التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

قسم المذكرات والبحوث الجامعية بحوث الطلبة الجامعيين كل التخصصات

بحث حول الدول الاشتراكية

بحث حول الدول الاشتراكية بحث حول الدول الاشتراكية بحث حول الدول الاشتراكية بحث حول الدول الاشتراكية الدول الاشتراكية مقدمة هناك اسطورة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 10-31-2013, 11:05 AM #1
الاستاذ
المدير العام
 
الصورة الرمزية الاستاذ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2013
العمر: 26
المشاركات: 36,585
بحث حول الدول الاشتراكية
بحث حول الدول الاشتراكية
بحث حول الدول الاشتراكية
بحث حول الدول الاشتراكية


بحث حول الدول الاشتراكية simo1wl2.gif



الدول الاشتراكية

مقدمة
هناك اسطورة واسعة الانتشار تقول ان الماركسية صعبة.
وهى اسطورة يتم الدعاية لها من قبل اعداء الاشتراكية - مثلا هارولد ويلسون زعيم حزب العمال البريطانى السابق الذى يفاخر بانته لم يستطع ابدا ان يقرا اكثر من الصفحة الاولى من كتاب كارل ماركس "راس المال".
وهى ايضا اسطورة يشجعها صنف خاص من الاكاديميين الذين يعلنون عن انفسهم كماركسيين:
فهم يزرعون عمدا جمل مبهمة وتعبيرات غامضة من اجل اعطاء الانطباع انهم يمتلكون معرفة خاصة لايمتلكها الاخرون.
لذلك لايثير الدهشة ان العديد من الاشتراكيين الذين يعملون 40 ساعة فى الاسبوع فى المصانع والمناجم او المكاتب ياخذونه امرا مسلما به ان الماركسية شىء لايمكن ان يكون لديهم الوقت او الفرصة لفهمه.
في الحقيقة ان الافكار الرئيسية للماركسية بسيطة للغاية.
فهى تفسر المجتمع الذى نعيش فيه كما لا تستطيع اى منظومة اخرى من الافكار. وهى تعطى معنى لعالم خربته الازمات، لما فيه من فقر في وسط الوفرة، لانقلاباته وديكتاتورياته العسكرية، و للطريقة التى يمكن بها ان ترسل بعها الاختراعات الرائعة الملايين لطوابير الإعانات والصدقات، للديمقراطيات التى تمول من يقومون بالمذابح وللدول الاشتراكية التى تهدد شعوب بعضها بالأسلحة النووية.
في نفس الوقت، فان مفكري النظام الذين يسخرون من الأفكار الماركسية يطاردون بعضهم البعض في لعبة التخصص الأعمى المجنونة بشكل لا يفسرون ولا يشرحون به شيئا.
إلا انه على الرغم من أن الماركسية ليست صعبة تواجه من يقرا كتابات ماركس للمرة الأولى مشكلة. فكل ما كتبه ماركس كان منذ اكثر من قرن مضى.
فاستخدم لغة عصره، بشكل كامل بالرجوع للأفراد والأحداث التي كانت وقتها معروفة للجميع بينما الآن لا يعرفها إلا المؤرخون المتخصصون.
واتذكر حيرتى الشخصية - عندما كنت بالمدرسة - عندما حاولت قراءة كراس ماركس الثامن عشر من بروميير لويس بونابرت. فلم اكن اعرف ماذا تعنى بروميير او من يكون بونابرت. وما اكثر الاشتراكيين الذين تخلوا عن محاولاتهم للامساك بالماركسية بعد مثل هذه التجربة!!
هذا هو المبرر وراء هذا الكتاب القصير.
فهو يسعى لتقديم مقدمة للافكار الماركسية تجعل من السهل على الاشتراكيين ان يتابعوا ما كان ماركس بصدده وان يفهموا تطور الماركسية من وقتها على يد فريدريك انجلز وروزا لوكسمبورج وفلاديمير لينين وليون تروتسكى و جمهرة كاملة من المفكرين الاقل شانا.
اغلب هذا الكتيب ظهر لاول مرة على شكل سلسلة مقالات فى جريدة "العامل الاشتراكى" بعنوان "الماركسية مبسطة". لكننى اضفت مادة جوهرية حديثة.
قليل منها جئت به بالجملة من محاولتين سابقتين لتقديم عرض مبسط للافكار الماركسية: كتاب دنكان هالاس " معنى الماركسية" و " السلسلة التعليمية الماركسية" لفرع حزب العمال الاشتراكيين البريطانى فى نورويتش.
نقطة اخيرة، هى ان ضيق المساحة منعنى من التعرض لبعض الاجزاء الهامة من التحليل الماركسى للعالم المعاصر. ويحتوى ملحق هذا الكتيب على مراجع للمزيد من القراءة حولها.
كريس هارمان
الفصل الثالث عشر:
الاشتراكية والحرب
اتسم القرن الحالي بأنه قرن الحروب.
لقد قتل عشرة ملايين شخص في الحرب العالمية الأولى، 55 مليون في الحرب العالمية الثانية، و2 مليون في الحرب في الهند الصينية.
أما الآن، فإن القوتين النوويتين العظميين في العالم، وهما أمريكا وروسيا، تمتلكان وسائل تدمير الجنس البشري بكامله عدة مرات.
إن تفسير هذا الرعب يعتبر من الأمور العسيرة بالنسبة لأولئك الذين ينظرون إلى المجتمع القائم كأمر مسلّم به.
فهؤلاء مدفوعون لاستنتاج أن هناك دافع فطري أو غريزي في البشر يقودهم للاستمتاع بالمذابح الجماعية.
ولكن الحقيقة هي أن الجنس البشري لم يعرف الحرب دائما.
لقد لاحظ جوردون شيلد عن أوروبا في العصر الحجري ما يلي:
"يبدو أن أهل الدانوب الأوائل كانوا قوما مسالمين، فأسلحة الحرب بالمقارنة بأدوات الصيادين لم تكن موجودة في مقابرهم.
إن قراهم افتقدت للدفاعات العسكرية."
ولكن، "في المراحل الأخيرة للعصر الحجري الحديث، أصبحت المعدات الحربية هي الأكثر ظهورا…"
إن الحرب لا تنتج عن عدوانية بشرية فطرية، بل هي نتيجة انقسام المجتمع إلى طبقات. فمنذ 5000 أو 10000 سنة مضت وعندما ظهرت طبقة من أصحاب الأملاك لأول مرة، كان عليها العثور على وسيلة للدفاع عن ثروتها.
بدأت تلك الفئة في إنشاء قوات مسلحة ثم دولة أضحت منفصلة عن باقي المجتمع؛ وفيما بعد، أصبح نهب مجتمعات أخرى وسيلة ثمينة للمزيد من تراكم الثروة.
عني انقسام المجتمع إلى طبقات أن الحرب أصبحت مظهرا دائما للحياة الإنسانية.
لم تستطع الطبقات الحاكمة المالكة للعبيد في اليونان القديمة وروما البقاء بدون حروب مستمرة والتي كانت توفر المزيد من العبيد.
وكان على ملاك الأراضي الإقطاعيين في العصور الوسطى أن يتسلحوا بقوة حتى يخضعوا عبيد الأرض المحليين، وأيضا ليحموا غنائمهم من ملاك الأراضي الإقطاعيين الآخرين.
وعندما بدأت الطبقات الرأسمالية الحاكمة الأولى في الظهور منذ 300 أو 400 سنة مضت، اضطرت هي أيضا اللجوء للحرب باستمرار.
لقد كان عليهم خوض حروب مريرة في القرون 16، 17، 18 و19 من أجل إرساء سيادتهم على بقايا الحكام الإقطاعيين القدماء.
نجد مثلا أن أكثر الدول الرأسمالية نجاحا مثل بريطانيا استخدمت الحرب لتوسيع ثروتها والوصول إلى ما وراء البحار، ونهب الهند وأيرلندا ونقل ملايين البشر كعبيد من أفريقيا إلى أمريكا، وهي في كل ذلك كانت تحول العالم كله إلى مصدر للنهب لنفسها.
وهكذا، فلقد بنى المجتمع الرأسمالي نفسه عن طريق الحرب.
فلا عجب إذن أن كل أولئك الذين عاشوا فيه آمنوا بأن الحرب هي شيء "حتمي" و"عادل" في نفس الوقت.
ومع ذلك، فالرأسمالية لا يمكن أبدا أن ترتكز بالكامل على الحرب.
لقد أتت معظم ثروتها من خلال استغلال العمال في المصانع والمناجم، وكان هذا شيئا يتعطل أحيانا عندما ينشب صراع داخل "البلد الأم" ذاته.
لقد أرادت كل طبقة رأسمالية وطنية السلام في بلدها بينما تشنّ الحرب في الخارج.
ولذلك، فبينما شجعت تلك الطبقات التمسك بـ"الفضائل العسكرية"، هاجمت أيضا وبضراوة "العنف".
إن أيديولوجية الرأسمالية تمزج بطريقة متناقضة تماما وبإفراط العبارات العسكرية والسلمية.
أما في القرن الحالي، فقد أصبحت الاستعدادات للحرب أكثر أهمية للنظام من أي وقت مضى. كان الإنتاج الرأسمالي في القرن التاسع عشر مرتكزا على الشركات الصغيرة التي تنافس بعضها البعض، كما كانت الدولة مجرد مؤسسة صغيرة تنظم علاقات تلك الشركات ببعضها وبينها وعمالها.
ولكن في القرن الحالي، ابتلعت الشركات الكبيرة معظم الشركات الصغيرة قاضية بذلك على المنافسة داخل كل دولة. فالمنافسة بدأت تتجه نحو العالمية أكثر وأكثر بين الشركات العملاقة في دول مختلفة.
لا توجد دولة رأسمالية عالمية لتنظيم هذه المنافسة.
ولكن بدلا من ذلك، فإن كل دولة على حدة تبذل كل الضغوط الممكنة لمساعدة طبقة الرأسماليين بها على الحصول على ميزات ليتفوقوا على منافسيهم الأجانب.
فصراع الحياة والموت بين الرأسماليين المختلفين يمكن أن يصبح صراعا للحياة والموت بين دول مختلفة، كل بترسانتها الضخمة من الأسلحة المدمرة.
أدى هذا الصراع مرتين إلى حروب عالمية.
كانت الحربان العالميتان الأولى والثانية حروبا إمبريالية نتجتا عن خلافات بين تحالفات دول رأسمالية من أجل السيطرة على العالم.
ثم جاءت الحرب الباردة كاستكمال لهذا الصراع حيث اصطفت فيها أقوى الدول الرأسمالية ضد بعضها البعض في الناتو وحلف وارسو.
بالإضافة إلى هذا الصراع العالمي، احتدمت العديد من الحروب الساخنة في أجزاء مختلفة من العالم.
عادة كانت هذه صراعات بين دول رأسمالية مختلفة حول مسألة من يجب أن يسيطر على منطقة معينة، مثل الحرب بين العراق وإيران التي اندلعت في عام 1980.
ولقد أذكت كل القوى الرئيسية نيران الحرب ببيعها أكثر التكنولوجيا العسكرية تعقيدا لدول العالم الثالث.
إن هناك الكثير من الناس الذين يقبلون باقي خصائص النظام الرأسمالي ممن لا تعجبهم هذه الحقيقة الكئيبة.
إنهم يريدون بقاء الرأسمالية ولكن ليس الحرب؛ ولذلك، فهم يحاولون إيجاد بدائل داخل النظام ذاته.فعلى سبيل المثال، هناك أولئك الذين يعتقدون أن الأمم المتحدة تستطيع منع الحرب.
لكن الأمم المتحدة هي مجرد ساحة للصراع تلتقي فيها الدول المختلفة التي لديها الدافع للحرب.
فهناك، تقارن تلك الدول فيما بينها بين ما تملكه من قوة مثلهم في ذلك مثل الملاكمين الذين يتبارون قبل المباراة. وإذا كانت هناك دولة أو تحالف ما أقوى من الأخرى، فكلاهما سيرى لا جدوى حرب نتيجتها معروفة مقدما.
ولكن إذا كان هناك أي شك في النتيجة، فهم يعرفون طريقة واحدة لتسوية القضية - ألا وهي الذهاب للحرب.
لقد كان ذلك صحيحا بالنسبة للتحالفين النوويين العظميين وهما الناتو وحلف وارسو.
وعلى الرغم من أن الغرب كان لديه التفوق العسكري على الكتلة الشرقية، إلا أن الفجوة بينهما لم تكن كبيرة بالنسبة للروس للدرجة التي تجعلهم يعتقدون أنهم في وضع بائس أو لا أمل فيه.
ولذلك، فإن كلا من واشنطن وموسكو قد خططا للدخول في حرب نووية وكسبها بالرغم من وضوح حقيقة أن نشوب حرب عالمية ثالثة سوف تأتي على معظم الجنس البشري.
لقد انتهت الحرب الباردة مع اندلاع الاضطراب السياسي الذي وقع في أوروبا الشرقية في عام 1989 وانهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه إلى جمهورياته الصغيرة في 1991.
أصبح هناك الكثير من الكلام بعد ذلك حول "نظام عالمي جديد" و "أرباح السلام".
في مقابل تلك الصورة، وعلى الرغم من كل هذا الكلام، رأينا تتابعاً لحروب بربرية - حرب الغرب ضد العراق والتي كانت حليفتهم السابقة، الحرب بين أذربيجان وأرمينيا في الاتحاد السوفيتي السابق، الحروب الأهلية المروعة في الصومال ويوغوسلافيا السابقة.
ورأينا أيضا أنه ما أن تُحلّ عداوة عسكرية بين قوى رأسمالية حتى تأخذ غيرها مكانها.
ففي كل مكان تعرف الطبقات الحاكمة أن الحرب هي وسيلة لزيادة تأثيرها ووضع غشاء الوطنية على عيون العمال والفلاحين.
من الممكن إذن أن تشمئز من الحرب وتخشاها بدون معارضة المجتمع الرأسمالي، ولكنك لا تستطيع أن تضع نهاية لها.
فالحرب هي النتيجة الحتمية لانقسام المجتمع لطبقات، وتهديدها لن ينتهي أبدا باستجداء الحكام الحاليين لصنع السلام.
يجب أن تنتزع الأسلحة من أيديهم عن طريق حركة تقاتل بها المجتمع الطبقي وتخلعه من جذوره مرة وإلى الأبد.
لم تفهم حركات السلام التي ظهرت في أوروبا وأمريكا الشمالية في نهاية السبعينات هذه الحقيقة. لقد حاربت تلك الحركات من أجل وقف إنتاج صواريخ كروز وبرشينج كما عارضت نزع الأسلحة من جانب واحد وحاربت من أجل التجميد النووي.
لكنهم في نفس الوقت اعتقدوا أن الحرب من أجل السلام يمكن أن تنجح بمعزل عن الصراع بين الرأسمالية والعمال.
ولذلك، فشلت هذه الحركات في تعبئة القوة الوحيدة القادرة على إيقاف الدافع تجاه الحرب:
الطبقة العاملة.
الثورة الاشتراكية فقط هي التي تستطيع إنهاء أهوال الحرب.
الفصل الثاني:
فهم التاريخ
إن الأفكار المجردة لوحدها لا يمكنها أن تغير المجتمع. لقد كانت هذه الحقيقة من أهم الخلاصات التي توصل إليها ماركس.
ومثل عدد من المفكرين الذين سبقوه، أصر ماركس على أنه من أجل فهم التاريخ يجب أن ترى البشر كجزء من العالم المادي.
يتحدد سلوك الإنسان بالقوى المادية، مثله في ذلك مثل سلوك أي كائن طبيعي آخر.
لقد كانت دراسة التاريخ الإنساني جزءا من الدراسة العلمية للعالم الحي.
وأطلق على المفكرين الذين تمسكوا بوجهات النظر هذه بـ الماديين.
اعتبر ماركس المادية خطوة عظيمة للأمام بالمقارنة بالتصورات الدينية والمثالية الأخرى في التاريخ.
فلقد عني ذلك أنك تستطيع أن تتناقش بشكل علمي فيما يتعلق بتغيير ظروف المجتمع وبأنك لا تعتمد في ذلك مرة أخرى على الصلاة لله أو على "التغير الروحي" للناس.
فاستبدال المثالية بالمادية كان معناه استبدال الخرافة بالعلم.
ولكن مع ذلك، فليست كل التفسيرات المادية لسلوك الإنسان صحيحة. فكما كانت هناك نظريات علمية خاطئة في علوم الأحياء أو الكيمياء أو الفيزياء، كانت هناك أيضا محاولات خاطئة لتطوير نظريات علمية خاصة بالمجتمع.
وفيما يلي سنقدم بعض الأمثلة:
من الأفكار المادية غير الماركسية الشائعة هي أن البشر لا يتعدوا كونهم حيوانات تتصرف بشكل "طبيعي" وفي أشياء معينة.
فكما أن القتل هو طبيعة الثعالب أو أن الوداعة هي طبيعة الخرفان، فأيضا من طبيعة البشر أن يكونوا عدوانيين ومتسلطين ومتنافسين وطماعين؛ (ومن ذلك نستنتج أن النساء هن بطبعهن ماكرات وخاضعات ومراعيات للآخرين وسلبيات).
ويمكن أن نجد أفضل رأي حول ما سبق في كتاب القرد العاري.
وخلاصة ما نخرج به من مثل تلك الأفكار ما هي إلا ردود فعل متباينة.
فإذا كان البشر بطبيعتهم عدوانيين، فالنتيجة إذن هي أنه لا يوجد منطق من محاولة تطوير المجتمع. فالأوضاع لن تتغير أبدا، والثورات سوف "تفشل دائما".
ولكن، في الحقيقة، نجد أن "طبيعة الإنسان" تتغير من مجتمع إلى آخر.
فعلى سبيل المثال، التنافس الذي يعتبر شيء مسلّم به في مجتمعنا، لم يكن موجودا تقريبا في مجتمعات كثيرة سابقة.
فعندما حاول العلماء أن يجروا اختبارات الذكاء لفئة من الهنود تدعى السيوكس، وجدوا أن الهنود لا يفهمون لماذا لا يستطيعون أن يساعدوا بعضهم البعض في حلّ الأسئلة.
فالمجتمع الذي عاشوا فيه كان يؤكد على قيمة التعاون وليس المنافسة.
ونجد الحكاية متشابهة مع فكرة العدوانية.
فعندما قابل الإسكيمو الأوربيين لأول مرة، لم يستطيعوا أن يفهموا على الإطلاق معنى "الحرب". ففكرة أن هناك مجموعة من البشر تريد إبادة مجموعة أخرى كانت فكرة مجنونة بالنسبة لقبائل الإسكيمو.
وفي مجتمعنا، من "الطبيعي" بالنسبة لنا أن الآباء يجب أن يحبوا ويحموا أبناءهم. ومع ذلك نجد أنه في مدينة إسبرطة الإغريقية القديمة كان من "الطبيعي" أن يترك الآباء أطفالهم في الجبال لوحدهم لكي يعرفوا إذا ما كانوا سيستطيعون تحمل البرد القارص.
وهكذا، فإن فكرة "الطبيعة الإنسانية التي لا تتغير" لا تقدم تفسيرا للأحداث التاريخية الهامة. فأهرامات مصر، أو روعة اليونان القديمة، أو إمبراطوريات روما أو الإنكاس، أو المدينة الصناعية الحديثة، توضع كلها على نفس الدرجة مع الفلاحين الأميين الذين عاشوا في الأكواخ الطينية في العصور المظلمة.
ويعتبر الشيء الهام الوحيد في هذه النظرية هو "القرد العاري" - وليست الحضارة العظيمة التي بناها هذا القرد. كما تعتبر بعض أشكال المجتمع التي نجحت في إطعام تلك "القردة" غير معترف بها، بينما يُعترف بمجتمعات أخرى تترك الملايين من البشر يموتون من الجوع.
من ناحية أخرى، يقبل الكثير من الناس نظرية أخرى للمادية، والتي تؤكد على الطريقة المُثلى الممكنة لتغيير سلوك الإنسان.
فكما يمكن أن تتدرب الحيوانات على تغيير سلوكها في السيرك أو الغابة - كما يقول أنصار هذا الرأي - فإن سلوك الإنسان يمكن أن يتغير بنفس الطريقة.
فإذا استطاع الأشخاص المناسبين أن يتولوا مقاليد الأمور في المجتمع، كما يقال، فإن "طبيعة الإنسان" يمكن أن تتغير.
تمثل وجهة النظر هذه خطوة كبيرة للأمام عن نظرية "القرد العاري"، ولكنها تفشل في تفسير كيف يتغير المجتمع ككل. فإذا كان كل شخص متكيفاً بشكل كامل في مجتمع اليوم، فكيف يمكن إذن أن يرقى مستوى أي فرد عن المجتمع لكي يرى كيف يمكن تغيير آليات التكيف هذه؟ فهل هناك مثلا أقلية مختارة من الله تمتاز بالمناعة الكاملة ضد الضغوط التي تسيطر على باقي البشر؟
فإذا كنا جميعا حيوانات في سيرك، فمن الذي سيصبح مروض الأسود؟
إن أولئك الذين يؤمنون بهذه النظرية ينتهي بهم الحال إلى القول بأن المجتمع لا يمكن أن يتغير (مثلهم في ذلك مثل أصحاب نظرية القرد العاري)، أو أنهم يعتقدون أن التغيير يحدث بواسطة شيء ما خارج نطاق المجتمع - مثل الله، أو "رجل عظيم"، أو من خلال قوة أفكار الأشخاص. فـ "ماديتهم" تتيح لنموذج آخر من المثالية أن يدخل من باب خلفي.
وكما أشار ماركس، إن هذه العقيدة تنتهي بالضرورة إلى تقسيم المجتمع إلى فريقين بحيث يكون أحدهما متفوق على الآخر.
وتعتبر وجهة النظر "المادية" هذه ما هي إلا رد فعل.
إن أحد أنصار هذا الرأي من المشهورين اليوم هو عالم نفسي أمريكي يدعى سكينر. يريد سكينر أن يكيّف الناس بحيث يتصرفون بطرق معينة. ولكن بما أنه هو نفسه نتاج للمجتمع الرأسمالي الأمريكي، فطرق "التكييف" التي سيتبعها تعني محاولة جعل الناس يتأقلمون مع هذا المجتمع.
