التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

العلوم القانونية و الادارية دروس و محاضرات في العلوم القانونية و الادارية

ر سالة ماجستير (الحريات العامة وحدود اجراءات الضبط الادارى)الباحث ابراهيم سالم الاخضر

الفصل الثـــــالث حدود وتدابير إجراءات الضبط الإداري تمهيد وتقسيم ،،، يقصد بحدود سلطات الضبط الإداري معرفة نقطة التوازن

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-30-2014, 12:50 PM #1
الاستاذ
المدير العام
 
الصورة الرمزية الاستاذ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2013
العمر: 26
المشاركات: 36,585
الفصل الثـــــالث
حدود وتدابير إجراءات الضبط الإداري










تمهيد وتقسيم ،،،
يقصد بحدود سلطات الضبط الإداري معرفة نقطة التوازن أو التعادل بين السلطة والحرية ، أي معرفة مدى تدخل سلطات الضبط الإداري في حريات الأفراد ، أو هي الضوابط التي يجب على السلطات الإدارية أن تلتزم بها إزاء حقوق الأفراد وحرياتهم .
واحترام سلطات الضبط الإداري لحريات الأفراد يعتبر التزاماً قانونياً ملزماً لها ، ويمثل ضماناً قانونياً للحريات العامة ، أساسها المبادئ الدستورية والتشريعية القائمة لكفالة الحريات في مواجهة سلطات الضبط . وصلاحيات الضبط الإداري تتسع وتضيق تبعاً لحدود الحريات العامة المحددة دستورياً وتشريعياً ، حيث تفرض قيوداً على هيئات الضبط لصالح الحريات العامة ، لا يمكن تجاوزها إلا في الظروف الاستثنائية .
ووظيفة الضبط الإداري رغم أهميتها في المحافظة على النظام العام ، إلا أنها ليست مطلقة من كل قيد ، وإلا كان ذلك إهداراً للحريات العامة ، ومن أهــم القيود التي ترد على إجراءات الضبط الإداري خضوعها عند مباشرتها لمبدأ المشروعية كسائر الأعمال الإدارية الأخرى لعدة قيود ، والمتمثلة في صدورها من جهة إداريــــة مختصة ، وبالشكليــة المقررة قانونـــاً ، وبنــاءً على أسباب مبررة ، وغايتها المحافظة على النظام العام .
وتختلف حــدود سلطات الضبط الإداري باختلاف الحـــالات والظروف التي تتم ممارستهـا فيهـا ، ونتناول في هذا الفصل هذه الحدود على النحو التالي :
المبحث الأول / حدود سلطات الضبط الإداري
المبحث الثاني / التدابير الضبطية للشرطة وعلاقتها بالحريات العامة










المبحث الأول
حدود سلطات الضبط الإداري
تمهيد ،،،
تمارس سلطات الضبط الإداري في ظل الظروف العادية اختصاصها في حماية النظام العام وتلتزم باحترام مبدأ المشروعية ، والتقيد في كل تصرفاتها مع النصوص التشريعية والقرارات اللائحية الصادرة عنها . وبما أن المشرع قد أحاط الحريات العامة عند تنظيمه لها بمجموعة من الضمانات ، يجب على الإدارة التقيد بها وعدم إهدار أو انتقاص الحريات العامة المكفولة قانوناً ، باعتبارها الأصل والقيود هي الاستثناء ، فهيئات الضبط الإداري واجبها المحافظة على النظام العام من أي إخلال قد يحدث له ، وأثناء تنفيذها لهذا الواجب عليها التقيد بمبدأ المشروعية الذي يعني احترام القواعد القانونية حسب التدرج المتعارف عليه ، وفى حالة المخالفة فإن القضاء يبسط رقابته على إجراءات الضبط الإداري المتخذة حيال تقييد الحريات العامة أثناء الظروف العادية إلغاء وتعويضا ويضع عدة ضوابط لذلك.
وقد تمر الدولة بظروف استثنائية ، متعددة الصور ومختلفة المصادر، كحالة الحرب مع دولة أخرى ، أو اضطرابات داخلية ، أو كوارث طبيعية كالزلازل والفيضانات والأعاصير ، أو انتشار أوبئة خطيرة وغيرها ، وهي كلهـا ظروف تتصف بالفجائية وعدم التوقع ، ومن خصائصها الخطــورة وعـدم الاستمرار ، فهي بطبيعتهـا مؤقتـة فيما تحدثـه مـن إخـلال بالنظــام العام(1) .
إن مثل هذه الظروف تمثل خطراً على كيان الدولة ،وتحدث خللاً في نظام الدولة وأمنها الداخلي أو الخارجي ، الأمر الذي يتطلب اتخاذ إجراءات فورية حيالها(2) ، لأن سلامة الدولة وبقاءها تعلو على كافة ما سواها من اعتبارات ، وبالتالي تضعف أمام هذه السلامة حريات الأفراد وأموالهم ، وبذلك فإن سلطات الضبط الإداري في ظل الظروف الاستثنائية ، تزداد اتساعــاً في مواجهة الحريات العامـة ، وتتحرر مؤقتاً مــن الخضوع لمبدأ المشروعيــة ، أي

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
1 ـ منيب ربيع ، المرجع السابق ، ص245 .
2 ـ ونظرا لحدوث الظروف الاستثنائية بشكل مفاجئ ، وبصورة غير متوقعة ، فان الدول تختلف في تخير الحلول التي ترى إنها أكثر ملاءمة في مواجهة هذه الظروف وذلك وفق أسلوبين كالأتي : الأسلوب الأول ـ الأنجلوسكسونى ـ هذا الأسلوب لا ينظم سلفا حالة الطوارئ بقانون ، ولكنه يعطى للسلطة التنفيذية الحق في التوجــــــه إلى البرلمــان (السلطة التشريعية) لاستصدار قـانـــــــــون ينظم سلطات الضبط الإداري في مثل هــــــذه الظروف ، والوسائـل التي يجوز لهـــا استخدامها ، كلمـــا وقع ظرف من الظروف الاستثنائية يتطلب إصدار تشريع خـــــاص لمجابهتـــــــــــه = =

الخروج على أحكام القوانين العادية بصفة استثنائية ومؤقتة ، كما إن للإدارة أن تحد من الحريات بقدر أكبر عن المعتاد ، بفرض قيود أشد وطأة من القيود المفروضة في الظروف العادية . وفى كل الأحوال فإن تصرفات الإدارة التي تصدر أثناء هذه الظروف تخضع لرقابة القضاء الإداري .
ومن خلال ما تقدم يمكن تقسيم هذا المبحث إلى المطالب التالية :
المطلب الأول : حدود سلطات الضبط الإداري في الظروف العادية
المطلب الثاني : حدود سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية
المطلب الثالث : ضوابط وقيود الإجراءات الضبطية في الظروف الاستثنائية









ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ
= = وهذا الأسلوب يطلق عليــه أسلوب التفويض التشريعي ، لأن الدول تلجأ إلى البرلمان عند ألازمات ، تطلب منه تفويضها في اتخــاذ الإجراءات التي تــرى أنهــا ضرورية لمواجهة أللازمة القائمة . وميزة هذا الأسلوب أنه يقطع الطريق أمام السلطة التنفيذية ، إذا ما أرادت التذرع بظروف غير جدية لفرض أحكام الطوارئ ، لأن السلطة التشريعية هي التي تملك الحق في إصدار التشريع الخاص بذلك ، إذا ما رأت إن هناك ظروفاً استثنائية جدية تتطلب هذا الإصدار . ويعاب على هذا الأسلوب أنه يقف حجر عثرة في طريق السلطة التنفيذية ، ويجعلها عاجزة عن مواجهة الظروف الاستثنائية ، والتي غالبا ما تحدث بطريقة مفاجئة لا تحتمل التأخير أو الانتظار لحين الالتجاء إلى البرلمان ومناقشتها ، وإصدار قانون خاص لمواجهتها . انظر : د خالد خليل الظاهر ، القانون الإداري ، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة ، ب ط ، عمان ، 1997 ف ــــ د خليفة على الجبرانى ، القضاء الإدارى الليبي ، مركز سيما للطباعة والإعلان ، ب ط ، طرابلس ، 2005 ف ، ص71 .
ـ الأسلوب الثاني ـ اللاتيني ـ ويتضمن وجود قوانين خاصة صادرة من السلطة التشريعية لمواجهة هذه الظروف ، سابقة على حدوثها ، الأمر الذي يمكن السلطة التنفيذية من مواجهتها فور حدوثها ، عن طريق إعلانها لحالة الطوارئ أو الأحكام العرفية أو التعبئة العامة ، وتطبيق أحكام القانون بسرعة وفاعلية لإزالة الخطر الناجم عن هذه الظروف غير المتوقعة ، دون حاجة للرجوع للبرلمان لاستصدار تشريع بذلك . ويمتاز هذا الأسلوب بأنه يتيح للسلطة التنفيذية مواجهة الظرف الطارئ وقت حدوثه ، أي العمل بالقانون الصادر سلفا من البرلمان ، وهذا الأمر يؤدي إلى تطبيق أحكام القانون بسرعة وفاعلية لمواجهة الخطر الناجم عن الظروف غير المتوقعة . ويعاب عليه أنه يفتح الباب على مصراعيه أمام السلطة التنفيذية ، للجوء إلى تطبيق قانون الطوارئ وغيره لأوهى الأسباب ، وما ينتج عن ذلك من تقييد للحريات العامة . انظر في ذلك كلا من : د محمد عبيد القحطانى ، الضبط الإداري سلطاته وحدوده ، ب ن ، ب ط ، ب م ، 2002ف ، ص506 ــــ د عبد الغنى بسيونى ، المرجع السابق ، ص404 وما بعدها .

المطلب الأول
حدود سلطات الضبط الإداري في الظروف العادية
سنقوم في هذا المطلب بدراسة التزام سلطة الضبط الإداري بمبدأ المشروعية وذلك في الفرع الأول ، وفى الفرع الثاني ندرس علاقة مبدأ المشروعية بالسلطة التنفيذية ، وفى الفرع الثالث ندرس ضوابط تحديد الأداء الضبطي .
الفرع الأول
التزام سلطة الضبط بمبدأ المشروعية
يقصد بمبدأ المشروعية خضوع الإدارة لأحكام القانون ، في كل ما يصدر عنها من تصرفات وما تتخذه من أعمال ، سوا تعلقت بالضبط الإداري أو بغيره من أنشطتها ويترتب على ذلك بطلان أي تصرف أو إجراء تتخذه سلطة الإدارة يخالف القانون أو يخرج على قواعده الملزمة(1). والقانون هنا يأخذ معنى واسعاً ، فيشتمل على القواعد الدستورية والتشريعية واللوائح المختلفة ، كل بحسب درجتها أو تدرجها في السلم التشريعي ، كما يشتمل أيضا على القواعد القانونية غير المكتوبة كالعرف والمبادئ العامة للقانون .
ومن المتعارف عليه أن النظام القانوني في الدولة الحديثة يتدرج في شكل هرمي ، بحيث تكون القاعدة الأعلى ملزمة للأدنى ، وكذلك الحال بالنسبة للهيئات العامة التي تتولى إصدار القواعد القانونية ، ففي القمة نجد الهيئة التأسيسية ثم تليها الهيئة التشريعية ، ثم الهيئة التنفيذية التي بدورها تتدرج في شكل هرمي رأسه عند رئيس الدولة ، وقاعدته عند أصغر موظف(2).
وهناك أختلاف بين المشروعية والشرعية ، فالمشروعية تعني احترام الإدارة للقانون أما الشرعية فتعني خضوع الدولــة للقــانون واحترامها له .
ومبدأ المشروعية يضع بقواعده على الإدارة التزاماً بضرورة توخي المصلحة العامة في كل تصرفاتها ، وتنظيم الحريات عن طريق التطبيق الصحيح لأحكــام القانون وقواعــــده ، لغرض
تحقيق توافق وتلاؤم بين المتطلبات المتعارضة وحرية المواطنين من جهة ، وفاعلية الإدارة في تحقيق غاياتها والقيام بمهامها من جهة أخرى(3).
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــ
1 ـ د عبد الغنى بسيونى ، المرجع السابق ، ص400 .
2 ـ د عبد الرؤوف بسيونى ، المرجع السابق ، ص178 .
3 ـ د محمد عبيد القحطانى ، الضبط الإداري في دولة الإمارات العربية المتحدة، المرجع السابق ، ص340 .

