقوى الله أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تدع معاصي الله على نور من الله تخاف عقاب الله).

وقال بعضهم في تفسيرها: التَّقْوَى طاعة الله ورسوله،

وقال آخرون: التَّقْوَى أن تجعل بينك وبين غضب الله وعقابه وقاية تقيك ذلك بفعل الأوامر وترك النواهي.



وكلّ هذه العبارات معانيها صحيحة.

فالتَّقْوَى حقيقتها هي: دين الإسلام،

وهي:الإيمان والعمل الصّالح، وهي: العلم النّافع والعمل به، وهي: الصّراط المستقيم،

وهي: الإستسلام لله والإنقياد له جلّ وعلا بفعل الأوامر وترك النّواهي؛ عن إخلاص كامل له سبحانه، وعن إيمانه به ورسله، وعن إيمان بكلّ ما أخبر الله به ورسوله، إيماناً صادقاً يثمر أداء الخير، والحذر من الشرّ، والوقوف عند الحدود،

وإنّما سمى الله دينه تقوى؛ لأنّه يقي من استقام عليه عذاب الله وغضبه، ويحسن لربّه العاقبة جلّ وعلا،

وسمى هذا الدّين إسلاماً؛ لأنّ المسلم يسلم نفسه لله وينقاد لأمره، يقال: أسلم فلان لفلان، أي انقاد له، ولهذا سمى الله دينه إسلاماً في قوله: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ )[26] وغيرها من الآيات؛ لأنّ المسلم انقاد لأمر الله وذلّ لعظمته،

فالمسلم حقاً ينقاد لأمر الله، ويبتعد عن نهيه، ويقف عند حدوده، قد أعطى القيادة لربّه فهو عبد مأمور، رضاه وأنسه ومحبته ونعيمه في امتثال أمر الله وترك نهيه، هذا هو المسلم الحق.

ولهذا قيل له: مسلم، يعني منقاداً لأمر الله، تاركاً لمحارمه، واقفاً عند حدوده، يعلم أنّه عبد مأمور عليه الإمتثال،

ولهذا سمّي الدّين عبادة كما سمي إسلاماً، سمّي عبادة كما في قوله سبحانه وتعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ )[27]،

وفي قوله عز وجل: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ )[28]، فسمّي عبادة؛ لأنّ العباد يؤدّون أوامر الله ويتركون نواهيه عن ذلّ وخضوع وانكسار، وعن اعتراف بالعبودية، وأنّهم مماليك لله وأنّه سيّدهم، وأنّه القاهر فوقهم، وأنّه العالم بأحوالهم، وأنّه المُدبّر لشؤونهم، فهم عبيد مأمورون ذليلون منقادون لأمره سبحانه وتعالى.

فلهذا سمّى الله دينه عبادة؛ لأنّ العبادة عند العرب هي: التّذلّل والخضوع والإنكسار،

يقولون: طريق مُعبّد، يعني مذلّل قد وطأته الأقدام، ويقولون أيضاً: بعير معبّد، يعني قد شدّ ورحل حتّى ذلّ للرّكوب والشّدّ عليه،

فسمّيت طاعاتنا لله عبادة؛ لأنّنا نؤدّيها بالذلّ والخضوع لله جلّ وعلا، وسمّي العبد عبداً؛ لأنّه ذليل بين يدي الله مقهور مربوب للذي خلقه وأوجده، وهو المتصرّف فيه سبحانه وتعالى.

وسمّي هذا الدّين أيضاً إيماناً؛ لأنّ العباد يؤدّونه عن إيمان بالله وتصديق به ورسله،

فلهذا سمّي دين الله إيماناً لهذا المعنى، كما في الحديث الصّحيح من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) أخرجه الشيخان واللفظ لمسلم.

فبيّن عليه الصّلاة والسّلام أن الدّين كلّه إيمان، وأن أعلاه قول: لا إله إلا الله،

فعلمنا بذلك أن الدّين كلّه عند الله إيمان، ولهذا قال سبحانه: ( وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ )[29] فسمّاهم بذلك، لأنّك أيّها المؤمن بالله واليوم الآخر تؤدّي أعمالك وطاعتك، وتترك المحارم عن إيمان وتصديق بأنّ الله أمرك بذلك، ونهاك عن المحارم، وأنّه يرضى منك هذا العمل ويثيبك عليه، وأنّه ربّك ولم يغفل عنك وأنت تؤمن بهذا، ولهذا فعلت ما فعلت، فأدّيت الفرائض، وتركت المحارم، ووقفت عند الحدود، وجاهدت نفسك لله عزّ وجل.