وهناك رأي مادي آخر يوقع بكل البؤس الموجود في العالم على عاتق "الضغوط السكانية".
(ويطلق عادة على هذا الرأي - مالثسي - نسبة إلى مالثس وهو الاقتصادي البريطاني الذي عاش في القرن الثامن عشر وأول من ابتدعوا هذه النظرية).
ولكن هذا الرأي لا يستطيع تفسير لماذا مثلا تحرق الولايات المتحدة فائض الذرة لديها بينما يموت الكثيرون في الهند من الجوع.
ولا يستطيع أيضا أن يفسر لماذا لم يكن هناك منذ 150 سنة غذاء من إنتاج الولايات المتحدة يكفي لإطعام 10 مليون من البشر، بينما في عالم اليوم لديهم من الغذاء ما يكفي لإطعام 200 مليون فرد.
فتلك النظرية تتناسى أن كل فم إضافي يحتاج للغذاء هو أيضا إنسان إضافي يستطيع العمل وتحقيق الثروة.
أشار ماركس إلى أن كل تلك التفسيرات الخاطئة ما هي إلاّ أشكال للمادية "الميكانيكية" أو "البدائية". فكلها تتناسى أنه بينما يعيش البشر كجزء من العالم المادي، فهم أيضا أشخاصا فاعلة قادرة على تغيير هذا العالم.
التفسير المادي للتاريخ "يمكن تمييز البشر عن الحيوانات بالوعي، الدين أو أي شيء آخر تحبه.
فهم أيضا يبدءون في تمييز أنفسهم عن الحيوانات بمجرد أن يبدءوا في إنتاج وسائل العيش - أي غذاءهم ومسكنهم وملبسهم."
بهذه الكلمات، أكد كارل ماركس من البداية على النقطة الأساسية التي تميز تفسيره لكيفية تطور المجتمع.
إن البشر حيوانات تطورت من كائنات تشبه القردة.
ومثل الحيوانات الأخرى، فإن أول ما يشغلهم هو إطعام وحماية أنفسهم من المناخ.
فالطريقة التي تقوم بها الحيوانات الأخرى لعمل ذلك يعتمد على بنيتهم البيولوجية المتوارثة.
فالذئب يبقى حيا من خلال مطاردة وقتل فريسته بطرق تحددها غرائزه البيولوجية المتوارثة.
وهو ينعم بالدفء في الليل البارد بسبب الفرو الذي يغطيه.
وهو أيضا يربي أطفاله بالطرق السلوكية المتوارثة.
أما حياة البشر فهي غير جامدة أو محددة بهذه الطريقة.
فالبشر الذين جابوا أنحاء العالم منذ 100,000 أو 30,000 سنة قد عاشوا حياة مختلفة تماما عنا اليوم.
لقد عاشوا في الأكواخ وبطون الأرض، ولم يكن لديهم أواني لحفظ الطعام أو الماء، واعتمدوا في غذائهم على جمع البذور أو إلقاء الحجارة على الحيوانات البرية.
كما أنهم لم يستطيعوا الكتابة أو عدّ الأرقام فيما عدا أرقام أصابعهم.
ولم يكن لديهم أي معرفة حقيقية بما كان يجري بعيدا عن جيرانهم القريبين أو ما قد فعله آباءهم من قبلهم.
ومع ذلك، فإن شكلهم الجسماني منذ 100,000 سنة كان مشابها لشكل إنسان العصر الحديث، وكان مطابقا له تماما منذ 30,000 سنة. فإذا أتيت مثلا برجل الكهف وغسلت جسده وحلقت له ذقنه وشعره وألبسته بدلة وجعلته يمشي في الشارع، فلن يتصور أحد أنه يبدو مختلفا.
فكما أشار عالم الحفريات جوردون تشايلد:
"إن هياكل أجدادنا الأوائل تنتمي إلى المراحل الأخيرة للعصر الثلجي …
ومنذ بداية ظهور الهياكل البشرية في السجلات الجيولوجية، فإن تطور جسم الإنسان وقف عند نقطة معينة على الرغم من أن تطوره الحضاري كان في بداياته."
حول نفس هذه الفكرة، قال عالم الحفريات ليكي:
"إن الاختلافات الجسمانية بين إنسان حضارتي الأوريجناسيان والماجدلينيان (منذ 25000 عام) من ناحية، وإنسان اليوم من ناحية أخرى هي اختلافات ثانوية، بينما نجد الاختلاف الحضاري شديد الاتساع."
وبكلمة "حضارة" يعني عالم الحفريات الأشياء التي يتعلمها الرجال والنساء ويعلموها لبعضهم البعض ( كيفية حياكة الملابس مثلا من الفرو أو الصوف، كيفية عمل الأواني من الطين، كيفية إشعال النار للطهي، كيفية بناء السكن، … إلخ)
مقارنة بالأشياء التي تعرفها الحيوانات بغريزتها.
إن حياة الإنسان الأول كانت مختلفة تماما عن حياة الحيوانات الأخرى. فالإنسان الأول كان يستطيع استخدام الصفات الجسمانية الخاصة بالبشر - مثلا المخ الكبير، والأوصال الأربعة التي يستطيع إمساك الأشياء بها - لكي يشكل الطبيعة من حوله ويطوعها لاحتياجاته.
ولقد عني ذلك أن الإنسان يمكنه التأقلم مع كمّ هائل من الظروف المختلفة وبدون أي تغيير في بنيته الجسمانية.
فالإنسان لم يعد يقوم بردود أفعال تجاه ما حوله فقط، ولكنه بدأ في اتخاذ مبادرات والقيام بأفعال تجاه ما حوله وبدأ يغيرها تبعا لإرادته.
في البداية، استخدم الإنسان العصي والحجارة لمهاجمة الوحوش الضارية، وقام بإشعال النار ليوفر لنفسه الدفء والضوء، وقام أيضا بتغطية نفسه بأوراق الأشجار وجلود الحيوانات.
وعلى مدار عشرات الآلاف من السنين، تعلم الإنسان أن يشعل النار بنفسه ويشكل الحجارة باستخدام أنواع أخرى منها، كما تعلم في النهاية زراعة غذائه وتخزينه في أوانٍ مصنوعة من الطين وأيضا تعلم تربية الحيوان.
ومنذ 5000 سنة من التاريخ الإنساني الذي يعود إلى نصف مليون سنة مضت، تعلم الإنسان سر تحويل المعدن الخام إلى معادن يمكن تشكيلها لصناعة الآلات التي يمكن الاعتماد عليها كأسلحة فعالة.
وكل من تلك التطورات كان لها تأثيرا هائلا، ليس فقط في جعل الحياة أسهل للإنسان لإطعام نفسه وتوفير ملبسه، ولكن أيضا في تغيير نظام الحياة البشرية ذاتها. فمنذ البداية، كانت حياة الإنسان اجتماعية.
ولقد استطاع الإنسان قتل الوحوش فقط من خلال الجهود المشتركة لعدد من الأشخاص، وينطبق ذلك على جمع الطعام وإشعال النار.
كان على البشر أن يتعاونوا.
ساعد هذا التعاون المستمر على أن يبدأ البشر في التفاعل بواسطة نطق أصوات معينة ثم بعد ذلك تكوين اللغة. في البداية، كانت المجموعات الاجتماعية بسيطة.
فلم يكن هناك إنتاج من الطبيعة يكفي لإبقاء مجموعات كبيرة من البشر على قيد الحياة وبصحة جيدة، ربما فقط بعض الأعداد البسيطة.
وكان المجهود الأعظم ينفق في المهام الأساسية لإنتاج الطعام؛ ولذلك، فلقد قام الجميع بنفس العمل وعاشوا نفس نوعية الحياة.
وبدون وجود أية وسائل لتخزين الطعام، لم تكن هناك ملكية خاصة أو انقسامات طبقية. ولم تكن هناك أيضا أية غنائم توجِد دافعا للحرب.
وحتى بضعة سنوات قليلة مضت، كانت ما تزال هناك المئات من المجتمعات في أنحاء متفرقة من العالم تعيش بنفس ذلك النمط - مثلا بين بعض قبائل الهنود في شمال وجنوب أمريكا، وبعض سكان أفريقيا والمحيط الهادي، وأيضا بين الأروميين في أستراليا.
وليس تفسير ذلك أن هؤلاء البشر أقل منا ذكاء أو أن"عقليتهم بدائية".
فسكان أستراليا الأصليين - الأروميين - كان عليهم أن يتعلموا كيفية التعرف على الآلاف من النباتات وعادات أنواع كثيرة من الحيوانات المتنوعة حتى يستطيعوا البقاء على قيد الحياة.
ولقد وصف عالم الأنثروبولوجيا فيرث ذلك بقوله:
"إن سكان قبائل أستراليا …
يعرفون عادات وعلامات واختلاف الفصول عند الحيوانات التي تؤكل وطرق تربيتها بالإضافة إلى معرفتهم بالأسماك والطيور التي يصطادونها. وهم يعرفون أيضا الخصائص الخارجية وبعض تلك الداخلية للصخور والأحجار والشمع والصمغ والنباتات والأنسجة ولحاء الأشجار؛ ويعرفون كيف يشعلون النار؛ ويعرفون كيفية استخدام الحرارة لتخفيف الألم ووقف النزيف وتأخير تعفن الطعام الطازج؛ كما أنهم يستخدمون النار والحرارة لتشكيل بعض الأخشاب وجعلها صلبة وتليين بعضها الآخر…
وهم يعرفون أيضا شيئا ما عن تعاقب فترات القمر، وحركة المد والجزر، ودوران الكواكب، وتعاقب مواعيد الفصول.
لقد استطاعوا أن يتعرفوا على تغيرات المناخ ونظم الرياح، والخصائص السنوية للرطوبة والحرارة، وتدفق النمو عند الأحياء الطبيعية …
بالإضافة إلى ذلك، فإنهم يستخدمون نتاج الحيوانات التي يقتلونها من أجل الطعام بشكل ذكي واقتصادي، فهم يأكلون جلد الكنغرو ويستخدمون عظام الأرجل في صناعة الآلات الحجرية وكمسامير، ويستخدمون الأعصاب في ربط الرماح، والمخالب في صناعة الأساور بالشمع والأنسجة، ثم يخلطون الدهون بالغراء الأحمر لعمل المساحيق، ويخلطون الدم بالفحم النباتي لعمل الدهانات …
ولديهم أيضا بعض المعرفة بمبادئ الميكانيكا، ويصنعون البمرنغ أو قطع الخشب الملوية المعقوفة التي يبرمونها مرة بعد الأخرى لتأخذ التقويس المضبوط."
لقد كانوا "أمهر" منا كثيرا في التعامل مع مشاكل البقاء في الصحراء الأسترالية.
وما لم يتعلموه هو كيفية زرع البذور لينتجوا طعامهم بأنفسهم - وهو شيء تعلمه أجدادنا منذ حوالي 5000 سنة فقط بعد أن مكثوا على وجه الأرض أضعاف تلك السنوات بمئات المرات.
إن تطور تقنيات جديدة لإنتاج الثروة - أي وسائل معيشة الإنسان - قد خلقت أشكال جديدة من التعاون بين البشر، أو علاقات اجتماعية جديدة.
فعلى سبيل المثال، عندما تعلم البشر في البداية زراعة طعامهم (بواسطة زراعة البذور وتربية الحيوان) وتخزينه (في أوانٍ من الطين)، اعتُبر ذلك ثورة كاملة في الحياة الاجتماعية - أطلق عليها بواسطة علماء الحفريات "ثورة العصر الحجري." كان على البشر أن يتعاونوا مع بعضهم البعض لكي يحرثوا الأرض ويحصدوا الطعام، وأيضا ليصطادوا الحيوانات. وهكذا، أصبح بإمكانهم أن يعيشوا مع بعض بأعداد كبيرة عن ذي قبل وأن يخزنوا طعامهم وأن يبدءوا في مبادلة بضائعهم مع مجموعات أخرى من البشر.
وهكذا، كان في الاستطاعة أن تنمو المدن الأولى. فللمرة الأولى، توفرت إمكانية أن يعيش بعض الناس حياة خالية من عبء إنتاج الطعام فقط:
فالبعض أصبح يمكنه التخصص في صناعة الأواني، والبعض الآخر في صناعة صوان المعادن وبعد ذلك المعادن التي أنتجت الآلات والأسلحة، كما تخصص البعض الآخر في مهام إدارية أولية لإدارة شئون المستوطنة ككل.
والأهم من ذلك كله أن فائض الطعام خلق دافعا للحرب.
بدأ البشر اكتشاف طرق جديدة للتعامل مع العالم المحيط بهم، أو تطويع الطبيعة لخدمة احتياجاتهم. ولكن في خلال هذه العملية، وبدون قصد، فقد طوّروا المجتمع الذي عاشوا فيه، وبالتالي حياتهم هم أيضا. لخّص ماركس تلك العملية بقوله أن تطوير "عوامل الإنتاج" قد غيرت "علاقات الإنتاج"، ومن خلال ذلك المجتمع ككل.
وهناك الكثير من الأمثلة الحديثة.
منذ 300 سنة مضت، عاش غالبية السكان في هذا البلد على نتاج الأرض، حيث كانوا ينتجون الطعام بواسطة آلات لم تتطور كثيرا على مدار قرون عدة.
وبالتالي، كانت آفاق تفكيرهم محددة بحدود قريتهم ومفاهيمهم متأثرة إلى حد كبير بالكنيسة.
فالغالبية العظمى لم تكن في حاجة للقراءة أو الكتابة ولم يتعلموهما أبدا.
ثم منذ 200 سنة، بدأت الصناعة في التطور.
فلقد جيء بعشرات الآلاف من البشر للعمل في المصانع. وهكذا، حدث تحول هائل في حياتهم.
فالآن، عاش هؤلاء الأفراد في المدن الكبيرة وليس في القرى الصغيرة.
واحتاجوا إلى أن يتعلموا عدد من المهارات لم يكن ليحلم بها أجدادهم من قبلهم، بما في ذلك تعلم القراءة والكتابة.
كما ساعد بناء السكك الحديدية والبواخر على إمكانية السفر حول نصف الكرة الأرضية.
ولم تعد الأفكار القديمة التي تعلموها من القساوسة تناسبهم على الإطلاق في ظل ذلك التطور .
فالثورة المادية في الإنتاج شكلت أيضا ثورة في أسلوب حياتهم والأفكار التي آمنوا بها.
والآن، ما زال هناك مثل تلك التغيرات التي تؤثر على حياة الكثير من البشر. أنظر مثلا إلى الطريقة التي يُحضر بها أفراد من قرى بنجلاديش أو تركيا إلى المصانع في إنجلترا أو ألمانيا من أجل العمل.
أنظر إلى كيف أن الكثير منهم يجدون أن عاداتهم القديمة واتجاهاتهم الدينية لم تعد تناسبهم.
أو أنظر إلى الـ50 سنة الماضية والطريقة التي تعودت عليها النساء في العمل خارج المنزل وكيف أن هذا التغير قد ساعدهن على مناهضة الأفكار القديمة التي جعلتهن ملكاً لأزواجهن.
فالتغيرات التي تطرأ على عمل البشر مع بعضهم البعض لإنتاج الطعام والملبس والمسكن الذي يحتويهم تؤدي إلى تغيرات في الطريقة التي ينتظم بها المجتمع واتجاهات الناس فيه.
إن هذا هو سر التغير الاجتماعي - تغير التاريخ - والذي لم يفهمه الكثير من المفكرين قبل ماركس (والكثيرين أيضا منذ ظهور نظريته) مثل الطوباويين والماديين الميكانيكيين.
لقد رأى الطوباويون أن هناك تغيير - ولكنهم قالوا أنه يأتي من السماء. أما الماديين الميكانيكيين فقد رأوا أن البشر يتكيفون بالعالم المادي ولكنهم لم يستطيعوا أبدا فهم كيفية حدوث التغيير.
ما رآه ماركس، من ناحية أخرى، هو أن البشر يتكيفون بالعالم من حولهم، ولكنهم يتفاعلون مع هذا العالم ويعملون لجعله أكثر صلاحية للسُكنى. وهم في ذلك يغيرون الظروف التي يعيشون فيها، وبالتالي فهم يغيرون من أنفسهم أيضا.
إن مفتاح فهم التغيير في المجتمع يكمن في فهم كيفية تعامل البشر مع مشكلة إنتاج طعامهم ومسكنهم وملبسهم. لقد كانت تلك هي النقطة التي انطلق منها ماركس.
ولكن هذا لا يعني أن الماركسيين يؤمنون بأن التطور في التكنولوجيا ينتج أوتوماتيكيا مجتمعا أفضل أو أن الاكتشافات العلمية تؤدي أوتوماتيكيا إلى تغيرات في المجتمع.
لقد رفض ماركس هذه الرؤية (والتي يطلق عليها أحيانا الحتمية التكنولوجية).
ومرة بعد أخرى في التاريخ، قامت الجماهير برفض الأفكار التي تطور من إنتاج الطعام والمسكن والملبس لأن هذا التطور يصطدم مع اتجاهات أو أنماط المجتمع السائدة.
ففي ظل الإمبراطورية الرومانية، على سبيل المثال، كانت هناك أفكار عديدة عن كيفية إنتاج محاصيل أكثر من مساحة أرض معينة ولكن الناس لم تفعل ذلك لأنه كان سيتطلب إخلاص في العمل أكثر مما يمكن الحصول عليه من العبيد وهم يعملون تحت ضغط الخوف من الكرباج.
وعندما حكم البريطانيون أيرلندا في القرن الثامن عشر، فقد حاولوا أن يوقفوا نمو الصناعة هناك لأنها اصطدمت مع مصالح رجال الأعمال في لندن.
فإذا جاء أحد وقدم طريقة معينة لكي يحل مشكلة نقص الطعام في الهند بذبح البقر المقدس، أو أن أحدا حاول توفير اللحم لكل فرد في بريطانيا من خلال تصنيع لحوم الفئران، فسوف يتم تجاهل هذا الشخص تماما بسبب تمسك الناس بالمفاهيم السائدة.
إن التطور في الإنتاج يتحدى المفاهيم القديمة والطرق القديمة لتنظيم المجتمع، ولكن هذا التطور لا يطيح بشكل أوتوماتيكي بتلك المفاهيم القديمة وأشكال المجتمع السائدة.
فالكثير من الناس تحارب أحيانا من أجل منع حدوث تغيير ما - وأولئك الذين يرغبون في استخدام طرق جديدة للإنتاج عليهم أن يحاربوا من أجل إحداث التغيير.
وإذا كسب المعركة أولئك الذين يعارضون التغيير، فلن يتم توظيف الأشكال الجديدة للإنتاج وسوف يصاب المجتمع بحالة ركود أو يتقهقر للوراء.
إن التعريف الماركسي يقول:
عندما يحدث تطور في قوى الإنتاج، فإنها تصطدم بالعلاقات الاجتماعية السائدة والأفكار التي نمت على أساس القوى الإنتاجية القديمة.
وحينئذ فإما أولئك الذين يؤيدون قوى الإنتاج الجديدة سوف يكسبون تلك المعركة، أو سيكسبها الفريق الآخر المؤيد للنظام القديم.
وفي الحالة الأولى، يتقدم المجتمع للأمام، وفي الحالة الأخرى يركد المجتمع أو يتخلف إلى الوراء.
الفصل الثالث:
الصراع الطبقي
نحن نعيش في مجتمع منقسم إلى طبقات، يحظى فيه قليل من الناس بثروات خاصة هائلة في حين لا يملك معظمنا شيئا يذكر. ونحن نميل بالطبع لافتراض أن الأمور كانت دائما على هذا النحو. لكن في الواقع، وفي الجزء الأعظم من تاريخ الإنسان، لم تكن هناك طبقات ولا ملكية خاصة ولا جيوش أو شرطة.
كان ذلك هو الوضع خلال نصف مليون سنة من تطور الإنسان حتى 5000 أو 10000 سنة مضت. لم يكن ممكنا أن ينقسم المجتمع إلى طبقات قبل أن يكون بوسع الفرد الواحد أن ينتج من الطعام ما يفوق حاجته التي تجعله قادرا على العمل.
فما جدوى الاحتفاظ بعبيد إذا كانوا يحتاجون لاستهلاك ما ينتجونه للبقاء على قيد الحياة؟
إلا أنه بعد حدّ معين، فإن تقدم الإنتاج جعل الانقسامات الطبقية غير ممكنة فحسب بل ضرورية أيضا.
فقد صار بالإمكان إنتاج طعام يكفي لترك فائض بعد حصول المنتجين المباشرين على ما يكفيهم للبقاء على قيد الحياة.
كما توفرت وسائل تخزين هذا الطعام ونقله من مكان لآخر.
كان من الممكن ببساطة أن يأكل أولئك الذين أنتج عملهم كل هذا الطعام فائض الطعام الإضافي.
وحيث أنهم كانوا يعيشون حياة هزيلة بائسة إلى حد كبير، فإن الإغراء كان كبيرا.
إلا أن ذلك كان من شأنه إبقائهم بلا حماية إزاء تقلبات الطبيعة التي قد تأتي بمجاعة أو فيضان في العام التالي، أو القدرة على مواجهة الهجمات من القبائل الجائعة من خارج المنطقة.
في البداية، كانت هناك مصلحة كبيرة للجميع في أن تتولى جماعة خاصة من الناس مسئولية هذه الثروة الإضافية بحيث يخزنونها تحسبا للكوارث المستقبلية، ويستخدمونها لدعم الحرفيين وبناء وسائل الدفاع، ومبادلة جزء منها مع أناس بعيدين مقابل أشياء مفيدة. بدأ القيام بتلك الأنشطة في المدن الأولى حيث عاش الإداريون والتجار والحرفيون. وبدأت الكتابة تتطور من خلال العلامات على الألواح المستخدمة لحفظ السجلات الخاصة بمختلف أنواع الثروة.
تلك كانت الخطوات المتعسّرة الأولى لما نسميه "الحضارة".