* تعريف مبدأ المشروعية :
استقر الفكر السياسي والقانوني على إن مبدأ المشروعية يقوم على أساس التلازم والتكامل بين السلطة والقانون ، فالسلطة حقيقة اجتماعية لا بديل عنها لاستقامة الحياة ، وهي ضرورة
لا يتصور وجود النظام الاجتماعي واستقراره بدونها ، ومن ثم فهي لا تستطيع أن تتعامل مع الخاضعين لها إلا بالقانون وعلى مقتضاه ، وعلى السلطة العامة الالتزام بالقانون في كل تصرفاتها لتكون في إطار مبدأ المشروعية .
فهذا المبدأ أصبح عنصراً أساسياً من عناصر الدولة القانونية الحديثة ، بغض النظر عن الاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتبناها الدولة (1).
ويقصد بمبدأ المشروعية بمدلوله العام خضوع سائر سلطات الدولة لأحكام القانون ، بحيث تكون تصرفاتها محددة بسياج قانوني ، لا يمكن لها أن تتعداه(2) .
ويعني أيضا سيادة حكم القانون بخضوع الدولة بكل سلطاتها والمحكومين للقانون ، بما في ذلك السلطة التشريعية ، والمقصود بالقانون جميع القواعد القانونية الملزمة في الدولة وأياً كان مصدرها ، مع مراعاة التدرج في قوة القواعد القانونية (3).
أما بالنسبة لمبدأ المشروعية بمدلوله الضيق، فهو يعنى خضوع الإدارة للقانون وامتثالها لأحكامه ، بمناسبة مباشرتها لأنشطتها المختلفة (4).
وقـد تولت المحكمة العليـــا الليبية في أحد أحكامهــا التعرض لمبدأ المشروعية حيث قـــالت إن( المشروعية أو مبدأ خضوع الإدارة للقانون معناه أن كل أعمال الإدارة يجب أن تكون أعمالا مشروعة لا تخالف القانون ، والرأي الذي تؤيده غالبية الفقه والقضاء في تفسير مبدأ المشروعية يخلص في أن عمل الإدارة لكي يكون مشروعــاً يجب أن يكون مستنداً إلى قانـون يجيزه ، وليس معنى هذا أنه يجب أن يكون هناك نص تشريعي يجيز عمل الإدارة ، وإنما يكفى أن يكـــون عمل الإدارة مستنداً إلى مبدأ قانوني عام أو قاعدة قانونية ، سواء كانت هذه القاعدة مكتوبة أو غير مكتوبة ).(5)
ومن خلال ما تقدم نرى بــأن الإدارة ملزمة عند قيامها بأنشطتها المختلفـــة باحترام كافــــة
القواعد القانونية أياً كان مصدرها ، سواء كانت أعمال قانونية أو مادية . وأي تصرف تتخــــذه
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــ
1 ـ د محمد عبيد سيف سعيد، المرجع السابق، ص13 .
2 ـ د محمد عبد الحميد أبو زيد ، مبدأ المشروعية وضمان تطبيقه ، ب ن ، ب ط ، القاهرة ، 2002 ف ، ص16 .
3 ـ د محمد عبيد القحطانى ، الضبط الإداري في دولة الإمارات العربية ، المرجع السابق ، ص346 .
4 ـ د محمود أبو السعود حبيب ، القضاء الإداري ج1 ، ب ن ، ب ط ، القاهرة ، ب ت ، ص10 .
5 ـ طعن إدارى رقم 14 / 9ق ، بتاريخ 9 .5 .1964ف ، م . م . ع ، السنة الأولى ، العدد الثالث ، ص9 .

الجهة الإدارية ، لن يكون مشروعاً ومنتجاً لآثاره القانونية إلا بمقدار تطابقه مع القاعدة القانونية التي تحكمه(1).
الفرع الثاني
علاقة مبدأ المشروعية بالسلطة التنفيذية
عرفنا أن السلطة التنفيذية هي السلطة التي يناط بها أساساً مهمة وضع كافة القواعد القانونية موضع التنفيذ ، والمكلفة بتنفيذ السياسة العامة للدولة ، وبالتالي فإن مبدأ المشروعية في القانون الإداري يعني خضوع الإدارة في جميع تصرفاتها للقانون ، سواء اتصل هذا التصرف بنشاط الإدارة ، المتمثل في الضبط الإداري وتسيير المرافق العامـة وغيرها ، وسواء كان تصرفها سلبياً أو إيجابياً .
وعلاقة السلطة التنفيذية بمبدأ المشروعية يتمثل أساساً في ثلاثة مجالات ، هي مجـالات الضبط الإداري ، والضبط القضائي ، والتنفيذ العقابي . ومــا يهمنا هنــا هــو مجـال الضبط الإداري ، حيث إن غاية الضبط الإداري هي المحافظة على النظام العـــام ، مع ما يمكن أن يرتبه من آثـــار ، تتمثل في إمكان المساس بالحريات العامة ، ومن ثم تقييدها .
ويحــاول الفكر القانــوني الحديث إيجــاد صيغـة للملاءمة والتـــوازن بين تدابير الضبط الإداري ، وممارسة الحريات العامة وضرورة كفالتها ، إلا أن تحقيق هذا التوازن والتلاؤم ليس بالأمر الهين ، وأحياناً أخرى يعتبر أمراً متعذراً ، ويترتب على ذلك التضحية بإحدى القيمتين من أجل الأخرى ، وهنا تكون الضحية الحريات العامة ، وما يستتبع ذلك من إهدار لمبدأ المشروعية ، لأن النظام العام ليس بالإمكان التضحية به ، أو التهاون في أي من أغراضه ، نظراً لما يترتب على ذلك من نتائج خطيرة تهدد مقومات الدولة (2). ولسلطة الضبط الإداري في كثير من الحالات أن تقوم بسد الثغرات التشريعية عن طريق اللوائح وتدابير الضبط الفردية دون استنادها على نص يخولها ذلك ، وأحياناً أخرى بالمخالفة لنص قائم ، ويتأتى ذلك في الحالات غير العادية .
ومع ذلك لا يمكن للإدارة أن تتحرر من كل الضوابط المشروعة في سبيل المحافظة على النظام العام ، حيث هناك العديد من الضمانات القانونية التي تهدف إلى وضع سلطة الضبط في حدود الغاية التي قامت من أجلها ، وبالتالي فجهة الإدارة تتقيد عند ممارستها لوظيفة الضبط الإداري بمبدأ المشروعية ، ولا تمارس سلطتها إلا بالقدر الذي يسمح به هذا المبدأ .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
1 ـ د محمد عبد الحميد ابوزيد ، مبدأ المشروعية وضمان تطبيقه ، المرجع السابق ، ص16 .
2 ـ د محمد عبيد القحطانى ، الضبط الادارى في دولة الأمارات العربية المتحدة، المرجع السابق ، ص353 وما بعدها ــــ د عادل السعيد ، المرجع السابق ، ص441

الفرع الثالث
ضوابط تحديد الأداء الضبطي
يعتبر التوفيق بين الحريات العامة وحماية النظام العام ، مشكلة بالغة التعقيد ، وتحقيق التوازن والملاءمة بينهما أمراً بالغ الصعوبة ، الأمر الذي جعل الفكر الدستوري والقانوني ، يهتم بوضع ضوابط يجب أن تلتزم بها هيئات الضبط الإداري ، عند ممارستها لأوجه نشاطها وسنتناول هذه الضوابط في عدة نقاط على النحو التالي :ـ
أولاً ــ التزام الضبط الإداري بحدود أغراضه :
فيما سبق عرفنا أن أغراض الضبط الإداري ، هي المحافظة على النظام العام بمدلولاته الثلاثة ـــ الأمن العام ، الصحة العامة ، السكينة العامة ـــ وعلى هيئات الضبط الإداري عند ممارستها لسلطاتها أن تستهدف بإجراءات الضبط الإداري التي تتخذهــا تحقيق أحد هذه الأغراض فقط ، بحيث يعتبر تصرفها باطلاً ومشوباً بعيب الانحراف بالسلطة(1). إذا اتخذت الإجراءات لتحقيق أغراض أخرى ، حتى وإن كانت هذه الأغراض تهدف إلى تحقيق الصالح العام(2) .
وهيئات الضبط الإداري ، لا يجوز لها استعمال هذه السلطات لتحقيق أغراض أخرى غير النظام العام ، فإذا استعمل أحــد أشخاص هيئــات الضبط سلطاتــه بسوء نية لمجـرد الانتقـام أو
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
1 ـ يعتبر عيب الانحراف بالسلطة من العيوب التي تصيب ركن الغاية في القرار الإداري التي تصدره سلطات الضبط الإداري ، وبالتالي فهو يتعلق بالناحية النفسية والقصدية للجهة الإدارية مصدرة القرار ، وبالدوافع المستندة التي دعتها إلى إصداره ، فالقرار المعيب للانحراف بالسلطة هو قرار سليم بالنسبة لجميع أركانه الأخرى ، فيما عدا ركن الغاية ، ومن هنا كانت خطورة عيب الانحراف ، لأن سلطة الضبط الادارى في حماية من مبدأ المشروعية تحاول تحقيق أغراض غير مشروعة ، ولهذا فإن مهمة القاضي الإداري في مجال بحثه لهذا العيب تكون مهمته شاقة وحساسة ، لان رقابته لا تتمثل في مطابقة القرار الضبطي المطعون فيه للقواعد القانونية من حيث الاختصاص ، والشكل والمحل والسبب ، وإنما تتعدى ذلك إلى بحث وتقصى البواعث الخفية والدوافع النفسية التي حملت الإدارة في إصدارها للقرار الضبطي ، ففكرة الانحراف تتعلق برغبة نفسية مصدر العمل ، وهذه الرغبة ينبغي أن تكون متفقة مع الغرض الذي أراده القانون لهذا العمل ، لهذا فان دور القاضي الادارى في الكشف عن عيب الانحراف بالسلطة ، إنما ينطوي على كثير من الدقة والصعوبة ، إلى الحد الذي يجعل الانحراف أدق وأصعب العيوب إثباتا في القرار الإداري ، فالقاضي إذا كان يكفيه في صدد إثبات العيوب الأخرى ، أن يلقى بنظره على صلب القرار المطعون فيه ، فان ذلك غير متيسر بصدد الانحراف بالسلطة . انظر في ذلك ،
د محمد الوكيل ، المرجع السابق ، بالهامش ص391 .
2 ـ إن استهداف الضبط الإداري لأهداف أخرى غير أغراضه ، وإن كانت تهدف إلى مصلحة عامة يمكن تصوره في عدة حالات هي :
ـ استهداف الضبط الادارى حماية المال الخاص المملوك للإدارة .
ـ أو استهداف التدبير الضبطي رعاية المال العام .
ـ أو استهداف التدبير الضبطي أغراض مالية لتخفيف أعباء الإدارة المالية أو زيادة مواردها المالية ، وذلك عن طريق :
ا ـ إحلال الأسلوب الضبطي محل أساليب أخرى مشروعة ذات تكلفة عالية .
ب ـ أن يكون غرض هيئة الضبط من التدبير الضبطي تكليف الأفراد بأعباء مالية كان ينبغي أن تتحملها الإدارة .
ج ـ إذا كان الغرض من التدبير الضبطي هو الحد من الحريات لاتقاء أعمال أو نفقات كانت ستتحملها الدولة لو أطلقت للأفراد حق ممارسة حرياتهم ممارسة عادية .
د ـ قيام هيئات الضبط بإضافة شرط إلى شروط الترخيص يترتب عليه تحميل المرخص له مسؤولية كانت أصلا واقعة على الإدارة . = =