وسمّى الدين براً، لأنّ خصاله كلّها خير. وسمى هذا الدّين هدى؛ لأن من استقام عليه فقد اهتدى إلى خير الأخلاق وإلى خير الأعمال؛ لأنّ الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم ليكمل مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، كما في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنّه قال: ((إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))،

وفي حديث أنيس أخي أبي ذر قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى مكارم الأخلاق

فهذا الدّين سمّي هدى؛ لأنّه يهدي من استقام عليه إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، كما قال عز وجل: ( وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى )[30]، وقال في أهله: ( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ )[31]،

وقال في أهله أيضاً: ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )[32]

وبهذا تعلم يا أخي معنى هذه الألفاظ: "الإسلام،الإيمان، التّقوى، الهدى ، البِرّ ،العبادة"، إلى غير ذلك.

وتعلم أيضاً أن هذا الدّين الإسلامي قد جمع الخير كلّه، فمَنْ استقام عليه وحافظ عليه وأدّى حقّه وجاهد نفسه بذلك فهو مُتَّقٍ لله، وهو موعود بالجَنَّة والكرامة، وهو موعود بتفريج الكروب وتيسير الأمور، وهو الموعود بغفران الذنوب وحط الخطايا، وهو الموعود بالنّصر على الأعداء والسّلامة من مكائدهم إذا استقام على دين الله وصبر عليه، وجاهد نفسه لله، وأدى حق الله وحق عباده،

فهذا هو المُتّقي وهو المؤمن، وهو البرّ، وهو المفلح، وهو المهتدي والصّالح، وهو المُتَّقِي لله عزّ وجل، وهو المسلم الحق.


وأسأل الله عزّ وجل أن يوفّقنا وجميع المسلمين للتّقوى، وأن يأخذ بأيدينا جميعاً لما يرضيه، وأن يجعلنا جميعاً من عباده الصّالحين ومن حزبه المفلحين، وأن يمنّ علينا بالإستقامة على تقواه في كل أقوالنا وأعمالنا، والدّعوة إلى ذلك والصّبر عليه إنّه سبحانه جواد كريم،


والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدّين.

-----------------------------------------------------------

[1] سورة الطلاق الآية 2-3.

[2] سورة الأنفال الآية 29.

[3] سورة لقمان الآية 8.

[4] سورة النحل الآية 97.

[5] سورة الطلاق الآية 4.

[6] سورة الأنفال الآية 29.

[7] سورة الطلاق الآية 5.

[8] سورة آل عمران الآية 120.

[9] سورة الأنفال الآية 60.

[10] سورة آل عمران الآية 120.

[11] سورة الأنفال الآية 10.

[12] سورة محمد الآية 7.

[13] سورة الحج الآية 40-41.

[14] سورة آل عمران الآية 120.

[15] سورة الذاريات الآية 15.

[16] سورة الطور الآية 17.

[17] سور القلم الآية 34.

[18] سورة العنكبوت الآيتان 2-3.

[19] سورة العنكبوت الآيتان 2-3.

[20] سورة محمد الآية 31

[21] سورة الأنبياء الآية 35.

[22] سورة الأعراف الآية 168.

[23] سورة هود الآية 49.

[24] سورة طه الآية 132.

[25] سورة العنكبوت الآية 69.

[26] سورة آل عمران الآية 19.

[27] سورة البقرة الآية 21.

[28] سورة الذاريات الآية 56.

[29] سورة التوبة الآية 72.

[30] سورة النجم الآية 23.

[31] سورة البقرة الآية 5.

[32] سورة البقرة الآية 157.



http://www.binbaz.org.sa/mat/8528



التّقوى سبب كلّ خير radshobohat0032.jpg


التعديل الأخير تم بواسطة الاستاذ ; 11-05-2013 الساعة 09:09 PM
  • الاستاذ غير متواجد حالياً
  • رد مع اقتباس
قديم 11-10-2013, 07:39 PM #2
ahmedbld
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2013
المشاركات: 100
شكرا اخي الكريم
  • ahmedbld غير متواجد حالياً
  • رد مع اقتباس
إضافة رد

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:44 AM


.Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
منتدى الشروق الجزائري