إلا أن ذلك كله كان قائما على السيطرة على الثروة المتزايدة بواسطة أقلية من السكان.
واستخدمت الأقلية الثروة لمصلحتها وكذلك لصالح المجتمع ككل.
كلما زاد الإنتاج تطورا كلما زادت الثروة التي تتركز في أيادي تلك الأقلية، وكلما زاد ما يتم استقطاعه من باقي المجتمع.
فالقواعد التي ظهرت كوسائل لإفادة المجتمع أصبحت "قوانين" وأصرت على أن الثروة والأرض التي أنتجتها كانت "الملكية الخاصة" للأقلية. لقد ظهرت الطبقات الحاكمة للوجود وكانت القوانين تدافع عن سلطاتها.
من الممكن أن تتساءل عما إذا كان ممكنا للمجتمع أن يتطور بشكل آخر بالنسبة لأولئك الذين كانوا يعملون في الأرض لكي يستطيعوا السيطرة على إنتاجهم؟
الإجابة هي لا، ليس بسبب "طبيعة الإنسان" لكن بسبب أن المجتمع كان لا يزال فقيرا للغاية.
كانت الغالبية من سكان الأرض مشغولة تماما في نبش التربة من أجل حياة هزيلة، فلم يكن هناك وقت لتطوير أنظمة القراءة والكتابة أو خلق أعمال فنية، أو بناء السفن للتجارة أو وضع خريطة لسير النجوم لاكتشاف مبادئ الرياضيات والاستعداد لوقت فيضان الأنهار، أو كيفية شقّ قنوات الري. هذه الأشياء كان يمكن لها أن تحدث فقط في حالة مصادرة بعضا من ضرورات الحياة من غالبية جمهور السكان واستخدامها للحفاظ على حياة أقلية متميزة والتي ليس عليها أن تشقى من شروق الشمس لغروبها.
على أية حال، إن هذا لا يعني أن الانقسام لطبقات ما زال ضروريا اليوم.
فلقد شهد القرن الماضي تطورا للإنتاج يفوق الخيال في تاريخ الإنسانية السابق كله.
لقد تم التغلب على الندرة الطبيعية - وما هو موجود الآن يعتبر ندرة مصطنعة تنتج بسبب أن الحكومات تدمر مخزون الغذاء.
إن المجتمع الطبقي اليوم يعود بالإنسانية للخلف ولا يقودها للأمام.
لم يكن هذا مجرد تغيرا أولياً من المجتمعات الزراعية النقية إلى مجتمعات المدن الصغيرة والكبيرة والتي أنتجت بالضرورة الانقسامات الطبقية الجديدة.
فنفس العملية كانت تُعاد كل مرة بظهور طرق جديدة لإنتاج الثروة.
وهكذا، ففي بريطانيا ومنذ آلاف السنين، تألفت الطبقة الحاكمة من البارونات الإقطاعيين الذين كانوا يسيطرون على الأرض ويعيشون على كواهل العبيد.
لكن بمجرد أن بدأت التجارة تتطور بشكل كبير هناك، بدأ في نفس الوقت نمو طبقة متميزة جديدة من التجار الأغنياء في المدن.
وعندما بدأت الصناعة تتطور على مستوى كبير، بدأ أصحاب المشروعات الصناعية ينافسوهم في قوتهم.
وفي كل مرحلة من تطور المجتمع، كانت هناك طبقة مضطَهَدة، ومن خلال قوة عملهم خُلقت الثروة ومعها طبقة حاكمة سيطرت على هذه الثروة.
لكن لأن المجتمع يتطور، فإن كل من المضطَهَدين والمضطَهِدين خضعوا للتغيير.
في المجتمع العبودي لروما القديمة، كان العبيد ملكية شخصية للطبقة الحاكمة.
كان مالك العبيد يملك السلع التي ينتجها العبد لأنه يملك العبد نفسه، بنفس الطريقة بالضبط التي كان يملك بها اللبن الذي تنتجه البقرة لأنه يملك البقرة.
في المجتمع الإقطاعي في العصور الوسطى، كان لدى الأقنان أراضيهم الخاصة بهم وكانوا يملكون ما ينتج منها.
لكن في مقابل حيازة تلك الأرض، كان عليهم أن يقوموا بعدد من الأعمال في أيام محددة خلال السنة في الأرض المملوكة من قِبل السيد الإقطاعي.
وبذلك، فإن وقتهم كان يتم تقسيمه - ربما نصف وقتهم كانوا يخصصونه للسيد ونصف الوقت الآخر لأنفسهم؛ وإذا رفضوا القيام بالعمل للسيد الإقطاعي فقد كان يستطيع معاقبتهم إما بالجلد أو السجن أو ما هو أسوأ من ذلك.
في المجتمع الرأسمالي الحديث، لا يملك المدير العامل جسديا ولا هو مخوّل بمعاقبته جسديا إذا ما رفض العامل أن يقوم بعمل غير مدفوع الأجر من أجله.
لكن المدير يملك المصانع حيث يضطر العامل أن يجد وظيفة لو أراد أن يبقى على قيد الحياة.
ولذلك، فمن السهل تماما بالنسبة للمدير أن يجبر العامل على أن يتحمل الأجر الذي يُدفع له وهو أقل بكثير من قيمة السلع التي يصنعها العامل في المصنع.
وفي كل حالة من تلك، تسيطر الطبقة المستغِلة على الثروة المتبقية بمجرد سدّ الاحتياجات الأساسية جدا للعمال.
كان مالك العبد يهدف إلى أن يُبقي ملكيته في حالة جيدة، ولذلك فهو يغذي عبده تماما بنفس الطريقة التي تزود سيارتك بالبنزين.
لكن كل شيء يفيض عن الحاجات المادية للعبد يستخدمها المالك لمتعته الخاصة.
أما بالنسبة لعبد الإقطاعي، فكان يُطعم نفسه ويوفر ملبسه من خلال العمل الذي يبذله في جزء الأرض الذي يملكه.
ولكن فيما يتعلق بالعمل الإضافي الذي يبذله في أرض السيد فإن ثماره تذهب إلى السيد.
أما العامل في العصر الحديث فيحصل على أجر. وكل الثروة الأخرى التي ينتجها تذهب للطبقة الحاكمة كربح أو فائدة أو إيجار.
الصراع الطبقي والدولة
نادرا ما يتقبل العمال نصيبهم من العمل بدون مقاومة أو صراع.
فلقد كان هناك ثورات للعبيد في مصر القديمة وروما وثورات فلاحية في الصين الإمبريالية، وحروب أهلية بين الأغنياء والفقراء في المدن اليونانية القديمة وروما وأوروبا في عصر النهضة. كان هذا هو سبب أن بدأ كارل ماركس منشوره البيان الشيوعي مؤكدا على:
"إن تاريخ كل مجتمع موجود إلى يومنا هذا هو تاريخ الصراع الطبقي." اعتمد نمو الحضارة على استغلال إحدى الطبقات لأخرى، وبالتالي على الصراع فيما بينهما.
فمهما وصلت قوة الفرعون المصري أو الإمبراطور الروماني أو أمير العصور الوسطى، ومهما بلغت الرفاهية التي كانوا يعيشون فيها، ومهما كانت روعة قصورهم، فإنهم كانوا لا يستطيعون فعل أي شيء إلا إذا ضمنوا أن المنتجات المتوفرة بواسطة الفلاحين البؤساء والعبيد تنتقل إلى ملكيتهم. وهم يستطيعون فعل ذلك فقط إذا كان هناك بجانب هذا الانقسام الطبقي نموا لشيء آخر - وهو السيطرة على وسائل العنف بأنفسهم وبواسطة مؤيديهم.
في المجتمعات المبكرة، لم يكن هناك جيش أو شرطة أو أجهزة حكومية منفصلة عن غالبية الناس. وحتى منذ 50 أو 60 سنة مضت - على سبيل المثال - كان لا يزال هناك في مناطق في أفريقيا إمكانية لوجود مجتمعات من هذا النوع. فالعديد من المهام التي تقوم بها الدولة في مجتمعنا كانت تتم ببساطة وبشكل غير رسمي بواسطة جميع السكان أو من خلال اجتماعات لممثلين من بينهم.
كانت تلك الاجتماعات تقيّم سلوك أي فرد إذا ما كسر قاعدة اجتماعية هامة، وكانت العقوبة تطبق بواسطة المجتمع ككل.
فعلى سبيل المثال، ربما يكون الحكم أن يُجبر المخطئين على الرحيل.
وبما أن كل الأفراد قد وافقوا على العقوبة اللازمة، لم يكن هناك احتياج لوجود قوات شرطة منفصلة لتنفيذ العقوبات.
وإذا اندلعت الحرب، فكل الرجال من الشباب يشاركون فيها تحت قيادة يتم اختيارها مخصوص للقيام بهذه المهمة، ومرة أخرى بدون أي هيكل منفصل للجيش.
لكن بمجرد أن يكون لديك مجتمع تسيطر فيه أقلية على معظم الثروة، تصبح هذه الطرق البسيطة للحفاظ على "القانون والنظام" وتنظيم الحرب غير فعالة.
ويصبح أي اجتماع للممثلين أو أي تجمع للشباب المسلح من المرجّح أن ينقسم بناء على الفروق الطبقية.
تستطيع المجموعة ذات الامتيازات أن تحيا فقط من خلال احتكارها لِسَنّ وتنفيذ العقوبات والقوانين وتنظيم الجيوش وإنتاج الأسلحة.
وهكذا، نجد أن الفصل بين الطبقات كان مرتبطا بظهور جماعات القضاة ورجال الشرطة والبوليس السري والجنرالات والبيروقراطيين، بحيث يحصل كل منهم على جزء من الثروة التي في يد الطبقة صاحبة الامتيازات في مقابل حماية حكمها أو سلطتها.
إن أولئك الذين خدموا في صفوف هذه "الدولة" كانوا مدربين على طاعة أوامر قادتهم بدون تردد، كما كانوا مفصولين عن أية روابط اجتماعية عادية مع الجماهير المستغَلة.
وهكذا، تطورت الدولة كآلة للقتل في يد الطبقة المتميزة واستطاعت أن تكون آلة فعالة للغاية.
بالطبع، أراد الجنرالات الذين يديرون هذه الآلة أن يوقعوا بالإمبراطور أو الملك المعين لكي ينصّبوا أنفسهم في مكانه.
أما الطبقة الحاكمة التي سلحت هذا الوحش فلم يكن في مقدورها في الكثير من الأحيان أن تسيطر عليه. ولكن لأن الثروة المطلوبة لإبقاء آلة القتل دائرة تأتي من استغلال مجاميع العمال، فإن أي تمرد كان يتبعه استمرار للمجتمع الذي كان موجودا في السابق.
وعلى مدار التاريخ، نجد أن البشر الذين أرادوا بالفعل تغيير المجتمع للأفضل قد وجدوا أنفسهم في مواجهةمع - ليس فقط الطبقة صاحبة الامتيازات - ولكن أيضا تلك الآلة المسلحة: الدولة التي تخدم مصالحها.
لقد نشأت في الأساس الطبقات الحاكمة ومعها القساوسة والجنرالات ورجال الشرطة والنظم القانونية التي دعمتها لأنه بدونهم لم تكن للحضارة أن تتطور. لكن بمجرد أن يثبّتوا أقدامهم في السلطة، يصبح لديهم مصلحة في إعاقة تطور الحضارة.
فسلطتهم تعتمد على قدرتهم على إخضاع أولئك الذين ينتجون الثروة بحيث يقدمونها لهم في النهاية.
كما أنهم يفقدون الاهتمام بالطرق الحديثة لإنتاج الثروة - حتى لو كانت اكثر كفاءة عن القديمة - خشية أن يفقدوا السيطرة عليها.
إنهم يخافون أي شيء يمكن أن يقود الجماهير المستغَلة إلى نمو مبادراتهم أو استقلاليتهم.
كما أنهم يخافون من نشأة مجموعات جديدة ذات امتيازات وثروة كافية تجعلهم قادرين على شراء الأسلحة وتسليح الجيوش الخاصة بهم.
وعند نقطة معينة، فإنهم يبدءون في تعويق تطور الإنتاج بدلا من مساعدته على التقدم للأمام.
على سبيل المثال، في فترة حكم الإمبراطورية الصينية، استند نفوذ الطبقة الحاكمة على ملكيتها للأرض وسيطرتها على القنوات والسدود التي كانت ضرورية للري من أجل تجنب الفيضانات.
ولقد مهّد هذا النفوذ الأساس لحضارة امتدت إلى حوالي 2000 سنة.
ولكن في نهاية تلك الفترة، لم يكن الإنتاج متقدم كثيرا عن البداية، على الرغم من ازدهار الفن الصيني واكتشاف الطباعة والبارود.
كل هذا في وقت كانت فيه أوروبا واقعة تحت نير العصور المظلمة.
وكان السبب في ذلك أنه عندما بدأت تظهر أشكال جديدة للإنتاج، حدث ذلك في المدن من خلال مبادرات التجار والحرفيين.
ولقد خشيت الطبقة الحاكمة هذا النمو في سلطة جماعة اجتماعية معينة والتي لم تكن تخضع لسيطرتها بشكل كامل. ولذلك، وبطريقة دورية، اتخذت السلطات الإمبريالية إجراءات صارمة لسحق الاقتصاد المتنامي في المدن ودفع الإنتاج لأسفل وتحطيم سلطة الطبقات الاجتماعية الجديدة.
إن نمو قوى جديدة للإنتاج - أي طرق جديدة لإنتاج الثروة - قد اصطدم مع مصالح الطبقة الحاكمة القديمة.
لقد تصاعد الصراع وكانت النتيجة هي التي حددت مستقبل المجتمع كله.
وفي بعض الأحيان، كانت النتيجة - كما في الصين - هي عدم السماح لأنماط جديدة من الإنتاج في الظهور، وظل المجتمع في حالة ركود لفترات طويلة من الزمن.
وفي بعض الأحيان الأخرى، كما في الإمبراطورية الرومانية، كان معنى عجز الأنماط الجديدة للإنتاج من التطور أنه في آخر الأمر لم تعد هناك ثروة كافية تُنتَج لإبقاء المجتمع قائما على قواعده القديمة.
ثم انهارت الحضارة وتحطمت المدن، فارتدّت الشعوب إلى نمط المجتمع البدائي الزراعي.
وفي أحيان أخرى، قامت طبقة جديدة على أساس نمط جديد للإنتاج واستطاعت تنظيم صفوفها، وبالتالي إضعاف ثم التخلص نهائيا وهزيمة الطبقات الحاكمة القديمة مع نظامها القانوني وجيوشها وأيديولوجيتها ومؤسساتها الدينة. بعد ذلك، استطاع المجتمع أن يتطور ويتقدم للأمام.
وفي كل حالة من تلك، وعندما كان أي من تلك المجتمعات في تقدم للأمام أو للخلف، اعتمد ذلك على الفريق الذي كسب الحرب بين الطبقات.
وكما هو الحال في أي حرب، لم يكن أبدا النصر محددا منذ البداية، ولكنه اعتمد على التنظيم والتماسك وقيادة الطبقات المتصارعة.
الفصل الرابع:
الرأسمالية:
كيف بدأ النظام
إن واحدة من أكثر النقاشات هزلاً هي التي تسمعها تقول أن الأوضاع لم يكن لها أن تختلف عما هي عليه الآن. ولكن الأوضاع بالفعل كانت مختلفة، ليس في مكان بعيد على الكرة الأرضية، ولكن هنا في هذه الدولة وليس منذ زمنا طويلا.
فمنذ حوالي 250 عاما، ربما اتّهمك الناس بالجنون إذا ما وصفت لهم العالم الذي نعيش فيه اليوم بمدنه الضخمة ومصانعه الكبيرة وطائراته ورحلات فضائه، وحتى بنظم السكك الحديدية. كان كل ذلك سيفوق خيالهم. لقد عاش الناس قديما في مجتمع تهيمن عليه الزراعة، ولم يخطوا غالبيتهم عشرة أميال خارج قراهم حيث تَحدّد نمط الحياة - كما كان سائدا لآلاف السنوات - على تعاقب الفصول.
ولكن منذ 700 أو 800 سنة، حدث تطور في المجتمع كان من نتائجه مناهضة النظام القائم بأكمله. بدأت مجموعات من الحرفيين وأصحاب الأعمال التجارية بناء مستقبلهم في المدن؛ فهم لم يعودوا يقدمون خدماتهم مقابل لا شيء للسيد الإقطاعي كما فعل باقي السكان، ولكنهم كانوا يبادلون منتجاتهم مع السادة والأقنان على اختلافهم مقابل الطعام.
وبشكل متزايد، أصبحوا يستخدمون المعادن الثمينة كمعيار لهذا التبادل.
وبالتالي، فالنظر إلى كل نوع من المبادلة كفرصة للحصول على عدد أكثر قليلا من المعادن الثمينة وتحقيق الربح لم يعد يمثل خطوة كبيرة للأمام.
في البداية، استطاعت المدن أن تبقى على قيد الحياة من خلال تأليب السادة الإقطاعيين ضد بعضهم البعض.
ولكن بتحسّن مهارات من لديهم من حرفيين، استطاعوا تكوين ثروة أكبر، وبالتالي زاد نفوذهم كثيرا.
فـ "البرجوازية" أو "الطبقات الوسطى" قد بدأت تظهر كطبقة من ضمن نسيج المجتمع الإقطاعي في العصور الوسطى.
ولكنهم استطاعوا أن يحققوا ثراءهم بطريقة مختلفة تماما عن السادة الإقطاعيين والذين كانوا يسيطرون على المجتمع.
فلقد عاش السيد الإقطاعي مباشرة على الإنتاج الزراعي الذي أخرجه عبيده من أرضه بالقوة.
فالسيد قد استخدم قوته الشخصية ليجعلهم يقومون بهذا العمل بدون أن يكون مضطرا لدفع أي أجر لهم.
وعلى عكس ذلك الوضع، عاشت الطبقات الغنية في المدن على بيع السلع غير الزراعية.
كما أنهم كانوا يدفعون للعمال أجورا من أجل إنتاج تلك السلع، إما باليوم أو الأسبوع.
وهؤلاء العمال، وهم في غالبيتهم من العبيد الهاربين، كانوا "أحراراً" في الذهاب والعودة كما شاءوا طالما أنهم انتهوا من العمل الذي يأخذون عليه أجراً.
أما الشيء الإلزامي "الوحيد" بالنسبة لعملهم فهو أنهم كانوا سيموتون من الجوع إذا لم يجدوا عملا عند أحد.
أما الأثرياء فكانوا يزدادون ثراءً لأن ذلك العامل "الحر" اضطر - بدلا من الموت جوعا - إلى أن يقبل بأجر على عمله أقل من قيمة السلع التي كان ينتجها.
وسوف نرجع إلى هذه النقطة فيما بعد.
أما ما يهمنا الآن فهو أن طبقة البرجوازيين الوسطى والسادة الإقطاعيين قد حصلوا على ثرواتهم من مصادر مختلفة تمام الاختلاف.
وهذا جعل لديهم الرغبة في أن يروا المجتمع منظماً بطرق مختلفة.
إن المجتمع المثالي بالنسبة للسيد الإقطاعي كان مجتمعا يتحقق له فيه النفوذ المطلق على أراضيه الخاصة وبدون التقيد بالقوانين المنصوص عليها أو تدخّل أي شخص من الخارج، وأيضا ضمان عدم هروب عبيده. أراد ذلك السيد أن تبقى الأوضاع كما كانت عليه في أيام والده وجده، بحيث يقبل كل فرد الوضع الاجتماعي الذي ولد به.
أما طبقة البرجوازيين الغنية الحديثة، فقد رأت الأمور بشكل مختلف. لقد أرادوا فرض قيود على نفوذ الإقطاعيين أو الملوك لكي يتدخلوا في أمور تجارتهم أو ليسرقوا ثروتهم. كان عندهم حلماً بتحقيق ذلك من خلال منظومة مستقرة من القوانين المكتوبة، يتم تجهيزها وفرضها بواسطة ممثلين لهم. فلقد أرادوا أن يحرروا الطبقات الفقيرة من العبودية حتى يستطيعوا العمل في المدن (ويزيدون من ثروة البرجوازيين).
فبالنسبة لهم هم شخصيا، نال آباءهم وأجدادهم الكثير من المعاناة تحت حكم السادة الإقطاعيين، فهم بالتأكيد لم يرغبوا في استمرار ذلك الوضع.
باختصار إذن، أراد البرجوازيون إحداث ثورة في المجتمع.
ولم تكن صراعاتهم مع النظام القديم بسبب عوامل اقتصادية فقط، ولكن أيضا لدوافع أيديولوجية وسياسية.
وتعلق الخلاف الأيديولوجي أساسا بالعامل الديني - في مجتمع نسبة الأمية غالبة به - حيث كان المصدر الرئيسي للأفكار العامة عن المجتمع هو خطبة الكنيسة.
وحيث أن الكنيسة في العصور الوسطى كان يديرها الأساقفة والرهبان، والذين كانوا ينتمون هم أنفسهم لطبقة السادة الإقطاعيين، فقد حرضت الكنيسة على الأفكار المؤيدة لتلك الطبقة وهاجمت الكثير من ممارسات برجوازيي المدن باعتبارها "خطايا".
ولذلك نجد أنه في ألمانيا، هولندا، إنجلترا وفرنسا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، قامت الطبقات الوسطى بالدعاية لدين خاص بهم:
البروتستانتية، وهي أيديولوجية دينية تدعو إلى حسن التدبير والاتزان والعمل الشاق (خاصة بالنسبة للعمال!)، وأيضا استقلالية الطبقات الوسطى عن نفوذ الأساقفة والرهبان.
لقد أبدعت الطبقة الوسطى إلهاً في خيالها، في مقابل إله العصور الوسطى.
واليوم، يُحكى لنا في المدرسة أو على شاشة التليفزيون عن الحروب الدينية العظمى أو الحروب المدنية لتلك الفترة كأنها كانت فقط نتاج للاختلاف الديني، وكأن الناس كانت تحارب وتموت لمجرد اختلافهم حول دور جسد أو دم المسيح في العشاء الربّاني.