المحاباة فإنه يكون قد خرج عن حدود أغراض الضبط الإداري ، ويكون تصرفه مشوباً بعيب الانحراف في استعمال السلطة(1).
وقد جاء في حكم للمحكمة الإدارية العليا بأن ( المشرع قد حدد لسلطة الضبط الإداري الهدف الذي يجب أن تسعى إلي تحقيقه ، حتى يصبح تدخلها مشروعاً مادامت تهدف للحفاظ على النظام العام بعناصره المختلفة ، فإذا استهدفت الإدارة غير هذا الهدف حكم القضاء الإداري بالإلغاء ، لانحراف قرارها عن الهدف المخصص ، حتى ولو كان الهدف الذي تحقق لا يتنافى مع المصلحة العامة)(2). ومحكمة القضاء الإداري من جانبها حكمت في حكم لها (بإلغاء القرار الصادر من الإدارة برفض الترخيص بفتح دار للسينما رغم توافر شروط منح الترخيص ، حيث تبين للمحكمة ذلك لأن دار السينما قد ...أستوفت جميع الأشتراطات التي يتطلبها القانون ، ولم يكن ثمة باعث للقرار المطعون فيه سوى رغبة وزارة الأشغال شراء الأرض التي أقيمت عليها دار السينما خالية من البناء فتحصل عليها بثمن بخس)(3).
وقد يخصص المشرع غرضاً محدداً لسلطات الضبط الإداري ، كتخويلها بعض الاختصاصات لمواجهة الفيضانات ، أو إباحة استعمال السلاح لفض التجمهر والتظاهر ، إذا تعرض الأمن العام للخطر ، فهنا يجب أن تلتزم هيئات الضبط الإداري بهذا الغرض طبقاً لقاعدة تخصيص الأهداف(4). وهيئات الضبط غايتها تحقيق أهداف محددة ، وهى المحافظة على النظام العام بمدلولاته ، فلا يجوز استخدام سلطاتها لتحقيق أغراض أخرى ، سواء كانت هذه الأهداف خاصة أو عامة . وفي هذا قضت المحكمة الإدارية العليــــا ( بعدم شرعية قرار ضبط إداري بعدمــا تبين لهــا أن المكلفين بالحفاظ على الأمــن قد انحرفوا بالسلطة التي خولها لهم القانـون ابتغاء صيانـة الأمن ، واستغلوها ليشفوا أحقاداً شخصية)(5).
كما قضى مجلس الدولة الفرنسي بعدم مشروعية قـرار العمدة بمنع البيع في بلدته بسيارات
البضائع ، لأن هدفه كان حماية التجارة المحلية ، وليس تأمين حركة المرور أو حماية الصحة العامة(6).
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
= = وبذلك ذهب القضاء إلى إقرار عدم شرعية القرارات التي تصدر من هيئات الضبط ، ويكون هدفها تحقيق مصلحة عامة ، لا تدخل ضمن أغراض الضبط الإداري ، إلا في الظروف الاستثنائية ، حيث ذهب القضاء الفرنسي إلى إجازة الإدارة لحماية المتعاقدين معها خلال الظروف الاستثنائية .
انظر في ذلك ، ممدوح عبدالحميد عبد المطلب السيد ، المرجع السابق ، ص90 وما بعدها .
1 ـ د محمد شريف إسماعيل ،سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية ، المرجع السابق ، ص132 .
2 ـ طعن رقم 353/ 32ق ، بتاريخ 13 .1 .1990ف ، موسوعة أحكام المحكمة الإدارية العليا في واحد وستون عاما ، ج1 ، ص302 ، أشار إليه د طارق الجيار ، المرجع السابق ، ص127 وما بعدها .
3 ـ القضية رقم 243 /3ق ، بتاريخ 27 .12 .1949ف ،مجموعة مجلس الدولة لأحكام القضاء الإداري ، السنة الرابعة ، ص104 ، بند33 .
4 ـ د عبد الرؤوف بسيونى ، المرجع السابق ، ص181 وما بعدها .
5 ـ القضية رقم 1362 / 10 ق ، بتاريخ 26 .12 .1956ف، مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا ، السنة 12 ، ص282 ، ، أشار إليه ، د محمد الوكيل ، المرجع السابق ، ص394 .
6 ـ د عبد الرؤوف بسيونى ، المرجع السابق ، ص183 .
ثانياً ــ الرقابة على أسباب تدخل هيئات الضبط :
رقابة القضاء الإداري على أسباب قرارات الضبط الإداري تتسم بقدر من التشدد والتحفظ نظراً لتدخل قرارات الضبط في حريات الأفراد بالقيود والضوابط .
والقضاء الإداري يوجب أن يكون قرار الضبط الماس بالحرية أو المقيد لها ضرورياً ، وله أسباب جدية وواقعية تستلزم إصداره ، وعلى الإدارة إثبات جدية هذه الأسباب والظروف الداعية لإصدار القرار ، وهذا يعني أن تثبت الإدارة بأن هناك خطراً حقيقياً للإخلال بالنظام العام في أحد عناصره ، وأنـه لـم يكـن في وسعهــا اتخــاذ وسائل أخــرى عاديــة لمواجهة هذا
الخطر غير إجراءات الضبط المقيدة للحرية(1). وبالتالي فإن تدخل الإدارة لا يعتبر مشروعاً إلا إذا كانت ثمة أسباب جدية تهدد الأمن والنظام العام ، وأن يكون هناك رابطة موضوعية بين قرار الضبط الإداري والحالة الواقعية المكونة لركن السبب في إصدار هذا القرار(2).
وفى ذلك قضت المحكمة العليا في أحد أحكامها بأن ( ... رقابة القضاء الإداري لصحة الحالة الواقعية أو القانونية التي تكون ركن السبب في القرار الإداري تجد حدها الطبيعي في التحقق مما إذا كانت النتيجة التي انتهى إليها القرار في هذا الشأن مستخلصة استخلاصاً سائغاً من أصول ثابتة في الأوراق تنتجها مادياً أو قانونياً أم لا ، فإذا كانت منتزعة من غير أصول موجودة ، أو كانت مستخلصة من أصول لا تنتجها أو كان تكييف الوقائع على فرض وجودها مادياً لا يؤدي إلى النتيجة التي يتطلبها القانون ، كان القرار فاقداً لركن من أركانه وهو ركن السبب ووقع مخالفاً للقانون ، أما إذا كانت النتيجة مستخلصة استخلاصاً سائغاً من أصول تنتجها مادياً وقانوناً فإن القرار يكون قائماً على سببه ومطابقاً للقانون)(3).
كما قضت المحكمة الإدارية العليا بأن ( سلطة جهة الإدارة في تقييد حرية الأشخاص واعتقالهم مقصورة على من يكون منهم خطراً على الأمن والنظام العام ، فيجب أن تكون ثمة وقائع في حق الشخص منتجة الدلالة... يتحقق من خلالها قيام ركن السبب ، فإذا تبين له انتفاءه ، كان القرار مخالفاً للقانون)(4). ولكي يكون التدبير الضبطي صحيحاً ومشروعاً ،


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
1ـ د محمد رفعت عبد الوهاب ، مبادئ وأحكام القانون الإداري ، منشورات الحلبي الحقوقية ، ب ط ، بيروت ، 2005 ف ، ص254 .
2 ـ د عاشور شوايل ، المرجع السابق ، ص574 .
3 ـ طعن إداري رقم 95 / 48ق ، بتاريخ 13 .2 .2005ف ، مجموعة أحكام المحكمة العليا ، القضاء الإداري ، لسنة 2005ف ، ص133 .
4 ـ طعن رقم734 / 33ق بتاريخ 26 .11 .1983ف ، مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة الإدارية العليا : السنة التاسعة والعشرون ، العدد الأول ، ص111 ، بند17 .أشار إليه د طارق الجيار ، المرجع السابق ، ص100وما بعدها .

يشترط أن يكون مبنياً على سبب حقيقي يبرر اتخاذه ، والمقصود بالسبب الحقيقي هنا هــو وجـود حالـــة واقعية وحقيقية تهدد النظام العــام . كمـا يجب أن يكون السبب حقيقاً لا وهميــاً
أو صوريــاً ، مستخلصاً استخلاصاً سائغاً من أصول ثابتة منتجة واقعاً قانونياً (1).
ورقابة القضاء الإداري على أسباب القرار الإداري تعتبر من أهم الضمانات الأساسية لاحترام الإدارة لمبدأ المشروعية في قراراتها الإدارية ، ذلك لأن القرارات الصادرة من الإدارة يجب ألا تصدر عن الهوى والتحكم ، وإنما يجب أن تستند إلى أسباب صحيحة وواقعية تبرر اتخاذها(2).
وقد تولى القضاء الإشارة إلى هذه المعاني ، حيث قضت المحكمة الإدارية العليا في حكم لها بأن ( ... خضوع تلك الإجراءات لرقابة القضاء يظل الضمانة الشرعية لحماية الحقوق والحريات ، ويجعل تصرف الإدارة بمنأى عن الشكوك ، فإذا تبين جدية الأسباب التي تبرر هــذا التصرف ، كان القرار خالياً من أي طعن ، ولكن إذا اتضح أن الأسباب لم تكن جدية ولم يكن فيها من الأهمية الحقيقية ما يسوغ التدخل لتقييد الحريات ، كان القرار محلاً للإلغاء ، بل وللمضرور حق طلب التعويض إن كان لذلك سبيل)(3).
وبهذا قضى مجلس الدولة الفرنسي بعدم مشروعية قرار صادر من أحد العمد ، بمنع الاحتفالات الدينية خارج الكنيسة ، حتى ولو لم يخش منها تهديد الأمن العام ، كتشييع الجنازات ، أو الاحتفالات التي تتطلبها التقاليد المحلية(4).
ثالثا ــ الرقابة على وسائل الضبط الإداري :
لهيئات الضبط الإداري استخدام أيٍّ من الوسائل التي سبق دراستها ، على أن يتم ذلك وفق ضوابط حددها القضاء الإداري ، وذلك للتأكد مــن ملاءمة الوسيلــة المستخدمـــــة فـي تحقيق
أغراض الضبط الإداري التي تحرص الإدارة على تحقيقها ، وكذلك مدى صحة تقدير تناسب الإجراء مع الحالة ، ومن تهديدها للنظام العام . ويكون ذلك بمراعاة القيود الآتية(5):
1 ـ عدم جواز قيام هيئات الضبط بتعطيل ممارسة الحريات العامة تعطيلاً تاماً : حيث يقوم هذا المبدأ على أن سلطة الإدارة لا تملك إلغاء ممارسة الحرية ، إلا في حالة مـا إذا لــم تــوجد أيـــة
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
1 ـ ممدوح عبدا لحميد ، المرجع السابق ، ص93 .
2 ـ د خليفة على الجبرانى ، المرجع السابق ، ص364 .
3 ـ المحكمة الإدارية العليا طعن رقم 353 / 32 ق بتاريخ 13 .1 .1990 ف ،أشار إليه د طارق الجيار ، المرجع السابق ، ص204 .
4 ـ د محمد شريف إسماعيل ،سلطات الضبط الإدارى في الظروف الاستثنائية ، المرجع السابق ، ص135 .
5 ـ د مجدي أحمد فتح لله ،ص207 وما بعدها ــــ د عبد المنعم محفوظ ، المرجع السابق ، ص1001 وما بعدها ــــ ممدوح عبد الحميد السيد ، المرجع السابق ، ص94 وما بعدها ــ د محمد شريف إسماعيل ، سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية ، المرجع السابق ، ص137 وما بعدها ــ د خالد عبد العزيز عريم ، المرجع السابق ، ص377 .
وسيلة أخرى لضمان صيانة النظام العام أو إعادته إلى ما كان عليه ، ومن أمثلة ذلك أن تأمر هيئات الضبط الإداري بعدم سير سيارات الأجرة في طريق معين منعــاً مطلقــاً ، ولكــــن يجوز
لها ذلك إذا كان وقوف السيارات في شارع معين يؤدي إلى منع حــق من حقوق منافـــذ الطرق
أي إن المنع المطلق لممارسة حريات معينة لا يجوز إلا في حالة الإضرار بالحريات العامة الأخرى(1).
حيث قضى مجلس الدولة الفرنسي في حكم له بتاريخ 26 .6 . 1987ف بإلغاء الإجراء الذي اتخذته سلطة الضبط العام ، وأغلقت بمقتضاه مكاناً للرقص العام ، وذلك بحجة أن النظام العام قد تعرض للإخلال به من جراء ممارسة هذا النشاط . إلا أن المجلس لم يقر الإدارة على ذلك وألغى الإجراء الضبطي على أساس أن الحظر المطلق للحرية غير مشروع(2).
ومن هنا يمكن القول بأنه يجب على سلطة الإدارة أن تسمح بممارسة الحرية دون الإخلال بالنظام العام ، فهي تترخص إزاء الحرية وممارستها بسلطة تنظيمية أصلا ، لا سلطة منع أو تحريم.
2 ـ عند تفسير النصوص التشريعية المقيدة للحرية ، يجب المراعاة بأن الحرية هي الأصل والقيد هو الاستثناء : وعلى سلطات الضبط الإداري عند الشك تغليب الحرية دائماً ، وفى حالة قيام المشرع بتوسيع سلطات الضبط الإداري في موضوع معين ، فعلى سلطات الضبط أن تلتزم بالإطار الذي حدده المشرع ولا تخرج عنه ، حتى لا تهدد حريــــات الأفــراد التي نص عليهـــا
القانون(3). فالقضاء خول الإدارة المختصة سلطة تقديرية واسعة النطاق في مجال حمل السلاح وإحرازه ، فجعل من اختصاصها رفض الترخيص أو التجديد أو تقصير مدته ، أو قصره على نوع معين من الأسلحة ، كما خولها سلطة سحب الترخيص حسبما يتراءى لها من ظروف الحال وملابساته بما يكفل رقابة المجتمع وحماية الأمن(4).
كما اعترف مجلس الدولة الفرنسي لهيئات الضبط بسلطات واسعـــة إزاء حرية التجمهر والتظاهر ، حيث قضى بمشروعية القرار الذي اتخذه العمدة ، ومنع بمقتضاه المظاهرات ذات الطابع السياسي ، لأنها تمثل تهديداً للأمن العام ، وهذا يعني اتساع سلطة الإدارة في مواجهة هذه الحرية(5).
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ
1 ـ د مجدي فتح الله ، المرجع السابق ، ص207 ـــ أيضا ممدوح عبد الحميد ، المرجع السابق ، ص94 وما بعدها .
2 ـ د مجدي فتح الله ، المرجع السابق ، ص208 .
3 ـ د محمد شريف إسماعيل ، سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية ، المرجع السابق ، ص138 .
4 ـ المحكمة الإدارية العليا طعن رقم 4505/ 44ق بتاريخ 24 .2 .2001ف ، أشار إليه د طارق الجيار ، المرجع السابق ، ص105 .
5 ـ د مجدي فتح الله ، المرجع السابق ، ص209 .