ولكن كانت هناك الكثير من الأمور الخطيرة، خاصة الصراع بين نمطين للمجتمع مختلفين تمام الاختلاف ومبنيين على طريقين مختلفين لتنظيم إنتاج الثروة.
في بريطانيا، كسب البرجوازيون المعركة.
وعلى الرغم من كون ما حدث في تلك الأثناء يبدو مرعبا للطبقة الحاكمة اليوم، فإن أجدادهم وصلوا للسلطة بقطع رأس الملك وتبرير ذلك بما نصّ عليه لغو الأنبياء في التوراة.
ولكن في مناطق أخرى، كسب الإقطاعيون المعارك في الجولة الأولى. ففي فرنسا وألمانيا، تم سحق الثوريين البرجوازيين البروتستانت بعد سلسلة من الحروب المدنية الفظيعة (على الرغم من أن الديانة التي بقيت في شمال ألمانيا كانت نموذج إقطاعي للبروتستانتية).
واضطر البرجوازيون أن ينتظروا قرنين أو أكثر قبل أن يحرزوا النصر، وذلك في الجولة الثانية التي لم تلبس عباءة الدين في باريس 1789.
الاستغلال وفائض القيمة
في مجتمعات العبودية والإقطاع، كان على الطبقات العليا أن تخلق القوانين التي تسيطر بها على الجماهير العاملة.
فإذا لم تفعل ذلك، كان يمكن لأولئك الذين يعملون لدى السيد الإقطاعي أو مالك العبيد الهرب، تاركين الطبقة المتميزة بدون أفراد يعملون في خدمتها.
ولكن الرأسمالي عادة لا يحتاج إلى مثل تلك السيطرة القانونية على الفرد العامل.
إنه لا يحتاج لأن يمتلكه ولكنه يجب أن يتأكد من أن العامل الذي يرفض العمل لدى الرأسمالي سوف يموت من الجوع. فبدلاً من امتلاك العامل يمكن للرأسمالي أن يزدهر ويتقدم لأنه يملك ويسيطر على مصدر عيش العامل:
أي الآلات والمصانع.
فالاحتياجات المادية للحياة كانت تُنتَج بواسطة عمل البشر.
ولكن يصبح هذا العمل غير مفيد على الإطلاق بدون آلات تحرث الأرض وتصنّع المواد الخام. ويمكن أن تتنوع هذه الآلات تنوعا كبيرا، بداية من الآلات الزراعية البدائية مثل المحراث والفأس، وانتهاء بالآلات المعقدة والتي تجدها في المصانع الحديثة. وهكذا، فبدون الآلات لا يستطيع حتى أكثر العمال مهارة أن ينتجوا الأشياء التي يحتاجها البشر للبقاء على قيد الحياة.
لقد كان تطور تلك الآلات - والتي عادة ما يطلق عليها "وسائل الإنتاج" - هو العامل الذي يفصل بين إنسان العصر الحديث وأسلافنا القدامى في العصر الحجري.
فالرأسمالية تعتمد على امتلاك وسائل الإنتاج هذه بواسطة قلة من الأفراد. وفي بريطانيا اليوم، على سبيل المثال، يمتلك 1% من السكان حوالي 84% من الأسهم والسندات في الصناعة.
كما تتركز في أياديهم آليات التحكم الفعال في الغالبية العظمى من وسائل الإنتاج - مثل الآلات، المصانع، حقول البترول، وأفضل الأراضي الزراعية.
ويستطيع غالبية الجماهير أن يحصلوا على وسائل عيشهم فقط إذا سمح لهم الرأسماليون بالعمل في وبوسائل الإنتاج تلك. إن هذا يعطي الرأسماليين قوة هائلة لاستغلال عمل البشر الآخرين، حتى إذا كان "الكل متساوي" أمام القانون.
لقد مكث الرأسماليون عدة قرون لكي يشيدوا نظم احتكارهم وسيطرتهم على وسائل الإنتاج.
ففي إنجلترا، على سبيل المثال، كان على البرلمان في القرنين السابع والثامن عشر أن يمرّر أولا سلسلة من اللوائح الصارمة والتي قضت على الفلاحين بالطرد من أراضيهم التي حرثوها لقرون عديدة، أي وسائل إنتاجهم.
وأصبحت الأرض ملكاً لقسم من الطبقة الرأسمالية، وتم إجبار سكان الريف على بيع عملهم للرأسماليين أو أن يموتوا من الجوع.
وعندما حقق الرأسماليون هذا الاحتكار على وسائل الإنتاج، منحوا الجماهير الحرية والمساواة الشكلية في ممارسة الحقوق السياسية معهم.
فمهما بلغت "الحرية" بالعمال، كان عليهم أن يعملوا للبقاء على قيد الحياة.
ونجد لدى الاقتصاديين المساندين للرأسمالية تفسيرا بسيطا لما حدث في تلك المرحلة. فهم يقولون أنه بدفعه للأجور، يشتري الرأسمالي عمل العامل.
ويجب عليه أن يدفع ثمنا منصفا له، وإلاّ سوف يتركه العامل ليعمل عند آخر.
فالرأسمالي يعطي "أجر يومي منصف" وفي المقابل يجب أن يعطي العامل "عمل يومي منصف" .
كيف إذن يفسرون الربح؟
يقولون إن الربح يعتبر "مكافأة" للرأسمالي على "تضحيته" في السماح باستخدام وسائل إنتاجه (رأسماله).
وتعتبر هذه الأطروحة غير مقنعة لأي عامل يفكر في الأمر لمدة دقيقة واحدة.
خُذ مثلا شركة تعلن عن "معدل ربح صافي" 10%. فهي تقول أنه إذا كانت تكلفة الآلات والمصانع كلها وغيرها التي تمتلكها تبلغ 100 مليون جنيه إسترليني، فسيتبقى لهم 10 مليون إسترليني كربح بعد دفع الأجور وتكلفة المواد الخام وإحلال الآلات المتهالكة في السنة.
وأنت لا تحتاج أن تكون عبقريا لترى أنه بعد عشرة أعوام ستكون الشركة قد حققت إجمالي ربح 100 مليون جنيه إسترليني - أي التكلفة الكلية لاستثماراتهم في البداية.
فإذا كانت "التضحية" هي التي تُكافَأ، فبالتأكيد بعد العشرة أعوام الأولى ستكون كل الربحية قد انتهت.
وعند هذه النقطة، سيكون الرأسماليون قد حصلوا على المبلغ الكامل الذي وضعوه كرأسمال في البداية. ولكن في الواقع، أصبح الرأسمالي الآن أكثر ثراء عن السابق بالضعف.
فهو يمتلك استثماره الأصلي و الأرباح المتراكمة.
أما بالنسبة للعمال في هذه الأثناء، فهم قد ضحّوا بمعظم طاقتهم التي تعينهم على الحياة وذلك بالعمل في المصنع لمدة 8 ساعات يوميا، أي 48 ساعة أسبوعيا.
هل أصبحوا أكثر ثراء بالضعف في نهاية الأعوام العشرة عن البداية؟
بالطبع لا.
وحتى إذا كان العامل يدّخر بشكل متصل، فهو لن يستطيع أن يشتري أكثر من تليفزيون ملون مثلا أو سيارة مستعملة، أو ما شابه ذلك.
فالعامل لن يتمكن أبدا من أن يدخر المال الذي يجعله قادرا على شراء المصنع الذي يعمل به.
وهكذا، "فالعمل اليومي المنصف مقابل الأجر اليومي المنصف" قد ضاعف من رأسمال الرأسمالي بينما ترك العامل بدون رأسمال وبدون بديل غير أن يستمر في العمل بنفس الأجر تقريبا.
فـ "الحقوق المتساوية" للرأسمالي والعامل قد تزايدت بشكل غير متساوي.
إن واحدة من أعظم اكتشافات كارل ماركس هو تفسيره لهذا التناقض الواضح. فليس هناك أي آلية تفرض على الرأسمالي أن يدفع لعماله القيمة الكاملة لعملهم.
فالعامل الذي يعمل في الصناعات الهندسية اليوم، على سبيل المثال، يمكن أن ينتج ما قيمته 400 جنيه إسترليني في الأسبوع الواحد.
ولكن هذا لا يعني أنه سيحصل على نفس هذا المبلغ كأجر، ففي 99% من الحالات، يحصل العامل على أقل بكثير من هذا المبلغ.
أما البديل بالنسبة للعامل فهو أن يجوع (أو يعيش على المبالغ التعيسة التي يقدمها له الضمان الاجتماعي).
ولذلك فالعمال يطالبون ليس بالقيمة الكاملة لما ينتجون، ولكن ما يكفي لتوفير ظروف معيشية محتملة. فالعامل يأخذ أجرا يكفيه فقط لكي يستطيع بذل كل مجهوده وكل قدرته على العمل يوميا (وهو ما أطلق عليه ماركس قوة عمله) لحساب الرأسمالي.
ومن وجهة نظر الرأسمالي، إذا تم دفع أجر للعمال يكفيهم لمواصلة العمل وتنشئة أطفالهم كجيل جديد من العمال، فهم بذلك يحصلون على مبلغ منصف لقوة عملهم.
ولكن قيمة الثروة التي يحتاجونها للحفاظ على مواصلة العمال للعمل أقل كثيرا جدا من قيمة الثروة التي ينتجونها من خلال عملهم - أي قيمة قوة عملهم أقل كثيرا جدا من القيمة التي حققوها من خلال عملهم.
والفرق يذهب إلى جيوب الرأسمالي. أطلق ماركس على ذلك "فائض القيمة".
التوسع الذاتي للرأسمال
إذا قرأت كتابات المتعاطفين مع النظام القائم، فسوف تلاحظ أنهم يشتركون في اعتقاد من نوع غريب.
فالمال بالنسبة لهم له خاصية سحرية، ويمكن أن ينمو مثل النبات أو الحيوان.
فعندما يضع الرأسمالي أمواله في البنك، فهو يتوقع أن قيمتها ستزيد.
وعندما يستثمرها في شراء أسهم شركة ما مثل يونيليفر مثلا، فهو يتوقع أنه سيُكافأ بمبالغ طازجة من الأموال كل عام على هيئة فوائد.
لاحظ كارل ماركس هذه الظاهرة والتي أطلق عليها "التوسع الذاتي للرأسمال" وشرع في تفسيرها.
فكما شهدنا سابقا، لم يبدأ ماركس من نقطة النقود بل من العمل ووسائل الإنتاج.
في مجتمعنا الحالي، أولئك الذين يملكون ثروة كافية يمكنهم شراء وسائل الإنتاج، ثم يفرضون على الأشخاص الآخرين أن يبيعوا لهم العمل الذي يحتاجونه لتوظيف وسائل الإنتاج.
إن سر "التوسع الذاتي للرأسمال"، أو القدرة الإعجازية للنقود على النمو لأولئك الذين يملكون الكثير منها يكمن في بيع وشراء هذا العمل.
دعنا نأخذ مثالاً بعامل، وسوف نطلق عليه جاك.
يجد جاك وظيفة عند أحد الرأسماليين وليكن مثلا السيد براوننج براون.
إن العمل الذي يستطيع جاك أن ينتجه في ثماني ساعات من العمل سوف يحقق قيمة أكبر من الثروة - ربما تبلغ 48 جنيه إسترليني.
ولكن جاك سيكون مستعدا للعمل في مقابل قيمة أقل من ذلك لأن البديل هو الاعتماد على الضمان الاجتماعي.
فجهود أعضاء البرلمان من المناصرين للرأسمالية سوف تحاول بأي طريقة أن يحصل جاك على 12 جنيه إسترليني فقط في اليوم الواحد من الضمان الاجتماعي لكي تضمن أنه سوف يعيش بالكاد على هذا المبلغ هو وأسرته.
وهم يفسرون ذلك بأنهم إذا أعطوه مبلغا أكبر فسوف "يحطم حافزه للعمل".
وإذا أراد جاك أن يحصل على أكثر من 12 جنيه إسترليني في اليوم فعليه أن يبيع قوة عمله حتى إذا كان سيحصل على أقل من 48 جنيه إسترليني كقيمة للثروة التي ينتجها في 8 ساعات عمل.
وربما يكون جاك مستعدا لأن يعمل في مقابل متوسط الأجر الذي يبلغ 28 جنيه إسترليني في اليوم.
أما الـ20 جنيه إسترليني الفارق بين المبلغين فسيذهب إلى جيب السيد براوننج، حيث يعتبر هذا فائض القيمة الذي تحقق للسيد براوننج.
فلأن لديه ما يكفي من الثروة لشراء السيطرة على وسائل الإنتاج في المقام الأول، فإن السيد براوننج براون يمكنه ضمان أن يصبح أكثر ثراء من خلال الـ20 جنيه إسترليني التي يستخلصها يوميا من كل عامل لديه. وهكذا، فإن أمواله تنمو ورأسماله يتوسع، ليس بسبب قانون ما في الطبيعة، ولكن لأن سيطرته على وسائل الإنتاج تسمح له بأن يحصل على عمل شخص آخر بثمن أرخص.
وبالطبع، فإن السيد براوننج ربما لا يحصل بالضرورة على مبلغ الـ20 جنيه بكامله لنفسه، حيث أنه يمكن أن يكون مؤجّراً للمصنع أو الأرض، أو ربما يكون قد اقترض بعض من رأسماله في البداية من أعضاء آخرين في الطبقة الحاكمة. وبذلك فهم يطالبونه بأن يقتطع من فائض القيمة ليسدد لهم ما اقترضه.
وهكذا، فربما أنه يسدد لهم 10 جنيه كقيمة للإيجار أو الفائدة أو الأسهم المالية، تاركا لنفسه الـ 10 جنيه فقط الأخرى كربح.
إن أولئك الذين يعيشون على عوائد الأسهم والسندات غالبا لم يروا جاك أبدا في حياتهم. وعلى رغم ذلك، لم تكن أبدا القوة الروحية للجنيه هي التي وفرت لهم الدخل، بل القوة البدنية لجاك هي التي فعلت ذلك.
فعوائد الأسهم والفوائد والأرباح قد أتت كلها من فائض القيمة.
فما الذي يحدد على كم يجب أن يحصل جاك كمقابل لعمله؟
إن صاحب العمل سوف يحاول أن يدفع أقل ما يمكن، ولكن في الواقع هناك حدود لا يستطيع أن يتعداها.
أحد هذه الحدود هي القدرة البدنية - فهو لن يستفيد شيئا إذا أعطى العمال أجورا سيئة جدا تجعلهم لا يستطيعون العيش أصحاء ويعانون من سوء التغذية وانعدام القدرة على العمل.
فالعمال يجب أيضا أن تكون لديهم المقدرة البدنية للذهاب والعودة من وإلى العمل يوميا، وأن يكون لديهم مكانا يستريحون فيه في الليل حتى لا ينامون في الصباح على آلاتهم في المصنع.
وانطلاقا من وجهة النظر هذه، فربما يكون من الأفضل دفع أجور تتيح للعمال "بعض من الترفيه" - مثل شرب بعض البيرة في المساء، أو مشاهدة التليفزيون، أو الإجازات الموسمية.
إن هذه الأشياء تجعل العامل أكثر نشاطا وأكثر قدرة على العمل؛ فهي تعمل على تزويده بالوقود لرفع قوة عمله.
وإنها لحقيقة هامة معرفة أنه إذا "انخفضت الأجور كثيرا" فهذا يؤدي إلى انخفاض إنتاجية العمل.
كما أن الرأسمالي لديه أمرا آخر يقلقه.
فشركته سوف تظل في السوق لسنوات طويلة، أي أطول من العمر الافتراضي للطابور الحالي من العمال.
وستصبح الشركة في حاجة إلى عمل أطفالهم، ولذلك فعلى أصحاب العمل أن يدفعوا أجورا للعمال تكفيهم لتنشئة أطفالهم.
ويجب عليهم أيضا أن يتأكدوا من أن الدولة توفر لهؤلاء الأطفال مهارات معينة (مثل القراءة والكتابة) من خلال النظام التعليمي.
ومن واقع الممارسة، هناك شيء آخر هام أيضا: وهو ما يعتقد العامل نفسه أنه "أجر معقول".
فالعامل الذي يحصل على أقل بكثير مما يعتقد أنه أجرا معقولا ربما يهمل عمله ولا يهتم بضياعه حيث أنه أصبح بالنسبة له "غير مُجدي".
إن كل هذه العوامل التي تحدد أجر العامل يوجد بينها شيء مشترك، فهي كلها تتجه نحو التأكد من أن العامل لديه الطاقة الكافية، أو قوة العمل، التي يشتريها الرأسمالي بالساعة.
والعمال يحصلون على الأجور التي تمكنهم وأسرهم من البقاء على قيد الحياة وتكون لديهم القدرة على العمل.
ففي المجتمع الرأسمالي الحالي، هناك نقطة يجب التركيز عليها.
إن هناك مبالغ ضخمة من الثروة تنفق على أشياء مثل قوات البوليس والأسلحة، حيث تستخدم هذه الأشياء لصالح الطبقة الرأسمالية من قبل الدولة. وفي الحقيقة فهي تنتمي للطبقة الرأسمالية على الرغم من أنها تعمل بواسطة الدولة.
والقيمة التي يتم إنفاقها على تلك الأشياء تنتمي للرأسماليين وليس للعمال. ولذلك، فهي تعتبر أيضا جزء من فائض القيمة.
فائض القيمة = الربح + الإيجار + الفوائد + الإنفاق على البوليس والجيش وغيرهما.
الفصل الخامس :
نظرية العمل للقيمة
"ولكن الماكينات ورأس المال تنتج السلع مثلها في ذلك مثل العمل. ولذلك، فمن العدل إذن أن يأخذ كل من رأس المال والعمل نصيبه من الثروة المُنتَجة.
إن كل (عنصر إنتاجي) يجب أن يأخذ مكافأته."
هكذا يرد بعض الأشخاص الذين تعلموا القليل عن الاقتصاد الرأسمالي على التحليل الماركسي للاستغلال وفائض القيمة.
وللوهلة الأولى، تبدو هذه المعارضة منطقية إلى حدّ ما.
فبالتأكيد، أنت لا تستطيع إنتاج البضائع بدون رأسمال؟
والماركسيون لم يدّعوا أبدا أن ذلك ممكنا. ولكن نقطة البداية عندنا مختلفة، فنحن نبدأ بالسؤال:
من أين يأتي رأس المال؟
وكيف ظهرت للوجود وسائل الإنتاج أصلا؟
ليس من الصعب الإجابة على هذه الأسئلة.
فكل شيء استخدمه البشر تاريخيا لإنتاج الثروة - سواء فؤوس العصر الحجري أو الكمبيوتر الحديث - قد أنتجه عمل الإنسان.
فحتى تلك الأدوات التي استخدمت في تشكيل الفؤوس كانت هي نفسها نتاج عمل سابق.
إن هذا هو الذي جعل كارل ماركس يطلق على وسائل الإنتاج بـ "العمل الميت".
فعندما يتفاخر رجال الأعمال برأس المال الذي يملكونه، فإنهم في الحقيقة يتفاخرون بأنهم يمتلكون السيطرة على حجم هائل من عمل الأجيال السابقة - وهذا لا يعني عمل أجدادهم - وهم الذين عملوا بنفس المقدار الذي يعمل به أبناءهم الآن.
إن الفكرة القائلة بأن العمل هو مصدر الثروة - وهو ما يطلق عليه عادة بـ "نظرية العمل للقيمة" - لم تكن في الأساس من اكتشاف ماركس.
فكل كبار الاقتصاديين البرجوازيين حتى وقته قبلوا بهذه النظرية.
فنجد رجال مثل الاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث والإنجليزي ديفيد ريكاردو كانوا يكتبون عندما كان نظام الصناعة الرأسمالية ما زال حديثا - في السنوات القليلة التي سبقت وتبعت الثروة الفرنسية.
لم يكن الرأسماليون هم الطبقة المسيطرة بعد وكانوا يحتاجون التعرف على المصدر الحقيقي للثروة إذا كان لهم أن يتحكموا فيه. خدم كل من سميث وريكاردو مصالحهما بإقناعهم أن العمل هو الذي ينتج الثروة، وبالتالي فإذا أرادوا بناء ثرواتهم يجب عليهم أن "يحرروا" العمل من سيطرة الحكام القدامى الذين سبقوهم في عصر ما قبل الرأسمالية.
ولكن بعد وقت ليس بطويل، بدأ المفكرون المقربون من الطبقة العاملة أن يوجهوا تلك النظرية ضد أصدقاء سميث وريكاردو، بقولهم: إذا كان العمل ينتج الثروة، فالعمل ينتج رأس المال. وهكذا، تصبح "حقوق رأس المال" ما هي إلا حقوق اغتصاب العمال.
وبعد وقت قصير، أعلن الاقتصاديون الذين يدعمون رأس المال أن نظرية العمل للقيمة ما هي إلا كلام فارغ. ولكن إذا قمت بطرد الحقيقة من الباب الأمامي فمن عادتها أن تدخل من الباب الخلفي.
قم بفتح الراديو.
استمع إليه فترة كافية وسوف تسمع بعض النقاد أو غيرهم يدعون أن مشكلة الاقتصاد البريطاني تتمثل في أن "الأفراد لا يعملون بجدية بما فيه الكفاية"، أو بطريقة أخرى لقول نفس الشيء، "إن الإنتاجية منخفضة جدا." إنس لدقيقة إذا كانت هذه الأطروحة صحيحة أم لا، وبدلا من ذلك، فكر بعمق في مضمونها. فهم لا يقولون أبدا أن "الآلات لا تعمل بكفاءة عالية". لا، فاللوم دائما يُلقى على البشر - العمال.
إنهم يدعون أنه إذا عمل العمال بكفاءة أكثر، فسوف تزداد الثروة وسوف يسمح ذلك باستثمارات أكبر في آلات جديدة. إن الأفراد الذين يستخدمون هذه الأطروحة ربما لا يعرفون ذلك، ولكنهم يقولون أن العمل الكثير سوف ينتج رأس مال أكثر. فالعمل هو مصدر الثروة.