وعلى العكس من ذلك نرى إن المشرع يميل إلى تشجيع ممارسة بعض الحريـات ، وهو ما يؤدي إلي تحديد وتضييق سلطة الإدارة في مواجهتها ، فقد قضى مجلس الدولة الفرنسي إلى عدم جواز الترخيص للإدارة بأن تعمد إلى اتخاذ إجراءات تحدد بموجبها فتح وإغلاق دور العبادات(1).
3ـ اختلاف سلطة الضبط باختلاف الحرية : فتكون سلطات الضبط واسعة إذا كان الإجراء الضبطي يمس أنشطة فردية غير حيوية ، وتكون سلطات الضبط ضيقة في حالــة مساسها بنشاط حيوي للإفراد(2).
فمجلس الدولة الفرنسي لــم يعترف بسلطات واسعة لهيئات الضبط إزاء ممارسة الشعائر الدينية ، بل كان يقف دائما إلى جانبها ، ولا يشجع تدخل سلطات الضبط فيها ، وذلك لان حرية
ممارسة الشعائر الدينية حرية عزيزة ، وأجدر بالرعاية والاحترام ، فقد قضى في أحد أحكامه بأنه لا يجوز للإدارة أن تعمد إلى اتخاذ إجراءات ضبطية تحدد بموجبها مواعيد معينة لفتح الكنائس وإغلاقها (3).
رابعاً ــ الرقابة على ملاءمة الوسيلة الضبطية :
أوجب القضاء الإداري على سلطات الضبط عند اتخاذها لتدابير الضبط ، بأن تكون هذه التدابير متلاءمة مع درجة جسامة الخطر ، الذي يهدد النظام العام ، فلا يكفى أن يكون الإجراء المتخذ جائزاً قانوناً ، أو أنه بني على أسباب صحيحة ، وإنما يجب بالإضافة إلى ذلك أن يكون متلائماً مع سبب التدخل ، أي مع جسامة الإخلال أو الاضطراب الذي تهدف الإدارة إلى تلافيه ، وعلـــة ذلك هي الرغبة في إحداث نوع من التوازن أو التعـــادل بين رعايــة الحريــات العامــة مـــــن جانب ، وحماية النظام العام من جانب آخر . وبناء على ذلك لا يجوز لهيئات الضبط أن تلجأ إلى وسائل قاسية وصارمة لمواجهة ظروف غير خطيرة(4).
والقاضي الإداري مهمته التأكد من صحة الوجود المادي للوقائع ، وصحة تكييفها القانوني دون التعرض لملاءمة القرار الإداري ، أي لتناسب القرار الإداري مع أهمية وخطورة الوقائع التي تدعيها الإدارة لقراراتها ، حيث يتعرض لفحص شرعية القرار الإداري فقط .
إلا إن مجلس الدولة الفرنسي ومجلس الدولة المصري ، تقديراً منهما لأهمية الحفاظ على الحقوق والحريات العامة التي قد تتعرض للتقييد بواسطة قـــرارات الضبط الإداري ، اتجهـــا
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــ
1 ـ د عبد المنعم محفوظ ، المرجع السابق ، ص1005 وما بعدها .
2 ـ د خالد عبد العزيز عريم ، المرجع السابق ، ص377 .
3 ـ د مجدي احمد فتح الله ، المرجع السابق ، ص210 .
4ـ ممدوح عبد الحميد ، المرجع السابق ، ص96 .
إلى فرض رقابتهما على ملاءمة تلك القرارات . وساندهم في ذلك أيضا غالبية الفقه ، فالقاضي
الادارى عندما يقوم بممارسة الرقابة على ملاءمة القــرار الضبطي لا يتحول إلى قاضي ملاءمة ، بل يظل قاضي مشروعية حيث تصبح الملاءمة شرطاً أو عنصراً من عناصر مشروعية القــرار الإداري الذي يمس الحريات العامة ، والإدارة عندما تواجـــــه إخلالاً بالنظام
العام ، فإن الإجراء الذي تتخذه لا يكون مشروعاً ، إلا إذا كان ضرورياً وملاءماً ، ففي هذه الحالــة على القاضي أن يتحقق من قيام هذه الضرورة وتلك الملاءمة ، وفقــاً لمبدأ المشروعية ، وهو ما يؤدي إلى خضوع هذه الإجراءات لرقابة قضائية كاملة تنصب على مشروعيتها وملاءمتها(1).
فالقاضي الإداري عندما يمد رقابتـه على عنصر الملاءمــة لا يعتبر ذلك أنــه أصبح قاضي ملاءمة ، بل لا يزال قاضي مشروعية لان ملاءمة القرار تكون شرطاً من شروط مشروعيته(2).
وأكدت المحكمة الإدارية العليا حقها في مراقبة أعمال الضبط الإداري سواء من حيث شرعيتها أو من حيث ملاءمتها للأسباب والوقائع فقالت( إذا ثبت أن القبض على المدعي كان تدبيراً من التدابير التي أتخذتها الإدارة لإعتبارات تتعلق بالأمن العام ، بناءً على حالة واقعية كانت قائمة ، هي السبب الذي دعا الإدارة إلى أتخاذ هذه التدابير ، فأفصحت عن إرادتها بالقبض عليه هو وغيره ، فأن هذا التصرف له كل مقومات القرار الإداري ، كتصرف إرادى متجه إلى إحداث أثر قانوني ، هو القبض على الأشخاص، بغاية من المصلحة العامة هي وقاية الأمن والنظام لسبب هو الحالة الواقعية التي كانت قائمة عندئد...) (3).
كما قضى مجلس الدولة الفرنسي بإلغاء قرار صادر من سلطات الضبط الإدارى يحظر بمقتضاه ممارسة الأنشطة الموسيقية والمنوعات المسرحية بالطريق العام ، واعتبر المجلس في حكمه أن القرار غير مشروع ، لعدم تناسبه مع ضرورات المحافظة على النظام العام(4).
والمشرع الليبي أيد في كل قوانين الشرطة المتعاقبة ( القانون رقم 18 لسنة 1964ف بشان قوة الأمن(5) ، القانون رقم 6 لسنة 1972ف بشان الشرطة(6) ، والقانون رقـــم 10 لسنة 1992ف بشان الأمــن والشرطة(7)) هذا المسلك ، فقد جـــاء في (م13) مـن قانــون الأمـــن
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ
1 ـ د محمد الوكيل ، المرجع السابق ، 415 وما بعدها .
2 ـ د عاشور شوايل ، المرجع السابق ، ص589 .
3 ـ قضية رقم 1517/2ق ،بتاريخ 13 .4 .1957ف ، مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا ، السنة الثانية ، ص886 ، بند93 .
4 ـ د عاشور شوايل ، المرجع السابق ، ص593 .
5 ـ الجريدة الرسمية ، عدد خاص ، السنة الثانية ، بتاريخ 11 .10 .1964ف ، ص3.
6 ـ الجريدة الرسمية ، العدد 16 ، السنة العاشرة ، بتاريخ 18 .4 .1972ف ، ص650 .
7 ـ الجريدة الرسمية ، العدد 28 ، السنة الثلاثون ، بتاريخ 3 .10 .1992ف ، ص1005 .
والشرطة الحالي ( لعضو هيئة الشرطة استعمال القوة دون استعمال السلاح ، وذلك بالقدر اللازم لأداء واجبه ، وبشرط أن تكون هي الوسيلة الوحيدة لذلك).
حيث أوجب المشرع على رجل الشرطة عدم اللجوء لاستعمال القـوة للمحافظة على النظام العام ، إلا إذا كانت هي الوسيلة الوحيدة لأداء واجبه ، على أن يكون استعمالها بالقــدر الــلازم
لأداء هذا الواجب . وهذه القيود تعتبر شروطاً لمشروعية تدخل هيئات الضبط الإداري ، يتعين أن يراعيها القضاء عند إعمال رقابته(1).
وكذلك الحال ، فالمشرع المصري أيضا نص في قوانين الشرطة المتعاقبة على أن يتم استخدام القوة من قبل سلطات الضبط الإداري ، بالقدر اللازم لأداء الواجب وعدم الإخلال بالنظام العام.
وبهذا انتهينا من دراسة المطلب الأول ، وننتقل لدراسة المطلب الثاني الذي خصصناه لحدود سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية .














ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ
1 ـ د سليمان محمد الطماوى ،المرجع السابق ، ص530 وما بعدها .