فمثلا، إذا كان لديّ خمسة جنيهات في جيبي، فما هي فائدتها بالنسبة لي؟ ففي النهاية ما هي إلا ورقة مطبوعة.
ولكن قيمتها بالنسبة لي تكمن في أنني أستطيع - من خلال مبادلتها - أن أحصل على شيء مفيد قام بصناعته شخص آخر بواسطة عمله. فالخمسة جنيهات هذه في الحقيقة ما هي إلا وسيلة للحصول على السلع التي بُذل فيها الكثير من العمل.
وإذا كان لدي عشرة جنيهات فهذا يعني إمكانية الحصول على ضعف العمل المبذول، وهلمّ جرا.
فعندما نقيس الثروة فنحن في الحقيقة نقيس العمل الذي بُذل لإنتاجها.
وبالطبع، ليس كل الأشخاص ينتجون بنفس المقدار وفي نفس الوقت.
فإذا شرعت مثلا في صناعة طاولة، فربما أقضي خمسة أو ستة أضعاف الوقت اللازم للنجار الماهر لينتج نفس الشيء.
ولكن لن يفكر أحد أبدا أن ما صنعته يساوي خمسة أو ستة أضعاف قيمة الطاولة التي صنعها النجار الماهر . فقيمة الطاولة سوف تقدّر طبقا لكمّ العمل الذي يحتاجه النجار لإنتاجها، وليس عملي أنا.
قل مثلا أن الطاولة سوف تأخذ ساعة من النجار لصناعتها، ففي هذه الحالة سيقال أن قيمة الطاولة بالنسبة لهم تساوي ساعة من العمل. ويصبح هذا هو الوقت الضروري لصناعتها بافتراض نفس المستوى المعتاد في الصناعة والتكنولوجيا والمهارات المستخدمة في المجتمع الحالي.
ولهذا السبب، فلقد أصر ماركس على أن مقياس قيمة شيء ما ليس هو مجرد الوقت الذي يأخذه الفرد لصناعتها، ولكن الوقت اللازم الذي سيأخذه الفرد الذي يعمل في مستوى متوسط من التكنولوجيا والمهارة - وهو الذي أطلق عليه ماركس "وقت العمل الضروري اجتماعيا." وتعتبر هذه النقطة هامة لأن التطور التكنولوجي للرأسمالية يتقدم بشكل مستمر وهذا يعني أن إنتاج السلع سوف يحتاج عمل أقل فأقل.
فعلى سبيل المثال، عندما صُنع الراديو صنع من صمامات ثرمونية مما جعل سعره غاليا جدا لأنه أخذ عملا شاقا في صناعة الصمامات وربطها بالأسلاك الكهربية …
إلخ.
ثم تم اكتشاف الترانزستور والذي تم صناعته وربطه بجهد عمل أقل بكثير. وفجأة، وجد كل العمال في المصانع التي مازالت تنتج الراديو ذو الصمامات أن قيمة الذي يصنعونه انخفضت.
فقيمة الراديو لم تعد تحسب بوقت العمل اللازم لصناعتها بواسطة الصمامات، ولكن بدلا من ذلك فهي تحسب بالوقت المستخدم في صناعة الترانزستور.
وهناك نقطة أخيرة حول هذا الموضوع. إن أسعار بعض السلع تتذبذب بشكل كبير - من يوم لآخر أو من أسبوع لآخر.
ويمكن أن تحدث هذه التغيرات نتيجة العديد من الأشياء إلى جانب التغيرات في كمّ العمل المبذول في صناعتها.
عندما قتل الصقيع في البرازيل كل نبات القهوة، ارتفع سعر القهوة كثيرا بسبب حدوث نقص في العالم كله، كما أن الناس كانت مستعدة لأن تدفع أكثر.
وغدا، إذا حدثت كارثة طبيعية دمرت كل التليفزيونات في بريطانيا مثلا، فبالتأكيد سوف ترتفع أسعار التليفزيونات بنفس الطريقة.
فما يطلق عليه الاقتصاديون بـ "العرض والطلب" يؤدي باستمرار إلى تلك التقلبات في الأسعار.
ولهذا السبب، فالعديد من الاقتصاديين المؤيدين للرأسمالية يقولون أن نظرية العمل للقيمة ليس لها معنى، ويضيفون أن ما يعنيهم فقط هو العرض والطلب.
ولكن هذا يعتبر كلاما فارغا.
فهذه الأطروحة تتناسى أنه عندما تتقلب الأشياء فهي عادة تتقلب بمقدار مستوى معين.
إن البحر يعلو ويهبط بسبب المدّ والجذر، ولكن هذا لا يعني أننا لا نستطيع القول بأن هناك نقطة ثابتة بالنسبة لحركته وهي ما نطلق عليها "مستوى البحر."
وبنفس الطريقة، فحقيقة أن الأسعار تعلو وتهبط من يوم إلى آخر لا يعني أنه ليس هناك قيمة ثابتة يتم حولها هذا التقلب.
فعلى سبيل المثال، إذا دُمرّت كل التليفزيونات فإن أول الإنتاج الجديد سيكون عليه طلب كثير وسيكون سعره عاليا. ولكن بعد وقت قصير ستنتج تليفزيونات أكثر فأكثر في السوق وستتنافس مع بعضها حتى تجعل الأسعار تنخفض لتتقارب مع قيمتها في وقت العمل المبذول لصناعتها.
الفصل السادس :
المنافسة والتراكم
كان هناك وقت بدت فيه الرأسمالية كنظام ديناميكي وتقدمي.
وعلى مدار معظم تاريخ الإنسان، كان يسيطر على حياة غالبية الرجال والنساء الكدح والاستغلال.
ولم تغير الرأسمالية الصناعية هذا الوضع عندما ظهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
ولكن بدا أن الرأسمالية قد وجهت هذا الكدح والاستغلال لهدف مفيد لها.
فبدلا من إهدار كميات ضخمة من الثروة على رفاهية بعض الأرستقراطيين الطفيليين أو في بناء مقابر فخمة للملوك الميتين أو في حروب بلا جدوى يريد من خلالها ابن أحد الملوك أن يحكم مكان ما، قامت الرأسمالية باستخدام الثروة من أجل إنتاج ثروة أكبر.
فلقد شهدت فترة نمو الرأسمالية نموا في الصناعة والمدن ووسائل المواصلات على مستوى ليس له مثيل من قبل في تاريخ الإنسانية.
ومن الغريب كما يبدو اليوم أن تكون أماكن مثل أولدهام وهاليفاكس وبينجلي (مدن في إنجلترا - المترجم) مقرا للمعجزات. فلم تشهد الإنسانية من قبل ذلك الكمّ من القطن والصوف الخام تتحول بسرعة شديدة إلى أقمشة من أجل توفير الملبس للملايين. ولم يحدث هذا بسبب فضائل خاصة عند الرأسماليين.
فهم غالبا ما كانوا قوماً متعجرفين تتملكهم فقط الرغبة في الحصول على ثروة أكبر في أيديهم، وذلك بدفع أقل الأجور الممكنة للعمل الذي يستخدمونه.
لقد كان هناك العديد من طبقات الحكام من قبلهم مثلهم تماما في ذلك، ولكن بدون هدف بناء الصناعة. اختلف الرأسماليون عنهم في نقطتين أساسيتين.
النقطة الأولى قد عرضناها من قبل، وهي تتلخص في أنهم لم يملكوا العمال.
ولكن بدلا من ذلك، فهم يدفعون لهم أجرا على أساس قدرتهم على العمل في الساعة، أي قوة عملهم. كما أنهم استخدموا العبيد المأجورين، وليس العبيد. أما النقطة الثانية فهي أنهم لم يستهلكوا بأنفسهم السلع التي أنتجها عمالهم.
فبالنسبة للإقطاعيين، فلقد عاشوا مباشرة على اللحم والخبز والجبن والخمور التي أنتجها عبيدهم.
أما الرأسماليين، فهم يعيشون من خلال بيع السلع التي أنتجها العمال لأناس آخرين.
ولقد أعطى هذا الأفراد الرأسماليين حرية أقل عن مالك العبد أو الإقطاعي في التعامل بالطريقة التي يفضلها. فمن أجل بيع السلع، كان على الرأسماليين أن ينتجوها بأسعار رخيصة بقدر الإمكان.
فلقد امتلك الرأسمالي المصنع وكان قويا للغاية داخله.
ولكنه لم يستطع استخدام قوته كما أراد، وكان عليه أن يحني رأسه أمام متطلبات المنافسة مع المصانع الأخرى.
ولنرجع مرة أخرى إلى صديقنا الرأسمالي السيد براوننج براون. حاول أن تفترض أن الكمية المنتجة من الأقمشة القطنية في مصنعه تأخذ 10 ساعات من وقت العمال لإنتاجها، بينما هناك مصنع آخر يستطيع إنتاج نفس الكمية في 5 ساعات فقط من وقت العمال.
إن السيد براوننج لن يستطيع أن يبيع بضاعته بسعر يساوي العشر ساعات عمل.
فلن يفكر أحد أبدا أن يشتري بسعر أعلى بينما هناك ملابس أرخص في محل قريب.
إن أي رأسمالي يود أن يستمر في البيزنس يجب ان يضمن أن عماله يعملون بأقصى سرعة ممكنة. ولكن ليست هذه هي نهاية القصة. إنه يجب أن يضمن أيضا أن عماله يعملون طبقا لأحدث تقنية متوفرة بحيث ينتج عملهم في الساعة أكبر كمية من السلع كما ينتج عمال الرأسماليين الآخرين.
فالرأسمالي الذي يريد أن يستمر في البيزنس يجب ان يضمن أنه يمتلك أكبر كمية من وسائل الإنتاج، أو - كما أشار ماركس - أن يراكم رأس المال!
إن المنافسة بين الرأسماليين أنتجت قوة نظام السوق، وهي القوة التي سيطرت تماما على الجميع.
فهي التي أجبرتهم على الإسراع في عملية الإنتاج طوال الوقت وعلى أن يستثمروا كل ما يستطيعونه في شراء الآلات الجديدة.
وهم يستطيعون أن يشتروا الآلات الجديدة ( وبالطبع وسائل رفاهيتهم من جانب آخر) فقط إذا جعلوا أجور العمال منخفضة قدر استطاعتهم.
لقد كتب ماركس في أكبر أعماله رأس المال، أن الرأسماليين يشبهون البخيل الذي يسيطر عليه هدف الحصول على المزيد والمزيد من الثروة. ولكن:
"ما نراه في البخيل كخاصية في شخصيته، نجده عند الرأسمالي نتاج لآلية اجتماعية حيث يمثل هو فيها ترساً واحداً …
فتطور الإنتاج الرأسمالي يجعل من الضروري باستمرار الزيادة من حجم رأس المال المستثمر في صناعة معينة، والمنافسة تجعل كل فرد رأسمالي يشعر بالقوانين الهامة للإنتاج الرأسمالي كنوع من القوانين القهرية التي تُفرض عليه من الخارج. وهي تضطره لأن يوسّع من رأسماله باستمرار من أجل الحفاظ عليه.
وهو لا يستطيع زيادة رأس المال إلا بوسائل التراكم المستمرة."
"التراكم، التراكم! فهذا هو موسى وأنبيائه."
إن الإنتاج لا يتم من أجل تلبية الاحتياجات الإنسانية - حتى الاحتياجات الإنسانية لدى الطبقة الرأسمالية - ولكن لكي يجعل الرأسمالي يعيش في تنافس مع رأسمالي آخر.
والعمال الذين يعملون لدى كل فرد رأسمالي يجدون أن حياتهم تسيطر عليها نزعة أصحاب العمل نحو تحقيق التراكم بسرعة لكي يسبقوا منافسيهم.
وكما كتب ماركس في البيان الشيوعي:
"في المجتمع البرجوازي، يعتبر العمل الحي وسيلة لتراكم العمل الميت …
فالرأسمال يمتاز بالاستقلالية والفردية، بينما الإنسان الحي يعتمد على الآخرين ولا يتمتع بالفردية."
إن الدافع المُلزم للرأسماليين للتراكم والمنافسة بين بعضهم البعض يفسر السرعة الشديدة للأمام نحو التصنيع وذلك في السنوات الأولى للنظام.
ولكن كانت النتيجة شيئا آخر - أزمة اقتصادية متكررة. والأزمة ليست بالشيء الجديد، فهي قديمة قدم النظام نفسه.
6 كارثة اقتصادية
"تراكم الثروة من ناحية، والفقر من ناحية أخرى".
هكذا لخص ماركس اتجاه الرأسمالية. كل رأسمالي يخشى المنافسة من الآخرين، لذلك يشغل موظفيه بأقصى طاقة ممكنة، ويدفع أقل أجور يمكن أن يفلت بها.
النتيجة هي عدم تناسب بين النمو الكبير لوسائل الإنتاج من ناحية، والنمو المحدود في الأجور وعدد العمال الموظفين ( المستخدمين)على الناحية الأخرى. هذا، كما أصر ماركس كان السبب الرئيسي لكارثة اقتصادية.
أسهل طريقة للنظر لهذا هو أن نسأل :
من يشتري كمية البضائع المتزايدة بكثرة؟
الأجور المنخفضة للعمال تعني أنهم لا يستطيعون تحمل شراء البضائع التي أنتجها عملهم هم. والرأسماليون لا يستطيعون زيادة الأجور، لأن هذا سيدمر الربح، القوة الدافعة للنظام.
لكن إذا كانت الشركات لا تستطيع بيع البضائع التي تنتجها، يكون عليهم إغلاق المصانع وطرد العمال.
بهذا ينخفض الإجمالي الكلي للأجور أكثر، وبالتالي لا تستطيع المزيد من الشركات بيع بضائعها. تبدأ " كارثة إفراط في الإنتاج"، حيث تكدس البضائع في السوق، ولا يستطيع الناس تحمل شراؤها.
كان هذا ملمح متواتر للمجتمع الرأسمالي خلال ال 180 عاما الماضية.
لكن أي فهم سريع وفطن للنظام سيشير بسرعة إلى أنه يجب أن يكون هناك طريق سهل للخروج من الكارثة.
كل ما نحتاجه هو أن يستثمر الرأسماليون أرباحهم في مصانع وآلات جديدة.
هذا سيوفر وظائف للعمال، الذين بدورهم سيكونون وقتها قادرين على شراء البضائع غير المباعة. هذا يعني أنه طالما يوجد استثمار جديد يمكن بيع كل البضائع المنتجة ويمكن للنظام أن يوفر توظيف كامل.
لم يكن ماركس غبيا وأدرك هذا.
بالفعل كما رأينا، لقد أدرط أن ضغط المنافسة على الرأسماليين ليستثمروا، كان جوهريا للنظام.
لكنه تسائل، هل هذا يعني أن الرأسماليين سيستثمرون كل أرباحهم، كل الوقت؟
الرأسمالي سيستثمر البضائع فقط إذا أعتقد أنه يضمن تحقيق ربح معقول.
إذا لم يكن يعتقد أنه يمكن تحقيق مثل هذا الربح، فلن يخاطر بأمواله في استثمار. سيضعها في البنك ويتركها هناك.
إذا كان الرأسمالي سيستثمر أم لا يعتمد على كيفية تقديره للوضع الاقتصادي عندما يبدو ملائما، وقتها يسرع كل الرأسماليين للاستثمار في نفس الوقت.
يتصارعون معا بحثا عن مواقع للإنشاءات، يشترون الآلات، يطوفون الأرض بحثا عن مواد خام، يدفعون أكثر من أجل العمالة الماهرة. عادة ما يسمى هذا الوضع بالرواج.
لكن المنافسة المجنونة على الأرض، المواد الخام والعمالة الماهرة ترفع أسعار هذه الأشياء.
وفجأة يتم الوصول إلى نقطة تكتشف عندها بعض الشركات أن تكاليفها قد ارتفعت كثيرا مما جعل كل أرباحهم تختفي.
وهكذا يهوي الرواج الاستثماري في الحال إلى كساد استثماري. لا أحد يريد آلات جديدة فتدخل صناعة المعدات والآلات في أزمة.
لا أحد يريد كل الحديد والصلب الذي يتم إنتاجه ـ فجأة تصبح صناعة الصلب تعمل بأقل من قدرتها وتصبح غير مربحة، ينتشر الإغلاق والإقفال من صناعة لصناعة، مما يدمر الوظائف ـ ومعها قدرة العمال على شراء منتجات صناعاتهم.
تاريخ الرأسمالية هو تاريخ مثل هذه الترنحات الدورية التي تؤدي إلى جنون جوع العمال العاطلين خارج المصانع الفارغة، بينما يتعفن مخزون البضائع غير المرغوب فيها.
تخلق الرأسمالية أزمات الإفراط في الإنتاج هذه دوريا، لأنه لا يوجد تخطيط، لذلك لا توجد طريقة لوقف فرار رأس المال من وإلى الاستثمار كله مرة واحدة.
اعتاد الناس الاعتقاد أن الدولة لا تستطيع وقف هذا عن طريق التدخل في الاقتصاد، زيادة استثمار الدولة عندما كان الاستثمار الخاص منخفضا، وبالتالي خفضه عندما يلحق به الاستثمار الخاص. الدولة ستستمر في الإنتاج على ….
متساوية، لكن الأيام الحالية استثمار الدولة أيضا هو جزء من الجنون.
انظر إلى الصلب البريطاني.
منذ سنوات مضت، عندما كانت الشركة مازالت قطاع عام، قيل لعمال الصلب أن وظائفهم تتقلص لإفساح الطريق للقمائن الأوتوماتيكية الحديثة المصممة لإنتاج المزيد من الصلب بأسعار أكثر رخصا.
الآن يقال لهم إنه مازال هناك المزيد من العمال الذين يجب أن يفقدوا وظائفهم ـ لأن بريطانيا لم تكن الدولة الوحيدة التي أقدمت عتلى هذه الخطط الاستثمنارية الضخمة.
فرنسا، ألمانيا، الولايات المتحدة، البرازيل، أوربا الشرقية وحتى كوريا الجنوبية، كلهم فعلوا نفس الشيء. الآن يوجد فائض عالمي من الصلب ـ أزمة زيادة في الإنتاج.يتم تخفيض الاستثمار الحكومي وبالطبع عمال الصلب يعانون في كلا الحالتين.
هذا هو الثمن الذي ما زالت الإنسانية تدفعه لنظام اقتصادي يتم فيه التحكم في إنتاج الثروة الضخمة عن طريق مجموعة صغيرة محظوظة مهتمة فقط بالربح.
لا يهم إذا كانت هذه المجموعات الصغيرة المحظوظة هذه تمتلك الصناعة مباشرة، أو تتحكم فيها بشكل غير مباشر من خلال تحكمها في الحكومة ( كما في حالة الصلب البريطاني).
بينما تستخدم هذا التحكم للمنافسة مع بعضهم البعض على أكبر نصيب من الأرباح، سواء محليا أو عالميا، فإن العمال هم الذين يعانون على الناحية الأخرى.
الجنون الأخير للنظام هو أن أزمة الإفراط في الإنتاج، ليست إفراطا في الإنتاج على الإطلاق. كل هذا الصلب الفائض، على سبيل المثال، يمكن أن يساعد على حل مشكلة الجوع في العالم.
الفلاحون حول العالم يضطرون لحرث الأرض باستخدام أسلحة خشبية للمحاريث ـ الأسلحة الصلب يمكن أن تزيد إنتاج الطعام. لكن الفلاحين لا يملكون نقودا على أية حال، لذلك النظام الرأسمالي ليس مهتما ـ لا يوجد ربح يمكن تحقيقه.
الفصل السابع:
لماذا تنحو الأزمة لأن تصبح أسوأ؟.
الأزمة لا تحدث فقط بانتظام رتيب..
تنبأ ماركس كذلك بأن الأزمات ستزداد سزءا بمرور الوقت..
حتى إذا حدث الاستثمار بمعدل متساوي، بدون عدم انتظام، هذا لا يمكن أن يوقف الاتجاه العام تجاه الكارثة..
هذا بسبب أن المنافسة بين الرأسماليين ( والدول الرأسمالية) تجبرهم على الاستثمار في المعدات التي توفر العمالة..
في بريطانيا اليوم تقريبا كل الاستثمارات الجديدة مصممة لتخفيض عدد العمال الذين يتم توظيفهم..
لهذا يوجد عمال أقل في الصناعة البريطانية اليوم عن 10 سنوات مضت، حتى على الرغم من أن الإنتاج زاد خلال هذا الوقت..
فقط عن طريق ترشيد الإنتاج، بزيادة الإنتاجية، وتخفيض قوة العمل يمكن للرأسمالي الحصول على نصيب أكبر من الكعكة بالمقارنة بغيره..
لكن النتيجة بالنسبة للنظام ككل مدمرة..
لأن هذا يعني أن عدد العمال لا يزداد بنفس سرعة الاستثمار..
ومع ذلك فإنه عمل العمال هو مصدر الأرباح، الوقود الذي يبقي النظام مستمرا. إذا قمت بعمل استثمارات أكبر وأكبر، بدون زيادة مقابلة في مصدر الأرباح، فأنت تتجه نحو انهيار ـ بنفس التأكيد كما لو أنك توقعت قيادة سيارة جاجوار بنفس كمية البترول الكافية لقيادة سيارة صغيرة..
لهذا السبب جادل ماركس منذ 100 سنة مضت أن نجاح الرأسمالية نفسه في تكويم استثمارات ضخمة في معدات جديدة أدى إلى اتجاه معدل الربح للانخفاض مما يعني كارثة تزداد سوءا..
أطروحة ماركس يمكن تطبيقها ببساطة على الرأسمالية اليوم..
بدلا من الصورة القديمة للأوقات السيئة التي تتحول لأوقات جيدة، للركود الذي يتحول لرواج، يبدو أننا في ركود لا ينتهي أبدا..
أي فترة صعود، أي انخفاض في البطالة يكون محدودا وقصير الأجل..
المدافعون عن النظام يقولون إن هذا بسبب أن الاستثمار ليس عاليا بما يكفي. بدون استثمار جديد لا توجد وظائف جديدة، بدون وظائف جديدة لن توجد نقود لشراء بضائع جديدة..
حتى الآن، يمكن أن نتفق معهم ـ لكننا لا نتفق مع تفسيرهم للماذا يحدث هذا..
هم يلومون الأجور. الأجور عالية جدا، كما يقولون، مما يخفض الأرباح إلى أبعد حد..
الرأسماليون يخشون من الاستثمار لأنهم لن يحصلوا على " مقابل كافي"..
لكن الأزمة استمرت طوال سنوات طويلة، خلال هذه السنوات أدت السياسات الحكومية في الأجور إلى تخفيض مستويات معيشة العمال وإلى رفع الأرباح..
شهدت سنوات 75-1978 أكبر خفض لمستويات معيشة العمال هذا القرن، بينما ازداد الأغنياء غنى ـ رفع ال 10% الموجودين على القمة نصيبهم من الكعكة القومية من 57.8% في 1974 إلى 60% في 1976.
مازال لا يوجد استثمار كافي لإنهاء الأزمة ـ وينطبق هذا ليس فقط على بريطانيا، لكن على دول أخرى تم فيها خفض الأجور، على فرنسا واليابان وألمانيا. من الأفضل إذن لنا أن نستمع لما قاله كارل ماركس منذ 100 سنة مضت، عن الاستماع لهؤلاء الذين يدافعون عن الرأسمالية اليوم.
تنبأ ماركس أنه كلما طال عمر الرأسمالية ، ستصبح أزمتها أسوأ لأن مصدر الربح، العمل، لا ينمو تقريبا بنفس السرعة مثل الاستثمار المطلوب لتشغيل العمال.
كتب ماركس ذلك عندما كانت قيمة الآلات والمعدات اللازمة لتشغيل كل عامل منخفضة نوعا ما. وقد ارتفعت من وقتها لتصل اليوم من 20 ألف إلى 30 ألف استرليني.
المنافسة بين المشروعات الرأسمالية أجبرت الرأسماليين على استخدام آلات أكثر كبرا وأكثر تكلفة.
لقد تم الوصول لنقطة في كل الصناعات عندها أصبح من المسلم به أن الآلات الجديدة تعني عمالا أقل.
تنبأت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن التوظيف في الاقتصادات الرئيسية في العالم سيهبط حتى إذا حدثت معجزة وخلقت الاستثمارات وهو ما لن يحدث.
لأن الرأسماليين يهتمون بأرباحهم، وإذا زاد استثمارهم أربعة أضعاف بينما زادت أرباحهم ضعفين فقط فهم يصبحون فعلا مستاءين.
ومع ذلك فهذا هو ما يجب أن يحدث إذا نمت الصناعة أسرع من مصدر الربح، العمل.
كما أوضح ماركس، سيتجه معدل الربح للانخفاض.
وتنبأ أنه في النهاية سيتم الوصول لنقطة سيبدو فيها أي استثمار جديد مجازفة خطيرة. نطاق الإنفاق المطلوب لشراء معدات وآلات جديدة سيصبح مهولا، لكن معدل الربح سيكون أقل من أي وقت مضى.
عندما يتم الوصول لهذه النقطة، كل رأسمالي أو دولة رأسمالية يحلم ببرامج استثمار جديدة وضخمة ـ ولكن يخشى تطبيقها خوفا من الانسحاق.
اقتصاد العالم اليوم مماثل لهذا بشدة. يخطط روفر لخطوط إنتاج جديدةـ لكن يخشى أنها ستخسر نقودا.
الصلب البريطاني يحلم بهذه المصانع الكبيرة التي خططوا لها لكنهم يضطرون لتجميدها لأنهم لا يستطيعون بيع إنتاجهم الحالي.
توقف بناة السفن اليابانيون عن الاستثمار في أحواض جديدة ـ وبعضا من الأحواض القديمة يتم غلقها.
نجاح الرأسمالية نفسه في بناء آلات أضخم وأكثر إنتاجا أوصل النظام لنقطة تبدو فيها الأزمة الدائمة واضحة.
كانت المجتمعات العبودية للعالم القديم والمجتمعات الإقطاعية للعصور الوسطى قد وصلت للنقطة التي فيها إما أن تقوم ثورة بتغيير المجتمع أو يدخل في أزمة دائمة يمكن أن تدفع للخلف. في حالة روما، افتقاد الثورة أدى بالضبط لتدمير الحضارة الرومانية وللعودة للعصور المظلمة.
في حالة بعض المجتمعات الإقطاعية ـ بريطانيا وفيما بعد فرنسا ـ الثورة دمرت النظام القديم وجعلت حدوث تقدم اجتماعي جديد ممكنا، في ظل الرأسمالية.الآن الرأسمالية نفسها تواجه الاختيار بين أزمة دائمة، ستؤدي أخيرا إلى إغراق البشرية مرة أخرى في البربرية من خلال الفقر والحرب، أو ثورة اشتراكية.
الفصل الثامن:
الطبقة العاملة
بدأ ماركس البيان الشيوعي بعبارة:
" تاريخ كل المجتمعات الموجودة حتى الآن كان تاريخ الصراع بين الطبقات".
مسألة كيف استطاعت الطبقة الحاكمة إجبار الطبقات المضطهدة على الاستمرار في إنتاج الثروة لها كانت حاسمة.
بسبب هذا، في كل مجتمع سابق، كانت توجد صراعات متعددة بين الطبقات والتي دائما ما وصلت لذروتها في حرب أهلية:
هبات العبيد في روما القديمة، هبات الفلاحين في أوربا العصور الوسطى، الحروب الأهلية الكبيرة وثورات القرون السابع والثامن عشر.
في كل هذه الصراعات الكبيرة، كانت كتلة القوى الثائرة من القسم الأكثر اضطهادا في المجتمع.
لكن، كما أسرع ماركس بالإضافة، في النهاية ساعدت جهودهم تلك كلها في إبدال أقلية محظوظة حاكمة بأخرى.
لذلك، على سبيل المثال، في الصين القديمة كانت هناك عدة ثورات فلاحية ناجحة ، لكنهم فقط استبدلوا إمبراطور بآخر.
بالمثل، هؤلاء الذين قاموا بأكبر مجهود في الثورة الفرنسية كانوا عاريي الأكمام ـ أفقر الطبقات في باريس، لكن في نهاية الأمر لم يحكموا المجتمع ولكن حكمه رجال البنوك والصناعة بدلا من الحاشية والملك.
كان هناك سببين رئيسيين لهذا الفشل من جانب الطبقات الدنيا في المجتمع في الاحتفاظ بالسلطة من جراء الثورات التي حاربوا فيها. أولا، المستوى العام للثروة في المجتمع كان منخفضا بدرجة ما.
فقط بسبب أن الكتلة الكبيرة من البشر كانوا موضوعين في فقر مطبق.
وجدت أقلية صغيرة الوقت والفراغ لتطوير الفنون والعلوم للمحافظة على الحضارة. بعبارة أخرى، الانقسام الطبقي كان ضروريا إذا كان للمجتمع أن يتقدم. حياة الطبقات المقهورة لم تجهزهم لحكم المجتمع. في المجمل كانوا جهلة، كان عندهم فكرة ضئيلة عن كيف تبدو الأمور خارج موقعهم الحالي.
وفوق كل شيء، قسمت حياتهم اليومية كلا منهم ضد الآخر.
كل فلاح كان مهتما بزراعة قطعة أرضه.
كل حرفي في المدينة أدار عمله الصغير وكان إلى حد ما في منافسة مع حرفيين آخرين، ليس متحدا معهم.
ثورات الفلاحين كانت تبدأ بأعداد واسعة من الناس بالنهوض لتقسيم أرض النبلاء الإقطاعيين المحليين، لكن ما أن يهزم النبيل،، حتى يبدأوا في التشاحن فيما بينهم حول كيفية تقسيمهم للأرض. كما أوضح ماركس، الفلاحون كانوا مثل " بطاطس في حقيبة" يمكن أن يلتحموا معا عن طريق قوة خارجية لكنهم لم يكونوا قادرين على الترابط بشكل دائم ليعبروا عن مصالحهم الخاصة.
العمال الذين يخلقون الثروة في ظل الرأسمالية الحديثة يختلفون عن كل الطبقات الدنيا السابقة. أولا، انقسام المجتمع لطبقات لم يعد ضروريا لتقدم البشر.
الكثير من الثروة يتم خلقها حتى أن المجتمع الرأسمالي نفسه يدمر بشكل دوري كميات ضخمة من الثورة خلال الحروب أو الكوارث الاقتصادية. يمكن تقسيم هذه الثروات بالتساوي ويظل المجتمع يشهد ازدهارا للعلم والفنون وما إلى ذلك.
ثانيا، الحياة في ظل الرأسمالية تجهز العمال بطرق كثيرة للتحكم في المجتمع.
على سبيل المثال، الرأسمالية تحتاج العمال المهرة والمتعلمين.
أيضا الرأسمالية تجبر آلاف البشر على الوجود في أماكن عمل ضخمة يكونون فيها على اتصال قريب ببعضهم البعض، ويمكن فيها أن يكونوا قوة مؤثرة لتغيير المجتمع.
الرأسمالية تجعل العمال يتعاونون في الإنتاج داخل المصنع، وهذه المهارات التعاونية يمكن أن تنقلب بسهولة ضد النظام، كما يحدث عندما ينظم العمال أنفسهم في اتحادات.
لأنه يتم حشدهم في تجمعات ضخمة يصبح من الأسهل للعمال أن يتحكموا ديمقراطيا في هيئات مثلها مقارنة بالطبقات المقهورة السابقة.
علاوة على ذلك، تنحو الرأسمالية بشكل متزايد لتحويل مجموعات الناس الذين يرون أنفسهم فوق العمال العاديين ( مثل الكتبة أو الفنيين) إلى عمال أجراء مجبرين على تنظيم اتحادات للدفاع عنهم كما يفعل العمال الآخرون.
أخيرا، يسمح تطور الاتصالات ـ السكك الحديدية، الطرق، النقل الجوي، نظم البريد، التليفونات، الراديو والتليفزيون ـ للعمال بالاتصال خارج نطاقهم المحلي أو خارج الصناعة. يمكن بذلك أن ينظموا أنفسهم كطبقة على نطاق قومي وعالمي وهو شيء يفوق أقصى أحلام الطبقات المضطهدة السابقة.
كل هذه الحقائق تعني أن الطبقة العاملة يمكن أن تصبح ليس فقط قوة تثور ضد المجتمع الحالي، لكن يمكن أن تنظم نفسها، تنتخب وتتحكم في ممثليها، حتى تغير المجتمع لما فيه مصلحتها، وليس فقط لتنصيب إمبراطور آخر أو مجموعة مصرفيين.
كما قال كارل ماركس:" كل الحركات التاريخية السابقة كانت حركات أقليات لمصلحة أقليات. الحركة العمالية هي الحركة الواعية بذاتها المستقلة للأغلبية الواسعة لما فيه مصلحة الأغلبية الواسعة".
9 كيف يمكن تغيير المجتمع؟
في بريطانيا، الأغلبية العظمى من الاشتراكيين والنقابيين ظلوا يؤكدون بشكل عام أنه يمكن تغيير المجتمع بدون ثورة عنيفة.
كل ما نحتاجه، كما يقولون، هو أن يكسب الاشتراكيون الدعم الشعبي الكافي من أجل التحكم في المؤسسات السياسية التقليدية ـ البرلمان والمجالس المحلية.
عندئذ سيكون الاشتراكيون في وضع يسمح لهم بتغيير المجتمع عن طريق السيطرة على الدولة القائمة ـ الخدمة المدنية، السلطة القضائية، البوليس، القوات المسلحة لفرض قوانين في صالح الطبقة العاملة.
بهذه الطريقة تم الادعاء أن الاشتراكية يمكن أن تدخل حيز التنفيذ تدريجيا وبدون عنف ، عن طريق إصلاح الوضع الحالي. هذه الرؤية دائما ما يشار لها بالإصلاحية، على الرغم من أنك مرارا ستستمع للكلمة مقرونة بكلمات أخرى هي " المراجعة" (لأنها تتضمن مراجعة تامة لأفكار ماركس)، " الديمقراطية الاجتماعية" (على الرغم من أنه حتى 1914 كان هذا يعني الاشتراكية الثورية)، أو الفابية ( إشارة إلى المجتمع الفابي الذي طالما …
للرؤية الإصلاحية في بريطانيا). وهي رؤية يقبلها يسار وأيضا يمين حزب العمال البريطاني.
الإصلاحية، تبدو للوهلة الأولى، معقولة جدا. فهي تتفق مع ما قيل لنا في المدرسة، في الصحف والتليفزيون ، من أن " البرلمان يدير البلاد" وأن " البرلمان ينتخب طبقا للرغبات الديمقراطية للشعب".
لكن على الرغم من أن كل محاولة لإدخال الاشتراكية من خلال البرلمان انتهت بالفشل: كانت هناك ثلاث حكومات عمال بالأغلبية في بريطانيا بعد الحرب ـ بأغلبيات ضخمة في 1945 و 1966 ـ بالرغم من ذلك كله نحن لسنا أقرب للإشتراكية عما كنا عليه في 1945.
التجربة خارج بريطانيا هي نفسها.
في شيلي في 1970، تم انتخاب الاشتراكي سلفادور الليندي رئيسا.
وادعي الناس أن هذا كان " طرريقا جديدا" للتحرك نحو الاشتراكية. بعد ثلاث سنوات، أطاح الجنرالات الذين طلب منهم الانضمام للحكومة بالليندي وتم تدمير حركة الطبقة العاملة الشيلية.
هناك ثلاث أسباب متصلة فيما بينها لضرورة فشل الإصلاحية دائما. أولا، بينما تقوم الأغلبيات الاشتراكية في البرلمانات بادخال الإجراءات الاشتراكية بالتدريج، تستمر القوى الاقتصادية الحقيقية باقية في أيدي الطبقة الحاكمة القديمة.

ويمكنهم أن يستخدموا هذه القوة الاقتصادية لإغلاق أقسام كاملة من الصناعة، لخلق بطالة، لرفع الأسعار من خلال المضاربة والاختزان، لإرسال النقود للخارج خالقين أزمة في " ميزان المدفوعات"، لشن حملات صحفية تلوم الحكومة الاشتراكية على كل هذا.
لذلك أجبرت حكومة العمال ل " هارولد ويلسون" في 1964 ـ ومرة أخرى في 1966 ـ على التخلي عن الإجراءات التي كان يمكن أن تفيد العمال بسبب حركة النقود للخارج بالجملة التي تقوم بها الشركات والأفراد الأثرياء. يصف ويلسون نفسه في مذكراته كيف حدث هذا:"
لقد وصلنا الآن إلى الوضع الذي يقول فيه المضاربون الدوليون لحكومة جديدة منتخبة إن السياسة التي حاربنا على أساسها الانتخابات لا يمكن تطبيقها..الوزير الأول للملكة طلب منه اسدال الستار على الديمقراطية البرلمانية بقبول نظررية أن الانتخابات في بريطانيا هي كوميديا هزلية، وأن الشعب البريطاني لا يستطيع الاختيار بين سياستين".
نحتاج فقط أن نضيف أنه على الرغم من ادعاء ويلسون السخط، إلا أنه على مدى الستة سنوات التالية اتبع بالفعل نوعية السياسات التي طالب بها المضاربون.
نفس الخلق المتعمد لأزمة ميزان المدفوعات أجبرت حكومة العمال المنتخبة في 1974 على إدخال ثلاث مجموعات متتالية من التخفيضات في الإنفاق العام في المستشفيات، المدارس والخدمات الاجتماعية.
حكومة الليندي في شيلي واجهت تفكك أكبر على يد المشروعات الكبيرة. مرتين تم اغلاق أقسام كاملة من الصناعة بسبب اضراب الرؤساء، حيث رفعت المضاربة الأسعار لمستوى ضخم وأدى تخزين رجال الأعمال للسلع إلى ( ) لضروريات الحياة.
السبب الثاني لعدم إمكانية إصلاح الرأسمالية هو أن آلة الدولة القائمة ليست محايدة، لكن مصممة، من أعلى لأسفل، لحفظ المجتمع الرأسمالي. فالدولة تتحكم تقريبا في كل وسائل ممارسة الضغوط المادية ووسائل العنف.
فإذا كانت مؤسسات الدولة محايدة، وتفعل أي شيء تطلبه منها أي حكومة بعينها، سواءا رأسمالية أو اشتراكية، إذن فالدولة يمكن أن تستخدم لوقف تخريب المشاريع الاقتصادية الكبرى. لكن أنظر للطريقة التي تعمل بها آلة الدولة ومن الذي يعطي الأوامر فعلا، وستستطيع أن ترى أنها ليست محايدة. آلة الدولة ليست فقط الحكومة. انها تنظيم واسع له أفرع عديدة مختلفة ـ البوليس، الجيش، السلطة القضائية، الإدارة المدنية، الناس الذين يديرون الصناعات الوطنية وما إلى ذلك. الكثير من هؤلاء الذين يعملون في هذه الأفرع المختلفة يأتون من الطبقة العاملة ـ فهم يعيشون ويتلقون رواتبهم مثل العمال.
لكن هؤلاء الناس ليسوا هم الذين يتخذون القرارات.
الجنود العاديون لا يقررون أين ستخاض الحروب أو إذا كانت الإضرابات سيتم كسرها، كاتب الشباك في مكتب الضمان الاجتماعي لا يقرر حجم الإعانات التي سيتم دفعها. آلة الدول كلها ترتكز على مبدأ أن هؤلاء الموجودين على إحدى درجات السلم يطيعون الموجودين على الدرجة الأعلى.
هذا هو بالضرورة الوضع في أقسام آلة الدولة التي تمارس عنف مادي. الجيش، البحرية، القوات الجوية والبوليس.
أول شيء يتعلمه الجنود بعد تجنيدهم ـ قبل السماح لهم بلمس الأسلحة بفترة طويلة ـ هو طاعة الأوامر. لهذا فهم يتعلمون عمل تمرنات عبثية. وإذا كانوا سيتبعون أوامر مجنونة على أرض العرض بدون تفكير فيها فمن المقدر أنهم سيطلقون النيران عندما يؤمروا بذلك بدون التفكير فيه هو الآخر.
وأفظع الجرائم في أي جيش هي رفض إطاعة الأوامرـ التمرد. وينظر لهذه الإساءة بشكل جاد جدا، حتى أن التمرد في بريطانيا خلال وقت الحرب ما زالت عقوبته الإعدام.
الفصل التاسع:
كيف يمكن تغيير المجتمع؟
في بريطانيا، الأغلبية العظمى من الاشتراكيين والنقابيين ظلوا يؤكدون بشكل عام أنه يمكن تغيير المجتمع بدون ثورة عنيفة.
كل ما نحتاجه، كما يقولون، هو أن يكسب الاشتراكيون الدعم الشعبي الكافي من أجل التحكم في المؤسسات السياسية التقليدية ـ البرلمان والمجالس المحلية.
عندئذ سيكون الاشتراكيون في وضع يسمح لهم بتغيير المجتمع عن طريق السيطرة على الدولة القائمة ـ الخدمة المدنية، السلطة القضائية، البوليس، القوات المسلحة لفرض قوانين في صالح الطبقة العاملة.
بهذه الطريقة تم الادعاء أن الاشتراكية يمكن أن تدخل حيز التنفيذ تدريجيا وبدون عنف ، عن طريق إصلاح الوضع الحالي. هذه الرؤية دائما ما يشار لها بالإصلاحية، على الرغم من أنك مرارا ستستمع للكلمة مقرونة بكلمات أخرى هي " المراجعة" (لأنها تتضمن مراجعة تامة لأفكار ماركس)، " الديمقراطية الاجتماعية" (على الرغم من أنه حتى 1914 كان هذا يعني الاشتراكية الثورية)، أو الفابية ( إشارة إلى المجتمع الفابي الذي طالما …
للرؤية الإصلاحية في بريطانيا). وهي رؤية يقبلها يسار وأيضا يمين حزب العمال البريطاني.
الإصلاحية، تبدو للوهلة الأولى، معقولة جدا.
فهي تتفق مع ما قيل لنا في المدرسة، في الصحف والتليفزيون ، من أن " البرلمان يدير البلاد" وأن " البرلمان ينتخب طبقا للرغبات الديمقراطية للشعب".
لكن على الرغم من أن كل محاولة لإدخال الاشتراكية من خلال البرلمان انتهت بالفشل:
كانت هناك ثلاث حكومات عمال بالأغلبية في بريطانيا بعد الحرب ـ بأغلبيات ضخمة في 1945 و 1966 ـ بالرغم من ذلك كله نحن لسنا أقرب للإشتراكية عما كنا عليه في 1945.
التجربة خارج بريطانيا هي نفسها. في شيلي في 1970، تم انتخاب الاشتراكي سلفادور الليندي رئيسا. وادعي الناس أن هذا كان " طرريقا جديدا" للتحرك نحو الاشتراكية.
بعد ثلاث سنوات، أطاح الجنرالات الذين طلب منهم الانضمام للحكومة بالليندي وتم تدمير حركة الطبقة العاملة الشيلية.
هناك ثلاث أسباب متصلة فيما بينها لضرورة فشل الإصلاحية دائما. أولا، بينما تقوم الأغلبيات الاشتراكية في البرلمانات بادخال الإجراءات الاشتراكية بالتدريج، تستمر القوى الاقتصادية الحقيقية باقية في أيدي الطبقة الحاكمة القديمة. ويمكنهم أن يستخدموا هذه القوة الاقتصادية لإغلاق أقسام كاملة من الصناعة، لخلق بطالة، لرفع الأسعار من خلال المضاربة والاختزان، لإرسال النقود للخارج خالقين أزمة في " ميزان المدفوعات"، لشن حملات صحفية تلوم الحكومة الاشتراكية على كل هذا.