المطلب الثاني
حدود سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية
نتناول في هذا المطلب التشريعات الموسعة لسلطات الضبط الإداري في كل من فرنسا ومصر وليبيا ، وذلك في ثلاثة فروع كالآتي :
الفرع الأول
التشريعات الموسعة لسلطات الضبط الإداري في فرنسا
نتناول أولاً النصوص الدستورية ، ثم النصوص القانونية وذلك على النحو التالي :ـ
أولاً ــ النصوص الدستورية :
أجاز المشرع الفرنسي للسلطة التنفيذية عند قيام ظروف استثنائية ، أن تصدر لوائح الضرورة واتخاذ تدابير فورية لمواجهة هذه الظروف ، وهذا يعني أن المشرع قد اتخذ من هذه اللوائح أسلوباً لمعالجة الظروف الاستثنائية ، واصبغها قوة القانون ، وأشار إلى أن صلاحية إصدارها من اختصاص الرئيس(1).
وقد نصت (م16) من الدستور الفرنسي الحالي الصادر في 4 أكتوبر 1958ف على ( إذا أصبحت مؤسسات الجمهورية أو استقلال الوطن أو سلامة أراضيه أو تنفيذ تعهداته الدولية مهددة بخطر جسيم وحال ، ترتب عليه توقف السير المنتظم للسلطات العامة الدستورية ، فأنه في هذه الحالة يجوز لرئيس الجمهورية أن يتخذ الإجراءات السريعـة التي تتطلبها هذه الظروف ، وذلك بعد اخذ رأي كل من الوزير الأول ورؤساء الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ
والمجلس الدستوري ، ويوجه الرئيس بياناً إلي الشعب ، ويجتمع البرلمان بقوة القانون ، ولا
يجوز لرئيس الجمهورية أن يلجأ إلى حل الجمعية الوطنية خلال ممارسته لهذه السلطات الاستثنائية )(2).
ـ شروط تطبيق المادة 16 :
من خلال استعراض نص (م16)من الدستور الفرنسي ، نجد أنها حددت نوعين من الشروط يجب توافرهما ، قبل أن يقوم رئيس الدولــة بإعــلان تطبيقهـا ، والنوع الأول من هــذه الشروط يسمى بالشروط الموضوعية ، والثاني يسمى بالشروط الشكلية ، ونتنــــــــاول هذين النوعين كالآتي:
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
1 ـ د مجدى أحمد فتح الله ، المرجع السابق ، ص 216 وما بعدها .
2 ـ د محمد الوكيل ، المرجع السابق ، ص208 وما بعدها .

1 ـ الشروط الموضوعية(1).
ا ـ وجود خطر جسيم وحال يهدد مؤسسات الجمهورية أو استقلال الأمة ، أو سلامة أراضيها أو تعهداتها الخارجية ، أي وجود البلاد في ظروف استثنائية تهدد استقلالها وكيانها ، بحيث يكون هذا التهديد جسيماً وفورياً ، لا يمكن مواجهته بالوسائل العادية.
ب ـ عجز السلطات عن أداء وظائفها الأساسية ، كعدم تمكن البرلمان من الاجتماع ، أو أن تكون الحكومة مشتتة . وتجدر الإشارة إلي أنه يجب توافر الشرطين معاً ، لإمكانية تطبيق التنظيم الاستثنائي لنص (م16) من الدستور الفرنسي .
2 ـ الشروط الشكلية(2).
ا ـ استشارة بعض الشخصيات السياسية ، كرئيس الوزراء ، ورئيس الجمعية الوطنية ، ورئيس مجلس الشيوخ .
ب ـ أخذ رأي المجلس الدستوري ، حيث أوجب نص(م16) من الدستور الفرنسي على رئيس الجمهورية قبل اللجوء إلى تطبيقها ، أن يستشير بالإضافة إلى الشخصيات السياسية رأي المجلس الدستوري .
ج ـ توجيه بيان إلى الشعب ، لكي يطلعه على الظروف التي دعته إلى استخدام نص (م16) ، بغية كسب ثقة الرأي العام في القرار الذي أتخذه .
إن هذه الشروط تنم على احترام المشرع للحقوق والحريات العامة ، فإعطاء الإدارة حرية واسعة في تقييد الحريات العامة ، لا يعني عدم ممارستها مطلقاً أو إهدارها ، بل يجب أن تقوم السلطات الضبطية بواجباتها المتعلقة بالمحافظة على النظام العـــام ، واتخاذ الإجراءات الكفيلة
بذلك وفقاً لما نصت عليه القوانين المتعلقة بالظروف الاستثنائية ، وذلك كله تحت رقابة القضاء الإداري ، فالإجراءات الضبطية يجب أن تكون ضمن مبدأ المشروعية الذي يتسع أثناء تطبيق النصوص الدستورية والقانونية الخاصة بالظروف الاستثنائية .
ـ آثار تطبيق المادة 16 على الحريات العامة :
يترتب على تطبيق (م16) من الدستور الفرنسي آثار هامة تتعلق بالحريات العامة ، حيث يتمتع رئيس الجمهورية بسلطة تقديرية واسعة في إصدار القــــــرارات اللازمـــة لمواجهة الظروف التي دعت إلى تطبيق النص ، وهـــــــــذه القرارات تشكل خطورة كبيرة على حقوق وحريــات الأفراد ، فالرئيس عند تطبيقه هذا النص يتمتع بسلطات قــد تكـــون مطلقة ، فله
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 ـ د على الخطار ، إجراءات الضبط الإداري التي تستهدف المحافظة على الأمن العام في الظروف الاستثنائية ، مجلة العلوم الإدارية ، السنة37 العدد الأول ، يونيه 1995ف ، ص96 وما بعدها .
2 ـ د محمد شريف إسماعيل ، الوظيفة الإدارية للشرطة ، المرجع السابق ، ص156 .
الحلول محل السلطات العامة واتخاذ كل الإجراءات الكفيلة بالمحافظة على النظام العام(1) ، كما إن للرئيس أن يجمع في سلطتــه جميع الاختصاصــات التشريعية والتنفيذية لاتخاذ تلك الإجراءات ، وبالقدر الذي يراه مناسباً لذلك دون تدخل من جهة أخرى ، وقد أورد الفقه آثار تطبيق(م16) على النحو التالي(2):
1 ـ توسيع السلطات التنفيذية التي يتمتع بها رئيس الجمهورية ، حيث أنه يباشر السلطة التنفيذية منفرداً ، أي أنه يباشر اختصاص رئيس الوزراء والوزراء ، وبذلك يصبح صاحب الولاية الكاملة بالنسبة للسلطة التنفيذية .
2 ـ تعطيل العمل ببعض النصوص الدستورية ، حيث أجمع الفقه الفرنسي على أنه يحق لرئيس الجمهورية أن يوقف العمل ببعض مواد الدستور أثناء تطبيقه (م16) ،إذا كان في استمرار العمل بها تعارضٌ مع الإجراءات المتخذة لمعالجة الظروف العصيبة التي تمر بها الدولة ، إلا أنه لا يستطيع أن يعدل أي نص من نصوصه .
3 ـ اتساع سلطات الضبط الإداري الممنوحة لرئيس الجمهورية ، حيث يتمتع بسلطات تكاد تكون مطلقة ، ويتخذ جميع الإجراءات التي يرى أنها ضرورية للمحافظة على النظام العام وإعادة سير المرافق العامة ، وقد وصف جانب من الفقه هذه السلطات الاستثنائية بأنها خطيرة وأشبه ما تكون بالدكتاتورية المؤقتة .
وقد طبقت (م16) من الدستور الفرنسي عملياً ، خلال الأحداث التي تعرضت لها فرنسا ، بسبب محاولة الانقلاب العسكري التي وقعت في أبريل 1961ف ، حيث أصدر الرئيس عدة قرارات إدارية أثناء تطبيق (م16) لمواجهة هذه الأحداث(3).
ثانياً ــ النصوص القانونية:
لم يقتصر التوسع في سلطات الضبط الإداري بموجب النصوص الدستورية فقط ، وإنما شمل أيضا القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية ، ونتناولها كالآتي :
1ـ قانون الأحكام العرفية الفرنسي(4) :
صدر قانون الأحكام العرفية الفرنسي في 9 أغسطس 1849ف ، وقـد عـــدل بموجب
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 ـ د عبد العليم مشرف ، المرجع السابق ، ص359 .
2 ـ د محمد الوكيل ، المرجع السابق ، ص312 ــــــ د مجدي احمد فتح الله ، المرجع السابق ، ص221 وما بعدها .
3ـ د محمد الوكيل ، المرجع السابق ، ص316 .
4 ـ إن أنظمة الأحكام العرفية يوجد منها نوعين ، حسب رأى الفقه الغالب ، الأول هي الأحكام العرفية العسكرية ، وهى التي تعلن في المناطق التي تكون مسرحا للعمليات العسكرية ، والثاني هو الأحكام العرفية السياسية وهى التي تعلن بواسطة السلطة التنفيذية ، في كل البلاد أو في جزء منها ويهدف إلى تقوية السلطة التنفيذية عن طريق منحها بعض اختصاصات السلطات الأخرى بما يضمن لها مواجهة الظروف الاستثنائية لأجل المحافظة على النظام العام : راجع ، ممدوح عبدالحميد عبد المطلب ، المرجع السابق ، ص152 وما بعدها (الهامش) ـ وللمزيد حول نوعى الأحكام العرفية راجع كلا من : د محمد الوكيل ، المرجع السابق ، ص138 وما بعدها ــــ د عبد الرؤوف بسيونى ، المرجع السابق ، ص 229 .
القانون الصادر فى3 ابريل 1878ف ، والقانون الصادر في 27 ابريل 1916ف ، ثم بالقانون الصادر في 1944ف(1).
ويتم اللجوء إلى إعلان الأحكام العرفية في حالة وجود خطر عاجل ناشئ عن وقوع حرب خارجية أو ثورة مسلحة ، حيث نصت (م1) من قانون الأحكـــام العرفية الفرنسي على ( تعلن الأحكام العرفية في حالة الخطر العاجل الناشئ عن حرب خارجية أو ثورة مسلحة ) .
وإعلان حالة الأحكام العرفية من اختصاص رئيس الجمهورية ، طبقـــا لنص (م36) من الدستور الفرنسي لسنة 1958ف ، وذلك في جميع الأحوال ، على أن يتم الإعلان بمرسوم يصدر من مجلس الوزراء ، ولا يجوز أن يستمر العمل بالإحكام العرفية أكثر من اثني عشر يوما إلا بعد موافقة البرلمان ، وينتهي العمل بها بانتهاء المدة المحددة في المرسوم الصادرة به ، ومن الجهة التي أصدرتها (2).
ويترتب على إعلان الأحكام العرفية النتائج التالية(3):
ا ـ إحلال السلطة العسكرية محل السلطة المدنية في ممارسة اختصاصات الضبط الإداري.
ب ـ للسلطة العسكرية ممارسة سلطات ضبط إداري استثنائية تتمثل في :
ـ حق السلطة العسكرية في تفتيش مساكن المواطنين ليلاً ونهاراً .
ـ للسلطة العسكرية أن تأمر بسحب الأسلحة والذخيرة .
ـ لها حق إبعاد ذوى السوابق ، والذين ليس لهم محل إقامة في المناطق المعلنة فيها الأحكـــام
العرفية .
ـ تحريم المطبوعات والاجتماعات التي من شأنها أن تثير الفتن أو تؤدي إلى إشاعة الفوضى
في البلاد .
ج ـ تختص المحاكم العسكرية في نظر الجرائم التي ترتكب من قبل المدنيين، والتي تمس الأمن
والنظام العام في الدولة .




ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
1 ـ د مجدي احمد فتح الله ، المرجع السابق ، ص 238 .
2 ـ د محمد الوكيل ، المرجع السابق ، ص 393 .
3 ـ د عبد الرؤوف بسيونى ، المرجع السابق ، ص232 ـــــ د محمد الوكيل ، المرجع السابق ، ص395 ــــــ د مجدي فتح الله ، المرجع السابق ، ص240 .