لذلك أجبرت حكومة العمال ل " هارولد ويلسون" في 1964 ـ ومرة أخرى في 1966 ـ على التخلي عن الإجراءات التي كان يمكن أن تفيد العمال بسبب حركة النقود للخارج بالجملة التي تقوم بها الشركات والأفراد الأثرياء. يصف ويلسون نفسه في مذكراته كيف حدث هذا:"
لقد وصلنا الآن إلى الوضع الذي يقول فيه المضاربون الدوليون لحكومة جديدة منتخبة إن السياسة التي حاربنا على أساسها الانتخابات لا يمكن تطبيقها..الوزير الأول للملكة طلب منه اسدال الستار على الديمقراطية البرلمانية بقبول نظررية أن الانتخابات في بريطانيا هي كوميديا هزلية، وأن الشعب البريطاني لا يستطيع الاختيار بين سياستين".
نحتاج فقط أن نضيف أنه على الرغم من ادعاء ويلسون السخط، إلا أنه على مدى الستة سنوات التالية اتبع بالفعل نوعية السياسات التي طالب بها المضاربون.
نفس الخلق المتعمد لأزمة ميزان المدفوعات أجبرت حكومة العمال المنتخبة في 1974 على إدخال ثلاث مجموعات متتالية من التخفيضات في الإنفاق العام في المستشفيات، المدارس والخدمات الاجتماعية. حكومة الليندي في شيلي واجهت تفكك أكبر على يد المشروعات الكبيرة. مرتين تم اغلاق أقسام كاملة من الصناعة بسبب اضراب الرؤساء، حيث رفعت المضاربة الأسعار لمستوى ضخم وأدى تخزين رجال الأعمال للسلع إلى ( ) لضروريات الحياة.
السبب الثاني لعدم إمكانية إصلاح الرأسمالية هو أن آلة الدولة القائمة ليست محايدة، لكن مصممة، من أعلى لأسفل، لحفظ المجتمع الرأسمالي.
فالدولة تتحكم تقريبا في كل وسائل ممارسة الضغوط المادية ووسائل العنف. فإذا كانت مؤسسات الدولة محايدة، وتفعل أي شيء تطلبه منها أي حكومة بعينها، سواءا رأسمالية أو اشتراكية، إذن فالدولة يمكن أن تستخدم لوقف تخريب المشاريع الاقتصادية الكبرى. لكن أنظر للطريقة التي تعمل بها آلة الدولة ومن الذي يعطي الأوامر فعلا، وستستطيع أن ترى أنها ليست محايدة.
آلة الدولة ليست فقط الحكومة.
انها تنظيم واسع له أفرع عديدة مختلفة ـ البوليس، الجيش، السلطة القضائية، الإدارة المدنية، الناس الذين يديرون الصناعات الوطنية وما إلى ذلك. الكثير من هؤلاء الذين يعملون في هذه الأفرع المختلفة يأتون من الطبقة العاملة ـ فهم يعيشون ويتلقون رواتبهم مثل العمال.
لكن هؤلاء الناس ليسوا هم الذين يتخذون القرارات. الجنود العاديون لا يقررون أين ستخاض الحروب أو إذا كانت الإضرابات سيتم كسرها، كاتب الشباك في مكتب الضمان الاجتماعي لا يقرر حجم الإعانات التي سيتم دفعها.
آلة الدول كلها ترتكز على مبدأ أن هؤلاء الموجودين على إحدى درجات السلم يطيعون الموجودين على الدرجة الأعلى.
هذا هو بالضرورة الوضع في أقسام آلة الدولة التي تمارس عنف مادي.
الجيش، البحرية، القوات الجوية والبوليس. أول شيء يتعلمه الجنود بعد تجنيدهم ـ قبل السماح لهم بلمس الأسلحة بفترة طويلة ـ هو طاعة الأوامر.
لهذا فهم يتعلمون عمل تمرنات عبثية.
وإذا كانوا سيتبعون أوامر مجنونة على أرض العرض بدون تفكير فيها فمن المقدر أنهم سيطلقون النيران عندما يؤمروا بذلك بدون التفكير فيه هو الآخر.
وأفظع الجرائم في أي جيش هي رفض إطاعة الأوامرـ التمرد. وينظر لهذه الإساءة بشكل جاد جدا، حتى أن التمرد في بريطانيا خلال وقت الحرب ما زالت عقوبته الإعدام.
الفصل العاشر:
من يعطي الأوامر؟
إذا نظرت إلى سلسلة الأوامر في الجيش البريطاني والجيوش الأخرى فهي تسير حسب الرتب ( فريق ـ لواء ـ عميدـ..الخ) وفي كل مراحل سلسلة الأوامر تلك لا ينظر فيها الممثلين المنتخبين أو المستشارين المحليين.
فإطاعة مجموعة عساكر للعضو المحلي في البرلمان بدلا من ضابطهم يعد تمردا.
الجيش هو آلة قتل ضخمة.
الأشخاص الذين يديرونه ـ ويملكون سلطة ترقية ضباط آخرين لمناصب قيادية ـ هم الجنرالات.
بالطبع، نظريا الجنرالات مسئولون أمام الحكومة المنتخبة. لكن الضباط مدربون على إطاعة الجنرالات وليس السياسيين.
إذا اختار الجنرالات إعطاء أوامر لضباطهم تختلف مع رغبات حكومة منتخبة، لا تستطيع الحكومة ابطال هذه الأوامر.
يمكنها فقط محاولة إقناع الجنرالات لتغيير رأيهم.
اذا عرفت الحكومة نوعية الأوامر التي تعطى ـ لأن الشئون العسكرية مبنية على السرية، من السهل جدا على الجنرالات اخفاء ما يفعلونه عن الحكومات التي لا تعجبهم.
هذا لا يعني دائما ان الجنرالات دائما أو حتى عادة يتجاهلون ما تقوله لهم الحكومات. فمن العادة ان يتماشوا مع معظم ما تقترحه الحكومة.
لكن، في وضع حياة أو موت، يكون الجنرالات قادرين على تشغيل آلة قتلهم بدون الاستماع للحكومة، ولا يوجد الكثير الذي تستطيع الحكومة فعله في هذا الصدد.
هذا ما فعله الجنرالات في النهاية في شيلي عندما تمت الاطاحة بالليندي.
لذلك فان سؤال:"من يدير الجيش؟"
هو في الحقيقة "من هم الجنرالات؟"
في بريطانيا مثلا 80% من الضباط الكبار ذهبوا الى مدارس بمصاريف ـ وهي نفس النسبة من 50 عاما مضت (ولم يغير مجموع 17 عاما من حكم حزب العمال من ذلك).
وهؤلاء مرتبطون بملاك المشاريع الكبرى، ينتمون لنفس النوادي الأنيقة، يختلطون في نفس الأنشطة الاجتماعية، يشتركون في نفس الأفكار.
ونفس الشيء ينطبق على رؤساء اإدارة المدنية، القضاة، رؤساء البوليس.
هل تعتقدون أن هؤلاء الأشخاص سيطيعون أوامر الحكومة بنزع السلطة الاقتصادية من أصدقائهم وأقاربهم في المشروعات الكبيرة، لمجرد ان 330 شخصا دخلوا مجلس العموم؟
أليس الأكثر احتمالا ان يتبعوا نموذج الجنرالات الشيليين، القضاة وكبار العاملين في الخدمة المدنية، الذين خربوا أوامر الحكومة الاشتراكية المنتخبة لمدة ثلاثة سنوات ثم بعد ذلك وحين أصبحت الفرصة سانحة أطاحوا بها؟
عمليا، "الدستور" الموجود في بريطانيا يعني أن هؤلاء الذين يتحكمون في آلة الدولة سيكونون قادرين على اعتراض ارادة حكومة جناح يساري منتخبة أو باختصار على الاطاحة بها عمليا. اذا تم انتخاب مثل هذه الحكومة، ستواجه بتخريب اقتصادي كبير (اغلاق المصانع، تهريب الأموال للخارج، تخزين الضروريات، رفع الأسعار التضخمي).
واذا حاولت الحكومة التعامل مع هذا التخريب مستخدمة وسائل "دستورية" ـ بتمرير القوانين ـ ستجد أيديها مقيدة خلف ظهرها.
مجلس الأعيان سوف يرفض بكل تأكيد إجازة أي قانون بهذا الشكل ـ مؤخرا له تسعة أشهر على الأقل.
وسيفسر القضاة أي قانون يمرر بما يحد من قوته.
أما رؤساء الخدمة المدنية، الجنرالات ورؤساء الشرطة فسيتخدمون قرارات القضاة ومجلس ا؟لأعيان لتبرير عدم رغبتهم في فعل ما يقوله لهم الوزراء.
وستعضدهم في هذا كله الصحافة التي ستصرخ بان الحكومة تتصرف بشكل غير شرعي وغير دستوري. وهنا سيستخدم الجنرالات مثل هذه اللغة لتبرير الاستعدادات للاطاحة بحكومة غير شرعية. ستصبح الحكومة عاجزة عن التعامل مع الفوضى الاقتصادية. الا اذا تصرفت فعلا بشكل غير دستوري ودفعت موظفي الادارة المدنية العاديين وجنود الشرطة للانقلاب ضد رؤسائهم.
وحتى لا يتصور أحد ان هذا كله محض خيال، يجب ان نضيف انه قد كانت هناك مناسبتان على الأقل في التاريخ البريطاني الحديث دمر فيها الجنرالات قرارات الحكومة التي لم ترق لها.
في 1912 مرر مجلس العموم مشروع بقانون يسمح ببرلمان مستقل لحكم ايرلندا بشكل موحد يشمل شمالها وجنوبها.
أدان زعيم حزب العمال وقتها القانون والحكومة الليبرالية التي أصدرته واعتبر المجلس كيان سياسي غير شرعي قام ببيع الدستور.
وهكذا أخر مجلس اللوردات القانون لأطول وقت ممكن (سنتان وقتها)، بينما نظم وزير العمال السابق ادوارد كارسون قوة في شمال ايرلندا لمقاومة القانون.
وعندما قيل للجنرالات الذين يقودون الجيش البريطاني في ايرلندا ان يحركوا قواتهم شمالا للتعامل مع هذه القوة، رفضوا وهددوا بالاستقالة من مأمورياتهم.
وبسبب هذا الفعل الذي عادة ما يطلق عليه "تمرد" لم تحظ ايرلندا بشمالها وجنوبها ببرلمان موحد حتى يومنا هذا
الفصل الحادي عشر:
الإمبريالية والتحرر الوطني
خلال تاريخ الرأسمالية، كانت الطبقة الحاكمة دائما ما تبحث عن مصدر إضافي للثروة:
الاستيلاء على الثروة التي تنتجها الدول الأخرى.
جاء نمو الأشكال الأولى للرأسمالية مع نهاية العصور الوسطى مصاحبا لاستيلاء الدول الغربية على إمبراطوريات استعمارية كبيرة مثل إمبراطوريات إسبانيا والبرتغال، هولندا وفرنسا، وبالطبع بريطانيا العظمى.
لقد تم في تلك الأثناء ضخّ الثروة إلى أيدي الطبقات الحاكمة في أوروبا الغربية بينما تم تدمير مجتمعات كاملة لما يطلق عليه الآن بـ "العالم الثالث" ( دول أفريقيا، آسيا، وأمريكا الجنوبية).
وبالتالي، فلقد أدى "اكتشاف" الأوروبيين لأمريكا في القرن السادس عشر إلى تدفق واسع النطاق للذهب في أوروبا. أما الوجه الآخر لهذه العملة فقد تمثل في تدمير مجتمعات كاملة واستعباد مجتمعات أخرى.
فعلى سبيل المثال، في هاييتي، حيث أقام كولومبس أول مستوطنة، تم إبادة الهنود الـ "هاراواك" الذين كانوا يعيشون في موطنهم (تم إبادة ما يقرب من نصف مليون فرد) وذلك على مدار جيلين من البشر.
وفي المكسيك، انخفض عدد السكان الهنود من 20 مليون نسمة في عام 1520 إلى 2 مليون في عام 1607.
أما السكان الهنود الذين عاشوا في جزر الهند الغربية وأجزاء أخرى من القارة فقد تم استبدالهم بالعبيد الذين أُسروا في أفريقيا ونُقلوا عبر المحيط الأطلنطي تحت ظروف سيئة للغاية.
هناك ما يقدر بـ15 مليون عبد هم كل من بقوا أحياء بعد عبور الأطلنطي بينما مات 9 مليون خلال الرحلة.
وتم نقل حوالي نصف العبيد على سفن بريطانية، وهذا يعتبر أحد أسباب كون الرأسمالية البريطانية الأولى في توسع الصناعة.
لقد وفرت الثروة التي أتت من تجارة العبيد سُبل تمويل الصناعة.
وكما تعبر مقولة قديمة بأن " حوائط مدينة بريستول مصنوعة من دم الزنوج"، ينطبق هذا القول على موانئ أخرى في إنجلترا.
وكما يقول كارل ماركس:
"إن العبودية المقنّعة للعامل الأجير في أوروبا تطلبت كقاعدة لها عبودية خالصة تماما وسهلة المنال في العالم الجديد."
لقد تمت تجارة العبيد بطرق النهب الخالصة، مثلما غزا البريطانيون الهند.
كانت البنغال متقدمة جدا حتى أن الزوار الإنجليز الأوائل ذهلوا من روعة حضارتها.
ولكن هذه الثروة لم تبقى طويلا في البنغال؛ وكما كتب اللورد ماكولاي في سيرته الذاتية عن الغازي كلايف:
"تم التخلص من كثرة السكان بتقديمهم كفريسة.
ولذلك، فقد تم مراكمة ثروات هائلة في كالكاتا بينما كان 30 مليون من البشر يعيشون في منتهى البؤس.
لقد اعتادوا الحياة تحت نير الطغيان ولكنه لم يكن أبدا طغيانا مثل هذا."
من هذه النقطة فصاعدا، أصبحت البنغال مشهورة ليس بثروتها ، ولكن بالفقر المدقع الذي كان يحصد كل عدة سنوات الملايين الذين ماتوا من الجوع بسبب المجاعات، وهو فقر مستمر حتى وقتنا هذا.
في تلك الأثناء في ستينيات القرن السابع عشر، وفي وقت لم يتعدى إجمالي استثمار رأس المال في إنجلترا أكثر من 6-7 مليون جنيه إسترليني، كانت الجزية السنوية لإنجلترا من الهند تبلغ 2 مليون جنيه إسترليني.
وكانت نفس هذه المراحل تحدث في أقدم مستعمرة إنجليزية، وهي أيرلندا.
ففي أثناء المجاعة الكبيرة التي حدثت في أواخر أربعينيات القرن الثامن عشر عندما انخفض سكان أيرلندا إلى النصف بسبب الموت جوعا والهجرة، تم إرسال كميات من القمح كانت تزيد حتى عن إطعام السكان الذين يموتون جوعا من إنجلترا إلى ملاك الأراضي الإنجليز كإيجار.
واليوم، فمن المعتاد تقسيم العالم إلى دول متقدمة وأخرى متخلفة.
والانطباع السائد هو أن الدول "المتخلفة" كانت تسير في نفس اتجاه الدول المتقدمة لمئات السنين ولكن بإيقاع بطيء.
ولكن واقع الأمر هو أن أحد أسباب "تطور" الدول الغربية يكمن في أن الدول الأخرى قد نُهبت ثرواتها ودُفعت دفعاً نحو التخلف.
إن الكثير من الدول أفقر الآن عما كانت عليه منذ 300 سنة مضت.
وكما أشار مايكل بارات براون، "إن معدل الثروة للفرد في الدول المتخلفة حاليا، وليس فقط في الهند ولكن أيضا في الصين وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، كان أعلى من مثيله في أوروبا القرن السابع عشر، ثم انخفض بينما نمت الثروة في أوروبا الغربية." لقد أتاح امتلاك بريطانيا للإمبراطورية أن تتطور لتصبح فيما بعد القوة الصناعية الأولى في العالم.
كانت بريطانيا في وضع يمكنها من منع الدول الرأسمالية الأخرى من وضع أيديهم على المواد الخام بالإضافة إلى أسواق ومناطق استثمارية مربحة داخل ثلث العالم الذي احتلته.
ولكن بنمو قوى صناعية أخرى مثل ألمانيا واليابان والولايات المتحدة، فقد أرادت هذه الدول أن يحصلوا على تلك المميزات لأنفسهم.
ولذلك، فلقد قاموا ببناء إمبراطوريات منافسة أو ما يمكن أن يطلق عليه بـ "مناطق نفوذ." وبسبب مواجهتها لأزمات اقتصادية، فقد حاولت كل من القوى الرأسمالية الرئيسية حل مشاكلها عن طريق الاعتداء على مناطق نفوذ منافسيها.
وفي النهاية، أدت الإمبريالية إلى حرب عالمية.
أنتج هذا بدوره تغيرات ضخمة داخل النظام الداخلي للرأسمالية، وأصبحت أداة شنّ الحرب وهي الدولة أكثر أهمية.
فلقد عملت الدولة بقرب أكثر كثيرا عن ذي قبل مع الشركات العملاقة لإعادة تنظيم الصناعة بهدف المنافسة الخارجية والحرب.
بمعنى آخر، أصبحت الرأسمالية هي رأسمالية احتكار الدولة.
كما عني تطور الإمبريالية أن الرأسماليين لم يستغلوا فقط الطبقة العاملة في بلادهم، ولكنهم قاموا أيضا بالسيطرة المادية الملموسة على دول أخرى واستغلوا سكانها.
وبالنسبة لمعظم الطبقات المضطهدة في الدول المستَعمَرة، كان هذا يعني أنهم كانوا مستغَلين من قبل المستعمرين الأجانب بالإضافة إلى استغلال طبقتهم الحاكمة، أي كان استغلالهم مضاعفا.
وفي الدول المستعمِرة، عانت بعض أقسام الطبقات الحاكمة أيضا.
لقد شاهدوا كيف أن الكثير من فرصهم لاستغلال السكان المحليين كانت تُسرق منهم من قبل الإمبريالية.
وبنفس الطريقة، عانت أيضا الطبقات الوسطى في المستعمرات والتي كانت ترغب في رؤية توسع سريع للصناعة التي تدار محليا مما كان سيخدمهم في خلق فرص مستقبلية جديدة.
لقد شهدت الـ60 سنة الأخيرة نهوض كل هذه الطبقات المتنوعة في المستعمرات والدول المستعمِرة سابقا ضد تأثيرات الإمبريالية.
فلقد تطورت بعض الحركات التي حاولت توحيد كل السكان ضد حكم الإمبريالية الأجنبية؛ وتضمنت مطالبهم الآتي:
" طرد قوات الاحتلال الأجنبية الإمبريالية.
" توحيد البلد تحت راية حكومة وطنية واحدة وذلك لتجنب تقسيمه بين قوى إمبريالية متعددة.
" إعادة توطيد مكانة اللغة الأصلية في الحياة اليومية وذلك لمقاومة اللغات التي فرضها الحكام الأجانب.
" استخدام الثروة التي تنتجها البلاد في توسيع الصناعة المحلية من أجل "تطوير" و "تحديث" البلد.
تلك كانت مطالب حركات ثورية متعاقبة في بلاد مثل الصين (1912، 1923-1927، وفي 1945-1948)؛ إيران (في 1905-1912، 1917-1921، و1941-1953)؛ تركيا (بعد الحرب العالمية الأولى)؛ جزر الهند الغربية (من 1920 وما بعد ذلك)؛ الهند (في سنوات 1920-1948)، أفريقيا (بعد 1945)؛ فيتنام (حتى هزيمة الأمريكيين في 1975)؛ وحتى الآن في جنوب أفريقيا.
وفي أغلب الأحيان، قاد هذه الحركات أقسام من الطبقات العليا أو الوسطى المحلية.
ولكن كان هذا يعني أن الطبقات الحاكمة في الدول المتقدمة تواجه خصم إضافي مثله في ذلك مثل الطبقة العاملة في بلادهم. لقد تحدّت الحركة الوطنية فيما يسمى بـ"العالم الثالث" الدول الرأسمالية الإمبريالية في نفس الوقت الذي تحركت فيه طبقاتهم العاملة ضدهم.
لقد كان لهذا أهمية كبرى بالنسبة لحركة الطبقة العاملة في الدول المتقدمة، حيث عني ذلك أنه في نضالها ضد الرأسمالية كان لها حليف في حركات التحرر في "العالم الثالث".
وهكذا، فإن عاملا في شركة "شل" البريطانية - على سبيل المثال - له اليوم حليفا في قوات التحرير في جنوب أفريقيا والتي تناضل من أجل الحصول على الممتلكات التي في حوزة شل في بلادهم.
فإذا استطاعت شل أن تخيب آمال حركات التحرر في "العالم الثالث"، فهي ستصبح أكثر قوة عندما يتعلق الأمر بمقاومة مطالب العمال في بريطانيا.
هذه هي الحقيقة حتى إن لم يكن هناك لحركة التحرر في بلد من بلاد العالم الثالث قيادة اشتراكية.
سوف يحدث هذا بالفعل حتى لو أرادت قيادتها استبدال الحكم الأجنبي بحكم الرأسمالية المحلية أو طبقة رأسمالية الدولة.
إن الدولة الإمبريالية التي تحاول تحطيم حركة التحرر هذه هي نفس الدولة الإمبريالية التي تعد العدو الأكبر للعامل في الغرب.
ولهذا، أصر ماركس على أن:
"أي أمة تضطهد الآخرين لا تستطيع هي نفسها أن تكون حرة"؛ ولهذا أيضا فقد طرح لينين مسألة التحالف بين عمال الدول المتقدمة والشعوب المضطهدة في العالم الثالث حتى لو كان لديها قيادة غير اشتراكية.
وهذا لا يعني أن الاشتراكيين سيتفقون مع الطريقة التي يقود بها غير الاشتراكيين في دولة مضطهدة صراع التحرر الوطني (أكثر من اتفاقنا مثلا مع الطريقة التي يقود بها قائد نقابي إضراب ما).
ولكن يجب أن نوضح قبل أي شيء آخر أننا نؤيد هذا الصراع وإلاّ سوف نصبح جميعا مؤيدين لطبقتنا الحاكمة ضد الشعوب التي تظلمها.
يجب أن نؤيد النضال من أجل التحرر بدون شروط قبل أن يكون من حقنا انتقاد الطريقة التي يُقاد بها هذا النضال.