2 ـ قانون حالة الطوارئ الفرنسي :
قانــون الطـــوارئ الفرنسي صدر في 3 أبـريل 1955ف ، وعـــدل هـــذا القــانــون فـي 17 مايو1958ف ، ثم عدل مرة أخرى بتاريخ 15 أبريل 1960ف .
وقد بينت (م1) من القانون الحالات التي تبرر إعلان حالة الطوارئ ، حيث نصت على ( تعلن حالة الطوارئ في كل الأراضي الفرنسية أو في جزء منها ، وفى الجزائر أو في أقاليم ما وراء البحار متى وجد خطر عاجل نتج عنه تعرض النظام العام لاعتداءات جسيمة ، أو متى وجدت وقائع لها بحكم طبيعتها وخطورتها صفة الكوارث الطبيعية) و(م2) حددت أداة إعلان حالة الطوارئ ، حيث تعلن عن طريق مرسوم يصدر من مجلس الوزراء ، ولا يجوز أن يمتد العمل بها أكثر من اثني عشر يوماً ، إلا بعد الحصول على موافقة البرلمان في حالة انعقاده (1).
وقانون الطوارئ يقرر عدة تدابير استثنائية ، وذلك وفق الآتي(2):
ـ حظر إقامة الأفراد في بعض المناطق ، وتحديد التجول أو حظره ، كما يمكن لسلطات الضبط القبض على الأشخاص والاستيلاء على الأموال، وفرض الرقابة على الصحف وعلى العروض المسرحية والسينمائية .
ـ مطالبة الأفراد بتسليم ما لديهم من أسلحة وذخيرة .
ـ للحكومة في حالة الطوارئ أن تعهد إلى المحاكم العسكرية نظر الجرائم التي تختص بنظرها المحاكم الجنائية .
وينتهي العمل بالتدابير الاستثنائية التي يرخص قانون حالة الطوارئ في اتخاذها بمجرد انتهاء فترة سريان هذه الحالة .










ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
1 ـ د عبد الرؤوف بسيونى ، المرجع السابق ، ص 233 .
2 ـ د محمد شريف إسماعيل ، الوظيفة الإدارية للشرطة ، المرجع السابق ، ص159 ـــــ د مجدي فتح الله ، المرجع السابق ، ص241 .



الفــــرع الثـــــاني
التشريعات الموسعة لسلطات الضبط الإداري في مصر
نتناول أولاً النصوص الدستورية ، ثم نصوص القوانين وذلك على النحو التالي :ـ
أولاً ــ النصوص الدستورية :
أجاز الدستور المصري لرئيس السلطة التنفيذية ، في حالة الظروف الاستثنائية ، اتخاذ إجراءات سريعة بممارسة الوظيفة التشريعية بدلاً من البرلمان ، حيث نصت (م74) من الدستور المصري على ( لرئيس الجمهورية إذا قام خطر يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستوري أن يتخذ الإجراءات السريعة لمواجهة هذا الخطر، ويوجه بيانا إلى الشعب ، ويجرى الاستفتاء على ما اتخذه من إجراءات خلال ستين يوما من اتخاذها)(1). واستخدام (م74) من قبل رئيس الجمهورية يتطلب توافر شروط موضوعية وشكلية ، هي على النحو التالي :
1 ـ الشروط الموضوعية وتتمثل في(2):
ا ـ قيام خطر جسيم وحال . يهدد وحدة الوطن وسلامته وإعاقة مؤسساته عن أداء دورها ، غير أن المشرع هنا لم يحدد نوع الخطر ودرجة جسامته ، الأمر الذي يعطي للرئيس سلطة تحكمية يستخدمها كلما أراد ذلك . ويرى جانب من الفقه أن استخدام الرئيس (م74) لا يجوز إلا إذا تجاوزت الأخطار التي تتعرض لها الدولة حداً من الجسامة يصعب مواجهته من خلال تطبيق قانون الطوارئ .
ب ـ تهديد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو إعاقة مؤسسات الدولة عـن أداء دورها الدستوري . حيث إن هذا الشرط تعرض لعدد ثلاث حالات ذكرها على سبيل الحصر ، وبالتالي لا يمكن القياس عليها أو الإضافة إليها .
2 ـ الشروط الشكلية (3):
ا ـ توجيه بيان إلى الشعب . يوضح فيه الظرف الاستثنائي الطارئ ، وما يترتب عليه من مخاطر ، والإجراءات المتخذة لمواجهته ، وكذلك الأسباب التي أدت إلى استخدام سلطاته الاستثنائية المخولة له بموجب نص (م74) من الدستور، وهذا الأمر يؤدي إلى كسب ثقــــــة
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
1 ـ النشرة التشريعية لسنة 1971ف ، العدد التاسع ، المرجع السابق ، ص3074 .
* وقد تم تعديل المادة 74 من الدستور المصري سنة 2007ف ، بحيث ألزمت رئيس الجمهورية ضرورة أخذ رأي رئيس مجلس الشعب والشورى ، وكذلك الوزراء قبل اللجوء إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة اى خطر يهدد المجتمع وفقا لهذه المادة . أشار إلى ذلك د محمد صلاح عبد البديع ، المرجع السابق ، ص79 .
2 ـ د مجدي فتح الله ، المرجع السابق ، ص231 وما بعدها .
3 ـ د عبد العليم مشرف ، المرجع السابق ، ص268 وما بعدها ــــ د محمد شريف إسماعيل ،سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية ، المرجع السابق ، ص160 .
الرأي العام فيما اتخذه من إجراء .
ب ـ إجراء استفتاء من الشعب على الإجراءات المتخذة خلال ستين يوما .
ألزمت (م74) رئيس الجمهورية بإجراء استفتاء شعبي على الإجراءات التي اتخذها ، وذلك خلال ستين يوماً من اتخاذها ، لتأكيد شرعية هذه الإجراءات ، فإذا وافق الشعب عليها أصبحت إجراءات شرعية وتأخذ حكم القوانين ، وإذا لم يوافق عليها فإنها تكون باطلة للمستقبل دون الماضي . وقــد طبقت (م74) تطبيقاً عملياً مرتين ، الأولى كانت سنة 1977 ف ، بعد أحداث 18 ، 19 يناير والتي واجهت فيها مصر اضطرابات داخلية بكامل إقليم الدولة تقريباً حيث أصدر رئيس الجمهورية القرار بقانون رقم 2 لسنة 1977 ف بتاريخ 3 فبراير 1977ف الذي تدخل فيه بالمجال التشريعي ، وأصدر عدة قوانين التي تجرم الأفعال ، وتضع لها العقوبات . والثانية في سنة 1981ف وكانت بقرار 2 سبتمبر 1981ف ، التي ترتب عليها صدور العديد من القرارات المتعلقة بمجال الضبط الإداري ، وبخاصة الاعتقال ونقل بعض الموظفين ، وحل بعض الجمعيات ، وإلغاء تراخيص بعض الصحف والمجلات(1).
ويترتب على تطبيق (م74) عدة آثار ، فهي تعطي للرئيس سلطات واسعة ، لمواجهة الظروف الاستثنائية ، فله التدخل في المجال التشريعي وإصدار قرارات لها قوة القانون ، أو وقف العمل ببعض نصوص الدستور، ولكنه لا يستطيع تعديله ، وبهذا يجمع الرئيس بين يديه كافة السلطات التشريعية والتنفيذية ، الأمر الذي يرتب اعتداء على الحريات العامة سواء المنصوص عليها دستورياً ، أو تلك التي أوجب المشرع صدور قوانين خاصة لتنظيمها.وكذلك يترتب على تطبيق (م74)اتساع نطاق سلطات الضبط بصورة خطيرة ، حيث تستطيع هذه السلطات أن تتخذ من الإجراءات الاستثنائية ما تقيد بها ممارسة الأفراد لحرياتهم العامة تقييداً شديداً ، كما تستطيع هذه السلطات أن توقف بعض الضمانات المنصوص عليها في الدستور والقانون لكفالة ممارسة هذه الحريات(2).
كما تضمن الدستور المصري نصاً آخر في (م147) التي تخول رئيس الجمهورية سلطة إصدار لوائح الضرورة ، حيث نصت على (إذا حدث في غيبة مجلس الشعب ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير جاز لرئيس الجمهورية أن يصدر في شأنها قرارات تكون لها قوة القانون ويجب عرض هذه القرارات على مجلس الشعب خلال خمسة عشرة يوما مـــن تاريخ صدورها إذا كان المجلس قائماً ، وتعرض في أول اجتماع لـه في حالة الحل أو توقف جلساته ، فإذا لم تعرض زال بأثر رجعي ما كـان لها من قوة القانون دون حاجــــة إلى إصدار
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
1 ـ د صبري محمد السنوسي ، الوجيز في القانون الدستوري ، دار النهضة العربية ،ب ط ، القاهرة ، 1997ف، ص125 .
2 ـ د عبد العليم مشرف ، المرجع السابق ، ص273 ـــ د محمود عاطف البنا ، الوسيط في القضاء الإداري ، المرجع السابق ، ص62 .
قرار بذلك ، وإذا عرضت ولم يقرها المجلس زال بأثر رجعى ما كان لها من قوة القانون ، إلا إذا رأى المجلس اعتماد نفاذها في الفترة السابقة أو تسوية ما ترتب على آثارها بوجه آخر)(1)
ويشترط لتطبيق نص هذه المادة أن تكون هناك ضرورة ، أي أمور عاجلة تقتضى الإسراع في إصدار مثل هذا القرار . وأن يكون مجلس الشعب في عطلة أو في فترة الحل ، وأن تعرض هذه القرارات على مجلس الشعب فوراً خلال خمسة عشرة يوماً من تاريخ صدورها إذا كان المجلس قائماً ، وفى أول اجتماع له في حالة الحل ، فإذا لم تعرض أو عرضت ولم يقرها ، زال ما لها من قوة القانون(2). وقــد أكدت المحكمة الدستورية العليا ذلك في حكم لهــا ، بقولهــا إن ( الدستور وإن جعل لرئيس الجمهورية اختصاصه في إصدار قرارات تكون لها قوة القانون في غيبة مجلس الشعب ، إلا أنه رسم لهذا الاختصاص الاستثنائي حدوداً ضيقة تفرضها طبيعته الاستثنائية ، منها ما يتعلق بشروط ممارسته ، ومنها ما يتعلق بما قد يصدر من قرارات استناداً إليه ، فأوجب لإعمال سلطة التشريع الاستثنائية أن يكون مجلس الشعب غائباً ، وأن تطرأ خلال هذه الغيبة ظروف تتوافر بها حالة الضرورة التي تسوغ لرئيس الجمهورية سرعة مواجهتها بتدابير لا تحتمل التأخير إلى حين انعقاد مجلس الشعب ، باعتبار أن تلك الظروف هي مناط هذه السلطة وعلة تقريرها)(3)
وبأجراء مقارنة بين (م74) و(م147) من الدستور المصري نلاحظ الآتي (4):
ـ طبقا (م74) يستطيع الرئيس أن يمارس سلطاته الاستثنائية في أي وقت يرى فيه وجود خطر يهدد الوحدة الوطنية ، أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولـــة عـــن القيام بعملها فـي
وجود مجلس الشعب أو في غيابه ، أما (م147) فإن لرئيس الجمهورية حق ممارسة إصدار لوائح الضرورة في فترة غياب مجلس الشعب فقط.
ـ طبقا (م74) يستطيع الرئيس إيقاف العمل ببعض نصوص الدستور عند الضرورة ، لمواجهة الخطر القائم ، بينما لا يستطيع ذلك عند تطبيق (م147) .
ـ لم تشترط (م74)عرض ما يصدره الرئيس من لوائح على مجلس الشعب ، واكتفت باستفتاء الشعب عليها ، بينما (م147) اشترطت عرض لوائح الضرورة على مجلس الشعب خلال خمسة عشرة يوما من تاريخ صدورها ، إذا كان المجلس قائماً أو تعرض في أول اجتماع له في حالة الحل أو وقف جلساته.
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــ
1 ـ النشرة التشريعية لسنة 1971ف ، المرجع السابق ، ص3092 .
2 ـ د حسين عثمان محمد عثمان ، القانون الدستوري ، دار المطبوعات الجامعية ، ب ط ، الإسكندرية ، 2002 ف ، ص402 وما بعدها
3 ـ قضية رقم 15 لسنة 18 دستورية ، مجموعة الأحكام التي أصدرتها المحكمة الدستورية من 1998 إلى 2000 ف ، ص122 . أشار إليه د محمد بكر حسين ، المرجع السابق ، ص171 .
4 ـ د عبد الرؤوف بسيونى ، المرجع السابق ، ص244 وما بعدها .
ـ يمارس الرئيس سلطاته بموجب (م74) باعتباره مشرعاً ، بينما لا يكون له ذلك بموجب (م147) .
ثــانياً ـ القــــــــوانين :
تعددت في مصر القوانين المعالجة للظروف الاستثنائية ، فقــد أصدر المشرع عــــدة تشريعــات ،منها قانون التعبئة العامة ، وقانون الطوارئ ، ونتناولها كالآتي :ـ
1 ـ قانون التعبئة العامة :
نظم قانون التعبئة العامة المصري القانون رقم 87 لسنة 1960ف، وعدل بالقانون رقم 54 لسنة 1961ف ، ثم عـدل بالقانون رقــم 131لسنة 1962ف ، والقانون رقـــم 96 لسنة 1963ف والقانون رقم 35 لسنة1968ف ، والقانون رقم 18 لسنة 1972ف(1).
و يمنح هذا القانون رئيس الجمهورية الحق في إعلان التعبئة العامة ، في حالة توتر العلاقــــات الدولية أو قيـــام خطر الحــرب أو نشوبها ، وكذلك إنهائهـا عنــد زوال الحالـــة التي أوجبت إعلانها. وقد نصت (م1) من القانون على ( تعلن التعبئة العامة بقرار من رئيس الجمهورية في حالة توتر العلاقات الدولية ، أو قيام خطر الحرب أو نشوب الحرب ويعلن رئيس الجمهورية انتهاء التعبئة بقرار منه عند زوال الحالة التي أوجبت إعلانها ، ويجوز في غير هذه الأحوال اتخاذ بعض التدابير اللازمة للمجهود الحربي)(2).
ويترتب على إعلان التعبئة العامة عدة نتائج منها (3):
ا ـ الانتقال بالقوات المسلحة من حالة السلم إلى حالة الحرب(4).
ب ـ إلـزام عمال المرافق العامة التي يصدر بتعيينها قـرار من مجلس الدفاع الـوطني ، بالاستمرار في أداء أعمالهم تحت إشراف الجهة الإدارية .
ج ـ إخضاع المصانع والورش والمعامل التي تعين بقرار من الجهة الإدارية المختصة ، للسلطة
التي تحددها وذلك بتشغيلها وإدارتها وإنتاجها .
د ـ تنفيذ الخطط التي أعدتها الجهات الفنية الخاصة بالتعبئة في وقت السلم.
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 ـ د مجدي احمد فتح الله ، المرجع السابق ، ص242 .
2 ـ د محمد حلمي ، المرجع السابق ، ص34 وما بعدها ــــــ د عبد الرؤوف بسيونى ، المرجع السابق ، ص248 .
3 ـ د محمد عبيد القحطانى ، الضبط الإدارى سلطاته وحدوده ، المرجع السابق ، ص525 ـــ د عبد الرؤوف بسيونى ، المرجع السابق ، 249 وما بعدها ــــ د محمد حلمي ، المرجع السابق ، ص35 .
4 ـ يتضمن الانتقال بالقوات المسلحة من حالة السلم إلى حالة الحرب الأتي : ا ـ استدعاء الضباط الاحتياط ب ـ استدعاء الضباط المتقاعدين واللائقين طبيا للخدمة العسكرية ج ـ وقف تسريح قوات الاحتياط د ـ استدعاء الاحتياط ه ـ استدعاء جيش التحرير الوطني
ـ د محمد حلمي ، المرجع السابق ، ص35 .