ومع ذلك فإن الاشتراكيين الثوريين في دولة تقهرها الإمبريالية لا يمكن أن يتركوا الأمور تسير هناك ضدهم، بل يجب عليهم أن يناضلوا يوما بعد يوم مع أفراد آخرين حول كيفية شنّ الصراع من أجل التحرر الوطني.
وحول هذه القضية، نجد أن أهم النقاط المتعلقة بها مذكورة في نظرية الثورة الدائمة التي طرحها تروتسكي. لقد بدأ تروتسكي أطروحته من خلال إدراكه أن الحركات ضد الاضطهاد غالبا ما يبدأها الأفراد ذوي أصول الطبقة الوسطى أو حتى الطبقة العليا.
ويدعم الاشتراكيين مثل هذه الحركات لأنهم يهدفون إلى إزالة أحد الأعباء التي تثقل كاهل معظم الطبقات والجماعات المضطهدة في المجتمع.
ولكن يجب علينا أيضا أن ندرك أن أبناء الطبقات الوسطى والعليا أولئك لا يمكنهم الاستمرار في قيادة مثل هذه الصراعات لأنهم سوف يكونون خائفين من إطلاق العنان لصراع جماهيري حقيقي، وذلك في حالة أن يتحدى هذا الصراع ليس فقط الاضطهاد القادم من الخارج ولكن أيضا قدرتهم هم ذاتهم على الحياة عن طريق استغلال الطبقات المستغَلة.
فعند لحظة معينة سنجدهم يفرون من الصراع الذي بدءوه هم أنفسهم، كما أنهم سوف يتّحدون -إذا كان هذا ضروريا - مع المضطهِد الأجنبي من أجل سحق الصراع.
وعند هذه اللحظة ذاتها، إذا لم تأخذ قوات الطبقة العاملة الاشتراكية زمام قيادة التحرر الوطني فسوف تُهزم.
لقد أشار تروتسكي أيضا إلى حقيقة أخيرة وهي كون الطبقة العاملة في معظم دول العالم الثالث مجرد أقلية من السكان، وغالبا أقلية ضئيلة.
ولكن، على الرغم من ذلك، فهي تعتبر كبيرة أيضا بمعنى ما (على سبيل المثال تمثل الطبقة العاملة قوة تقدر بعشرات الملايين في دول مثل الهند والصين)، وهي غالبا ما تنتج قسم ضخم من الثروة القومية مقارنة بحجمها. كما أنها تتركز بأعداد كبيرة جدا في المدن التي تعتبر مفتاح الحكم في البلد.
ولذلك، ففي فترات الاضطراب الثوري، تستطيع الطبقة العاملة قيادة كل الطبقات الأخرى المضطهدة والأخذ بزمام الأمور في البلد كلها. والثورة يمكن أن تصبح دائمة بداية من مطالب التحرر الوطني وانتهاء بالمطالب الاشتراكية. لكن هذا يمكن أن يحدث فقط في حالة تنظيم الاشتراكيين للعمال منذ البداية في الدولة المضطهدة على أساس طبقي مستقل، وهم في ذلك يدعمون بشكل عام حركة التحرر الوطني ولكن عليهم أن يكونوا على حذر دائما من الوثوق في قادتها من الطبقات الوسطى أو العليا.
الفصل الثاني عشر:
الماركسية والنسوية
لقد كان هناك دائما اتجاهين مختلفين في مسألة تحرير المرأة:
النسوية والاشتراكية الثورية. والنسوية هي التأثير المهيمن على حركات المرأة التي اندلعت في الدول الرأسمالية المتقدمة خلال الستينات والسبعينات من هذا القرن.
تبدأ النسوية من فكرة أن الرجال دائما ما يضطهدون النساء، وبأن هناك شيئا ما في التكوين البيولوجي أو النفسي للرجال يجعلهم يعاملون النساء ككائنات أدنى منهم.
وهذا يؤدي إلى فكرة أن التحرر ممكن فقط بعزل النساء عن الرجال، سواء بالانفصال الكامل للنسويات اللاتي يبحثن عن "أساليب حياة متحررة" أو الانفصال الجزئي للجان النساء، الاجتماعات الانتخابية أو الأحداث التي تهم النساء فقط.
إن هناك الكثيرات ممّن يدعمن هذا الانفصال الجزئي يدعون أنفسهن بـنسويات اشتراكيات.
ولكن في السنوات الأخيرة، سادت داخل حركة المرأة أفكار النسويات الراديكاليات عن الانفصال الكلي ، ثم انتهت الأفكار الانفصالية مرة بعد أخرى كجناح متطرف بعض الشيء إلى تأدية خدمات اجتماعية من نوعية خدمة اللاجئات مثلا.
ولقد قاد هذا الفشل المزيد من النسويات في اتجاه آخر - اتجاه حزب العمال.
يؤيد هؤلاء فكرة أن وضع النساء في الأماكن المناسبة لهن كعضوات في البرلمان أو مسئولات نقابيات أو مستشارات محليات سوف يساعد جميع النساء بعض الشيء على تحقيق المساواة.
أما تقليد الاشتراكية الثورية فهو يبدأ من مجموعة أفكار مختلفة تماما.
إن ماركس وإنجلز، وهما يكتبان في عام 1848، قد طرحا - أولا - فكرة أن اضطهاد المرأة لم ينبع من الأفكار الموجودة في عقول الرجال ولكن من تطور الملكية الخاصة ومعها ظهور مجتمع قائم على الطبقات.
وبالنسبة لهما، فإن النضال من أجل تحرير المرأة لم ينفصل عن النضال لإنهاء المجتمع الطبقي بكامله - أي النضال من أجل الاشتراكية.
أشار ماركس وإنجلز كذلك إلى أن تطور الرأسمالية المبني على نظام المصنع قد أتى بتغيرات عميقة في حياة البشر، وخاصة في حياة النساء.
فلقد أُعيدت النساء مرة أخرى للإنتاج الاجتماعي والذي كن قد استُبعِدن منه تدريجيا مع تطور المجتمع الطبقي.
أعطى هذا للمرأة قوة كانت كامنة بداخلها ولكن لم يسيطرن عليها من قبل أبدا.
امتلكت النساء كعاملات منظمات بشكل جماعي استقلالا أكبر وقدرة على النضال من أجل نيل حقوقهن.
ولقد كان ذلك متناقضا بشدة مع أسلوب حياتهن من قبل عندما كان دورهن الرئيسي في الإنتاج يتركز في الأسرة مما جعلهن يعتمدن تماما على رب الأسرة - الزوج أو الأب.
من هذا استنتج ماركس وإنجلز أن الأساس المادي للعائلة، وبالتالي اضطهاد المرأة، لم يعد موجودا؛ كما أن الذي منع المرأة من الاستفادة من هذا كان حقيقة أن الملكية ظلت في أيدي القلة.
واليوم، فإن العامل الهام الذي يُبقي النساء مضطهدات هو الطريقة التي تنظم به الرأسمالية نفسها - خاصة تلك الطريقة التي تستخدم بها الرأسمالية شكل معين للعائلة من أجل التأكد من أن عمالها يربون أطفالهم لكي يصبحوا الجيل القادم من العمال.
فهي إذن ميزة كبيرة، أي أنه في حين أن الرأسمالية تدفع للرجال لكي يعملوا - وبشكل متزايد للنساء أيضا - فإن النساء سيكرسن حياتهن وبدون مقابل للتأكد من أن أزواجهن صالحين للعمل في المصانع وأن أطفالهن سيقومون بنفس العمل في المستقبل.
أما الاشتراكية، على العكس من ذلك، سوف تعمل من أجل أن يتحمل المجتمع ككل الكثير من الوظائف التي تقوم بها الأسرة والتي تثقل كاهل النساء.
ولكن هذا لم يعنِ أن ماركس وإنجلز ومن خلفوهم ظلوا يرفعون شعار "القضاء على العائلة".
فلقد كان مؤيدو العائلة قادرين دائما على تعبئة العديد من أكثر النساء عرضة للاضطهاد لتأييد مسألة العائلة، كما أنهم رأوا أن شعار "القضاء على العائلة" كان بمثابة رخصة لأزواجهم ليهجروهن هن ومسئولية الأطفال.
وفي مقابل ذلك، حاول الاشتراكيون الثوريون دائما توضيح أنه في مجتمع اشتراكي أفضل لن تجبر النساء أبدا على الحياة البائسة الضيقة الأفق والتي هي ما تقدمه العائلة لهن في أيامنا الحالية.
والنسويات طالما ما رفضن هذا النوع من التحليل.
فبعيدا عن الاقتراب أكثر من النساء واكتشاف مواطن قوتهن لتغيير العالم وإنهاء الاضطهاد الذي يمارَس عليهن - وأيضا مواطن قوتهن الجماعية في مواقع العمل - قامت هؤلاء النسويات بالنظر إلى النساء كمعذبات. فنجد أن حملات الثمانينيات، على سبيل المثال، قد ركزت على قضايا مثل الدعارة والاغتصاب أو تهديد الأسلحة النووية للنساء وعائلتهن.
إن كل هذه الأمور تنطلق من نقطة أن النساء كائنات ضعيفة.
تبدأ النسوية من افتراض أن الاضطهاد يطغى على الانقسام الطبقي.
إن هذا الافتراض يؤدي إلى نتائج لا تمس المجتمع الطبقي إطلاقا، ولكن كل ما تفعله هو تحسين وضع بعض النساء - واللاتي يصبحن أقلية.
لقد انتهت حركات المرأة بان تسيطر عليها نساء "الطبقة الوسطى الجديدة" - مثل الصحفيات، الكاتبات، أساتذة الجامعات والدرجات الأعلى من ذوي الياقات البيضاء.
أما العاملات من أمثال السكرتيرات أو من يعملن في الأرشيف أو مشغّلات الماكينات فقد تم استبعادهن.
إن مسألة تحرر المرأة تصبح حقيقة فقط خلال فترات التغيير الجذري والمدّ الثوري، وهي تصبح حقيقة ليس فقط بالنسبة للأقلية ولكن لكل نساء الطبقة العاملة أيضا.
فلقد أنتجت ثورة 1917 البلشفية مساواة أكثر بكثير للنساء عن ذي قبل مما عرف في العالم.
أصبح الحق في الطلاق والإجهاض ووسائل منع الحمل حرية متاحة للجميع.
كما أصبحت مسئولية الاهتمام بالأطفال والأعمال المنزلية ملقاة على كاهل المجتمع ككل .
وكانت هناك بدايات للمطاعم الجماعية والمغاسل والحضانات مما أعطى للنساء حرية أكبر بكثير للاختيار والتحكم في حياتهن.
وبالطبع، لم تنفصل هذه الخطوات التقدمية عن مصير الثورة ذاتها.
فلقد أدت المجاعة والحرب الأهلية وهلاك القسم الأعظم من الطبقة العاملة وفشل الثورة عالميا إلى الهزيمة الحتمية للاشتراكية في روسيا نفسها، وتحول بالتالي التحرك تجاه المساواة إلى عكسه تماما.
ولكن السنوات المبكرة للجمهورية السوفيتية أظهرت ما يمكن للثورة الاشتراكية أن تحققه، حتى في أشد الظروف سوءا.
واليوم، فإن احتمالات تحرر المرأة أفضل كثيرا في بريطانيا، وربما ينطبق هذا أيضا على دول رأسمالية متقدمة أخرى- فهناك عاملتان من ضمن كل خمسة عمال.
إن تحرر المرأة يمكن أن يتحقق فقط من خلال القوة الجماعية للطبقة العاملة.
وهذا يعني رفض الفكرة النسوية عن منظمات مستقلة للمرأة.
فمن خلال عمل العاملات والعمال معا كجزء من حركة ثورية موحدة، يمكن هنا فقط أن يتم تدمير المجتمع الطبقي ومعه اضطهاد المرأة.
الفصل الثالث عشر:
الاشتراكية والحرب
اتسم القرن الحالي بأنه قرن الحروب.
لقد قتل عشرة ملايين شخص في الحرب العالمية الأولى، 55 مليون في الحرب العالمية الثانية، و2 مليون في الحرب في الهند الصينية.
أما الآن، فإن القوتين النوويتين العظميين في العالم، وهما أمريكا وروسيا، تمتلكان وسائل تدمير الجنس البشري بكامله عدة مرات.
إن تفسير هذا الرعب يعتبر من الأمور العسيرة بالنسبة لأولئك الذين ينظرون إلى المجتمع القائم كأمر مسلّم به.
فهؤلاء مدفوعون لاستنتاج أن هناك دافع فطري أو غريزي في البشر يقودهم للاستمتاع بالمذابح الجماعية.
ولكن الحقيقة هي أن الجنس البشري لم يعرف الحرب دائما.
لقد لاحظ جوردون شيلد عن أوروبا في العصر الحجري ما يلي:
"يبدو أن أهل الدانوب الأوائل كانوا قوما مسالمين، فأسلحة الحرب بالمقارنة بأدوات الصيادين لم تكن موجودة في مقابرهم.
إن قراهم افتقدت للدفاعات العسكرية."
ولكن، "في المراحل الأخيرة للعصر الحجري الحديث، أصبحت المعدات الحربية هي الأكثر ظهورا…"
إن الحرب لا تنتج عن عدوانية بشرية فطرية، بل هي نتيجة انقسام المجتمع إلى طبقات. فمنذ 5000 أو 10000 سنة مضت وعندما ظهرت طبقة من أصحاب الأملاك لأول مرة، كان عليها العثور على وسيلة للدفاع عن ثروتها.
بدأت تلك الفئة في إنشاء قوات مسلحة ثم دولة أضحت منفصلة عن باقي المجتمع؛ وفيما بعد، أصبح نهب مجتمعات أخرى وسيلة ثمينة للمزيد من تراكم الثروة.
عني انقسام المجتمع إلى طبقات أن الحرب أصبحت مظهرا دائما للحياة الإنسانية.
لم تستطع الطبقات الحاكمة المالكة للعبيد في اليونان القديمة وروما البقاء بدون حروب مستمرة والتي كانت توفر المزيد من العبيد.
وكان على ملاك الأراضي الإقطاعيين في العصور الوسطى أن يتسلحوا بقوة حتى يخضعوا عبيد الأرض المحليين، وأيضا ليحموا غنائمهم من ملاك الأراضي الإقطاعيين الآخرين.
وعندما بدأت الطبقات الرأسمالية الحاكمة الأولى في الظهور منذ 300 أو 400 سنة مضت، اضطرت هي أيضا اللجوء للحرب باستمرار.
لقد كان عليهم خوض حروب مريرة في القرون 16، 17، 18 و19 من أجل إرساء سيادتهم على بقايا الحكام الإقطاعيين القدماء.
نجد مثلا أن أكثر الدول الرأسمالية نجاحا مثل بريطانيا استخدمت الحرب لتوسيع ثروتها والوصول إلى ما وراء البحار، ونهب الهند وأيرلندا ونقل ملايين البشر كعبيد من أفريقيا إلى أمريكا، وهي في كل ذلك كانت تحول العالم كله إلى مصدر للنهب لنفسها.
وهكذا، فلقد بنى المجتمع الرأسمالي نفسه عن طريق الحرب.
فلا عجب إذن أن كل أولئك الذين عاشوا فيه آمنوا بأن الحرب هي شيء "حتمي" و"عادل" في نفس الوقت.
ومع ذلك، فالرأسمالية لا يمكن أبدا أن ترتكز بالكامل على الحرب.
لقد أتت معظم ثروتها من خلال استغلال العمال في المصانع والمناجم، وكان هذا شيئا يتعطل أحيانا عندما ينشب صراع داخل "البلد الأم" ذاته.
لقد أرادت كل طبقة رأسمالية وطنية السلام في بلدها بينما تشنّ الحرب في الخارج.
ولذلك، فبينما شجعت تلك الطبقات التمسك بـ"الفضائل العسكرية"، هاجمت أيضا وبضراوة "العنف".
إن أيديولوجية الرأسمالية تمزج بطريقة متناقضة تماما وبإفراط العبارات العسكرية والسلمية.
أما في القرن الحالي، فقد أصبحت الاستعدادات للحرب أكثر أهمية للنظام من أي وقت مضى. كان الإنتاج الرأسمالي في القرن التاسع عشر مرتكزا على الشركات الصغيرة التي تنافس بعضها البعض، كما كانت الدولة مجرد مؤسسة صغيرة تنظم علاقات تلك الشركات ببعضها وبينها وعمالها.
ولكن في القرن الحالي، ابتلعت الشركات الكبيرة معظم الشركات الصغيرة قاضية بذلك على المنافسة داخل كل دولة. فالمنافسة بدأت تتجه نحو العالمية أكثر وأكثر بين الشركات العملاقة في دول مختلفة.
لا توجد دولة رأسمالية عالمية لتنظيم هذه المنافسة.
ولكن بدلا من ذلك، فإن كل دولة على حدة تبذل كل الضغوط الممكنة لمساعدة طبقة الرأسماليين بها على الحصول على ميزات ليتفوقوا على منافسيهم الأجانب.
فصراع الحياة والموت بين الرأسماليين المختلفين يمكن أن يصبح صراعا للحياة والموت بين دول مختلفة، كل بترسانتها الضخمة من الأسلحة المدمرة.
أدى هذا الصراع مرتين إلى حروب عالمية.
كانت الحربان العالميتان الأولى والثانية حروبا إمبريالية نتجتا عن خلافات بين تحالفات دول رأسمالية من أجل السيطرة على العالم.
ثم جاءت الحرب الباردة كاستكمال لهذا الصراع حيث اصطفت فيها أقوى الدول الرأسمالية ضد بعضها البعض في الناتو وحلف وارسو.
بالإضافة إلى هذا الصراع العالمي، احتدمت العديد من الحروب الساخنة في أجزاء مختلفة من العالم.
عادة كانت هذه صراعات بين دول رأسمالية مختلفة حول مسألة من يجب أن يسيطر على منطقة معينة، مثل الحرب بين العراق وإيران التي اندلعت في عام 1980.
ولقد أذكت كل القوى الرئيسية نيران الحرب ببيعها أكثر التكنولوجيا العسكرية تعقيدا لدول العالم الثالث.
إن هناك الكثير من الناس الذين يقبلون باقي خصائص النظام الرأسمالي ممن لا تعجبهم هذه الحقيقة الكئيبة.
إنهم يريدون بقاء الرأسمالية ولكن ليس الحرب؛ ولذلك، فهم يحاولون إيجاد بدائل داخل النظام ذاته.فعلى سبيل المثال، هناك أولئك الذين يعتقدون أن الأمم المتحدة تستطيع منع الحرب.
لكن الأمم المتحدة هي مجرد ساحة للصراع تلتقي فيها الدول المختلفة التي لديها الدافع للحرب.
فهناك، تقارن تلك الدول فيما بينها بين ما تملكه من قوة مثلهم في ذلك مثل الملاكمين الذين يتبارون قبل المباراة. وإذا كانت هناك دولة أو تحالف ما أقوى من الأخرى، فكلاهما سيرى لا جدوى حرب نتيجتها معروفة مقدما.
ولكن إذا كان هناك أي شك في النتيجة، فهم يعرفون طريقة واحدة لتسوية القضية - ألا وهي الذهاب للحرب.
لقد كان ذلك صحيحا بالنسبة للتحالفين النوويين العظميين وهما الناتو وحلف وارسو.
وعلى الرغم من أن الغرب كان لديه التفوق العسكري على الكتلة الشرقية، إلا أن الفجوة بينهما لم تكن كبيرة بالنسبة للروس للدرجة التي تجعلهم يعتقدون أنهم في وضع بائس أو لا أمل فيه.
ولذلك، فإن كلا من واشنطن وموسكو قد خططا للدخول في حرب نووية وكسبها بالرغم من وضوح حقيقة أن نشوب حرب عالمية ثالثة سوف تأتي على معظم الجنس البشري.
لقد انتهت الحرب الباردة مع اندلاع الاضطراب السياسي الذي وقع في أوروبا الشرقية في عام 1989 وانهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه إلى جمهورياته الصغيرة في 1991.
أصبح هناك الكثير من الكلام بعد ذلك حول "نظام عالمي جديد" و "أرباح السلام".
في مقابل تلك الصورة، وعلى الرغم من كل هذا الكلام، رأينا تتابعاً لحروب بربرية - حرب الغرب ضد العراق والتي كانت حليفتهم السابقة، الحرب بين أذربيجان وأرمينيا في الاتحاد السوفيتي السابق، الحروب الأهلية المروعة في الصومال ويوغوسلافيا السابقة.
ورأينا أيضا أنه ما أن تُحلّ عداوة عسكرية بين قوى رأسمالية حتى تأخذ غيرها مكانها.
ففي كل مكان تعرف الطبقات الحاكمة أن الحرب هي وسيلة لزيادة تأثيرها ووضع غشاء الوطنية على عيون العمال والفلاحين.
من الممكن إذن أن تشمئز من الحرب وتخشاها بدون معارضة المجتمع الرأسمالي، ولكنك لا تستطيع أن تضع نهاية لها.
فالحرب هي النتيجة الحتمية لانقسام المجتمع لطبقات، وتهديدها لن ينتهي أبدا باستجداء الحكام الحاليين لصنع السلام.
يجب أن تنتزع الأسلحة من أيديهم عن طريق حركة تقاتل بها المجتمع الطبقي وتخلعه من جذوره مرة وإلى الأبد.
لم تفهم حركات السلام التي ظهرت في أوروبا وأمريكا الشمالية في نهاية السبعينات هذه الحقيقة. لقد حاربت تلك الحركات من أجل وقف إنتاج صواريخ كروز وبرشينج كما عارضت نزع الأسلحة من جانب واحد وحاربت من أجل التجميد النووي.
لكنهم في نفس الوقت اعتقدوا أن الحرب من أجل السلام يمكن أن تنجح بمعزل عن الصراع بين الرأسمالية والعمال.
ولذلك، فشلت هذه الحركات في تعبئة القوة الوحيدة القادرة على إيقاف الدافع تجاه الحرب:
الطبقة العاملة.
الثورة الاشتراكية فقط هي التي تستطيع إنهاء أهوال الحرب
  • الاستاذ غير متواجد حالياً
  • رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الاشتراكية, الدول

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:19 PM


.Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
منتدى الشروق الجزائري