ه ـ فرض رقابة عسكرية لتامين سلامة القوات المسلحة ، وتعيين حدود هذه الرقابــــة ووسائل تنفيذها بقرار من مجلس الدفاع الوطني .
2 ـ قــــانون الطوارئ المصري :
ينظم حالة الطوارئ في مصر القانون رقم 162 لسنة 1958ف ، والمعدل بالقانون رقم 60 لسنة 1968ف ، ثم القانون رقم 37 لسنة 1972ف ، والقانون رقم 164 لسنة 1981ف ، والقانون رقم 50 لسنة 1982ف. وقد نصت (م1) من القانون على ( يجوز إعلان حالة الطوارئ كلما تعرض الأمن أو النظام العام في أراضي الجمهورية أو في منطقة منها للخطر سواء أكان ذلك بسبب وقوع حرب أو قيام حالة تهدد بوقوعها، أو حدوث اضطرابات في الداخل ، أو كوارث عامة أو انتشار وباء)(1).
كما نص الدستور المصري الحالي في (م148) منه على ( يعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ على الوجه المبين بالقانون ، ويجب عرض هذا الإعلان على مجلس الشعب خلال الخمسة العشر يوما التالية ليقرر ما يراه بشأنه ، وإذا كان مجلس الشعب منحلاً يعرض الأمر على المجلس الجديد في أول اجتماع له . وفى جميع الأحوال يكون إعلان حالة الطوارئ لمدة محددة ، ولا يجوز مدها إلا بموافقة مجلس الشعب)(2).
وأكدت المحكمة الإدارية العليا ذلك حيث قضت بأن ( نظام الطوارئ في مصر هو نظام أرسى الدستور أساسه ، ووضع القانون قواعده ، ويخضع بطبيعته لمبدأ سيادة القانون ورقابة القضاء ، وهو كأصل عام ليس نظاماً طبيعياً وإنما هو نظام استثنائي ، لا يسوغ القياس عليه ولا التوسع في تفسيره ، بل يتعين التقيد بما ورد في شأنه من نصوص صريحة على سبيل الحصر ، التزاماً بقاعدة التفسير الضيق للاستثناءات)(3).
ومن خلال ما تقدم يمكن تحديد أسباب إعلان حالة الطوارئ ، الواردة في (م1) من القانون المشار إليه ، وهي تتمثل في وقوع حرب أو وجود ظروف تهدد بقيامها ، أو حدوث اضطرابات داخلية ، أو وقوع كوارث طبيعية كالزلال والأعاصير والفيضانات وغيرها ، أو انتشار بعض الأوبئة الخطيرة التي تمس الصحة العامة للمجتمع . وهذه الشروط أوردها المشرع على سبيل الحصر ، وبذلك لا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها ، كما إن المشرع جعل إعلان حالة الطوارئ من اختصاص رئيس الجمهوريــة بقـــرار منه ، ولــه أن ينيب مــن يقـــــوم مقامـــــه
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 ـ د صبري محمد السنوسي ، المرجع السابق ، ص209 ـــ د فؤاد العطار ، المرجع السابق ، ص352ــــ د عبد الرؤوف بسيونى ، المرجع السابق ، ص 255 .
2 ـ النشرة التشريعية لسنة 1971ف ، المرجع السابق ، ص3092 .
3 ـ قضية رقم 1260، 1320/38ق ، موسوعة المحكمة الإدارية العليا منذ 1966 ، 1985ف . أشار إليه محمد بكر حسين ، المرجع السابق ، ص174
وإعلانهـــا جوازي ، ولكن عند إعلانهــا يجب التقييد بالآتي(1):
ا ـ يعرض إعلان حالة الطوارئ على مجلس الشعب خلال الخمسة عشر يوماً التالية له ، ليقرر المجلس ما يراه في شأنه ، فإذا كان المجلس منحلاً ، عرض الأمر على المجلس الجديد في أول اجتماع له ، وإذا لم يعرض القرار على مجلس الشعب في الميعاد المقرر ، أو عرض عليه ولم يقره ، اعتبرت حالة الطوارئ منتهية .
ب ـ يكون إعلان حالة الطوارئ لمدة محدودة ، ولا يجوز تمديدها إلا بموافقة مجلس الشعب ، وتعتبر حالة الطوارئ منتهية من تلقاء نفسها إذا لم تتم هذه الموافقة قبل نهاية المدة الأصلية .
ج ـ يتعين أن يتضمن إعلان حالة الطوارئ ، بيان الحالة التي أعلنت بسببها ، تحديد المنطقة التي تشملها ، تاريخ بدء سريانها ومدة سريانها .
ورئيس الجمهورية هو الذي يقرر إنهـــاء حالة الطوارئ . ولــم يقرر القــانون إجراءات خاصة لــذلك مثلما فعل بالنسبة للإعلان ، لأن الخطورة كلها تكمن بطبيعة الحـــــال في الإعــلان وليس الإنهاء(2).
أما بالنسبة للتدابير المتخذة في حالة الطوارئ ، فقد وسع القانون من سلطات رئيس الجمهورية ، وأتاح له اتخاذ كافة التدابير اللازمة للمحافظة على الأمن والنظام العام ، وبالتالي تقييد الحريات العامة ، حيث رخصت (م3) من القانون أن يتخذ عدة تدابير وعلى وجه الخصوص ما يلي(3):
1 ـ وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والإقامة والمرور في أماكن أو أوقات معينة ، والقبض على المشتبه فيهم ، أو الخطرين على الأمن والنظام العام ، واعتقالهم والترخيص بتفتيش الأشخاص والأماكن ، دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية ، وكذلك تكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال .
2 ـ الأمر بمراقبة الرسائل أياً كان نوعها ، ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم ، وكافة وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وتعطيلها وإغلاق أماكن طبعها .
3 ـ تحديد مواعيد فتح المحال العامة وإغلاقها ، وكذلك الأمر بإغلاق هذه المحال أو بعضها .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــ
1 ـ د محمد فؤاد عبد الباسط ، المرجع السابق ، ص165 (الهامش) .
2 ـ نفس المرجع السابق ، ونفس الصفحة .
3 ـ منيب ربيع ، المرجع السابق ، ص 255 (الهامش) ـــ د محمد عبيد القحطانى ، الضبط الإداري سلطاته وحدوده ، المرجع السابق ، ص522 ــــ د محمود عاطف البنا ، الوسيط في القانون الإداري ، المرجع السابق ، ص 453 وما بعدها ـــ د محمد عبد الحميد أبوزيد ، سلطة الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية ، مجلة الأمن العام ، العدد62 ، السنة الخامسة عشرة ، يوليو 1973ف ، ص48 .

4 ـ تكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال والاستيلاء على أي منقول أو عقار ، ويتبع في ذلك الأحكام المنصوص عليها في قانون التعبئة العامة فيما يتعلق بالتظلم وتقدير التعويض.
5 ـ سحب التراخيص بالأسلحة أو الذخائر أو المواد القابلة للانفجار أو المفرقعات على اختلاف أنواعها ، والأمر بتسليمها وضبطها وإغلاق مخازن الأسلحة .
ولذا فإن الأوامر التي يصدرها رئيس الجمهورية بمباشرة السلطات الاستثنائية ، والمخولة له بموجب قانون الطوارئ ، تصادر الحريات العامة للإفراد ، وتهدر الضمانات القانونية المقررة لهــا ، فالنصوص الـواردة فيـه تعطي لرئيس الجمهوريـة سلطــات واسعـة وخطيرة ، يستطيع بموجبها وضع القيود على بعض الحقوق والحريات التي كفلها الدستور، دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية ، كما إن هذه السلطات قد تسمح لرئيس الجمهورية بإساءة استعمال سلطاته . كذلك قرر القانون انتقال السلطة من يد الهيئات المدنية إلى الهيئات العسكرية بمجرد إعلان حالة الطوارئ (م4) بحيث تتولى قوات الأمن أو القوات المسلحة تنفيذ الأوامر الصادرة من رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه ، كما إن قانون الطوارئ يتغول فيما يمنحه من سلطات للسلطة التنفيذية على ولاية السلطة القضائية ، والضمانات المقررة للأفراد أمامها ، حيث تفصل محاكم أمن الدولة الجزئية والعليا دون المحاكم الجنائية العادية في الجرائم التي تقع بالمخالفة للأوامر التي يصدرها رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه (م7). كما يجوز لرئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه أن يحيل إلى محاكم أمن الدولة الجرائم التي يعاقب عليها القانون العام (م9) . وفى كـل الأحوال لا يجوز الطعن بأي وجـه من الوجوه في الأحكام الصادرة من محاكم أمن الدولة التي لا تكون نهائية إلا بعد التصديق عليها من رئيس الجمهورية (م12) (1) ويعتبر هذا الأمر خطيراً جداً لتعلقه بإسقاط حق الأفراد في التقاضي ، الذي نصت عليه كل الدساتير الوضعية والمواثيق الدولية ، وبالتالي إهدار الحريات العامة.
ومن خلال ما تقدم فإن نظام حالة الطوارئ يمنح السلطات التنفيذية سلطات استثنائية خاصة تحد بها من الحريات العامة ، لكي تستطيع مجابهة الظروف الطارئة بهدف المحافظة على النظام العام ، وعند إعلان حالة الطوارئ يقوم نظام استثنائي تتقيد في ظله الحريات العامة للأفراد والضمانات المقررة لها ، وتصبح للسلطة القائمة عليها سلطات استثنائية لا تمارس في الظروف العادية . فلها أن تعطل مؤقتاً حكم القانون العادي ، والتغول على الحريات العامة بالقدر الذي يجيزه قانون الطوارئ ويكون لازماً لمواجهة حالة الضرورة(2).
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ
1 ـ د محمد الوكيل ، المرجع السابق ، ص 330 وما بعدها ــــ د محمد صلاح عبد البديع ، المرجع السابق ، ص77
2 ـ د محمد صلاح عبدالبديع ، المرجع السابق ، ص70 .
الفــــرع الثـــــالث
التشريعات الموسعة لسلطات الضبط الإداري في ليبيا
نتناول أولاً النصوص الدستورية ، ثم نصوص القوانين وذلك على النحو التالي :ـ
أولاً ــ النصوص الدستورية :
نستعرض التشريعات الموسعة لسلطات الضبط الإداري ، من خلال ما اقره المشرع الليبي سواء بعد الاستقلال وصدور الدستور ، أو بعد قيام الثورة وصدور الإعلان الدستوري ، وذلك على النحو التالي :
1 ـ في العهد الملكي :
بعد استقلال ليبيا سنة 1951ف ، وصدور الدستور في نفس السنة ، الــذي أجاز للملك في حالة الظروف الاستثنائية اتخـــاذ تدابير مستعجلة ، عن طريق إصدار مراسيم لها قــــوة القانـــــون ، وكذلك حق إعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية .
فقد نصت (م64) من الدستور الملكي على ( إذا طرأت أحــوال استثنائية تتطلب تدابير مستعجلة ، ولــم يكن مجلس الأمة منعقداً فللملك الحق في أن يصدر بشأنها مراسيم لها قوة القانون ، على ألا تكون مخالفة لأحكام الدستور ، وتعرض هذه المراسيم على مجلس الأمة في أول اجتماع له ، فإذا لم تعرض أو لم يقرها أحد المجلسين زال ما كان لها من قوة القانون).
أمــا (م70) فقد خولت الملك سلطة إعلان حالـــة الطوارئ والأحكام العرفية ، حيث نصت على ( الملك يعلن الأحكام العرفية وحالة الطوارئ ، على أن يعرض إعلان الأحكام العرفية على مجلس الأمة ليقرر استمرارها أو إلغاءها ، وإذا وقع ذلك الإعلان في غير دور الانعقاد وجب دعوة مجلس الأمة للاجتماع على وجه السرعة)(1).
ويستفاد من هذه النصوص الدستورية ما يأتي(2):
ـ للملك أن يقوم باتخاذ تدابير سريعة عند حدوث ظروف استثنائية ، في حالة عدم انعقاد مجلس الأمة ، وذلك عن طريق إصدار مراسيم لها قوة القانون ، بشرط عدم مخالفتها للدستور.
ـ تعرض هذه القرارات على البرلمان (مجلس الشيوخ ، مجلس النواب) في أول اجتماع لهما لإقرارها.
ـ في حالة عدم عرض هذه القرارات على مجلس الأمة ، أو تم عرضها ولم يقرها ، زال عنها ما كان لها من قوة القانون .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ
1 ـ الجريدة الرسمية للمملكة الليبية المتحدة ، عدد خاص، المرجع السابق ، ص40 .
2 ـ د محمود عمر معتوق ، المرجع السابق ، ص249 .
ـ إن الملك باعتباره يمثل السلطة التنفيذية له حق إعلان الأحكام العرفية وحالة الطوارئ ، شرط أن يعرض الأمر على مجلس الأمة ليقرر استمرارها من عدمه ، وفى حالة عدم انعقاده يجب دعوته للانعقاد على وجه السرعة .
2 ـ بعد قيام الثورة :
في 1969ف قامت الثورة في ليبيا وأصبحت جمهورية ، وسقط النظام الملكي ، وتولى مجلس قيادة الثــورة السلطات ( التأسيسية والتشريعية والتنفيذية) وذلك بموجب الإعلان الدستوري(1) الذي بيّن في (م18) منه انه يباشر السلطة العليا والتشريع ، وله اتخاذ كافة التدابير التي يراها لحماية الثورة ونظامها .
حيث نصت على ( مجلس قيادة الثورة هو أعلى سلطة في الجمهورية العربية الليبية ويباشر أعمال السيادة العليا والتشريع ووضع السياسة العامة للدولة نيابة عن الشعب ، وله بهذه الصفة أن يتخذ كافة التدابير التي يراها ضرورية لحماية الثورة والنظام القائم عليها ، وتكون هذه التدابير في صورة إعلانات دستورية أو قوانين أو أوامر أو قرارات ، ولا يجوز الطعن فيما يتخذه مجلس قيادة الثورة من تدابير أمام أي جهة).
أما (م25) من الإعلان الدستوري فنصت على ( يكون إعلان الأحكام العرفية أو حالة الطوارئ بقرار من مجلس قيادة الثورة ، كلما تعرض أمن الدولة الخارجي أو الداخلي للخطر ، وكلما رأى أن ذلك ضروري لحماية الثورة وتامين سلامتها) .
وهذا يعني الإبقاء على قانوني الأحكام العرفية وقانون الطوارئ ، المعمول بهما إبان العهد الملكي(2) ، وأن الجهة المختصة بإعلانهما هي مجلس قيادة الثورة ، وذلك عند وجود خطر داخلي أو خارجي ، أو تهديد أمن الثورة وسلامتها . كما يفهم من ذلك النص أن الجهة المختصة بإنهاء حالة الطوارئ أو الأحكام العرفية هي أيضا مجلس قيادة الثورة ، وقد انتقل هذا الاختصاص ضمنياً إلى مؤتمر الشعب العام بعد إعلان قيام سلطة الشعب ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك بخصوص كافة المهام التي كان مجلس قيادة الثورة يتولاها.
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ
1 ـ الجريدة الرسمية ، عدد خاص ، السنة السابعة ، المرجع السابق ، ص7 .
2 ـ استمر العمل بالقوانين والتشريعات الصادرة قبل الثورة ، والتي لا تتعارض مع أحكام الإعلان الدستوري ، حيث نصت م 34 على ( يستمر العمل بجميع الأحكام المقررة في القوانين والتشريعات القائمة فيما لا يتعارض مع أحكام هذا الإعلان الدستوري... ) .





ثــانياً ــ نصوص القـــــــوانين :
المشرع الليبي اتجه للأخــذ بالأسلوب اللاتيني في إصدار القــوانين المنظمة للظروف الاستثنائية ، حيث توجد عدة قوانين منها ما هو صادر في العهد الملكي ، ومنها ما صدر بعد قيام الثورة ، ونتناول هذه القوانين بشيء من التفصيل على النحو التالي :
1 ـ قانون الأحكام العرفية (1):
نظم قانون الأحكام العرفية بالقانون الصادر في 5 أكتوبر 1955ف ، وهو نظام استثنائي يتم بمقتضاه نقل السلطات الإدارية من الإدارة المدنية إلى الإدارة العسكرية ، مع منحها سلطات واسعة تصل إلى حد تعطيل بعض القوانين وتقييد الحريات العامة ، إضافة إلى الاستيلاء على أموال الأفراد وممتلكاتهم(2).
ومن خلال الاطلاع على مواد القانون نتبين الآتي :
ا ـ أسباب إعلان الأحكام العرفية(3):
أشار القانون إلى أسباب إعلان الأحكام العرفية وهي :
ـ إذا تعرض الأمن والنظام العام في الأراضي الليبية أو في جزء منها للخطر ، سواء بإغارة قوات العدو من الخارج أو وقوع اضطرابات من الداخل ، أو حدوث كوارث طبيعية أو انتشار أوبئة خطيرة .
ـ تامين سلامة الجيوش الليبية وضمان تموينها وحماية طرق مواصلاتها .
ـ الأحكام العرفية لا تعلن إلا إذا كانت حالة الطوارئ لا تكفي لمواجهة الظروف التي أعلنت من اجلها ، حيث قيد المشرع إعلان الأحكام العرفية بضرورة إعلان حالة الطوارئ أولاً ، فإذا لم تكف جاز إعلان الأحكام العرفية لمواجهة الظروف الاستثنائية .
ب ـ شروط إعلان الأحكام العرفية (4):
حدد القانون شروط إعلان الأحكام العرفية وهي : بيان الحالة التي أعلنت بسببها ، تحديد الجهة التي تشملها ، تاريخ بدء نفاذها . كما نصت أيضا على أن يتضمن الإعلان تعيين من تكون له السلطات الاستثنائية ، ويسمى الحاكم العسكري العام ، واشترطت أيضا أن يعرض إعلان الأحكام العرفية على مجلس الأمة ، ليقرر استمرارها أو إلغاءها ، وعند وقوع ذلك الإعلان في غير دورة الانعقاد تجب دعوة مجلس الأمة للاجتماع على وجه السرعة .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــ
1 ـ د عبد السلام المز وغى ،المستشار مراد محمود الرعوبى ، الموسوعة العالمية الخضراء للمعرفة ( مجموعة التشريعات الأساسية 43) منشورات المركز القومي للدراسات القانونية وبحوث حقوق الأنسان ، ط1 ، بنغازي ، ب . ت ، ، ص120 وما بعدها .
2 ـ د محمود عمر معتوق ، المرجع السابق ، ص251 .
3 ـ (م1) من قانون الأحكام العرفية .
4 ـ (م2) من قانون الأحكام العرفية .
ج ـ الآثار التي تترتب على إعلان الأحكام العرفية :
قانون الأحكام العرفية أجاز للحاكم العسكري اتخاذ عدة تدابير ، سواء بإعلان أو بأمر كتابي أو شفوي ، وهذه التدابير تتمثل في(1):
ـ سحب التراخيص في إحــراز السلاح وحملـــه ، والأمـــر بتسليم الأسلحة على مختلف أنواعها ، والذخائر والمواد القابلة للانفجار والمفرقعات وضبطها أينما وجدت ، وإغلاق مخازن الأسلحة.
ـ تفتيش الأشخاص والمنازل في أية ساعة من ساعات النهار أو الليل .
ـ مراقبة الصحف والمطبوعات ، وضبط المطبوعات التي تثير الفتنة أو تؤدي إلى الإخلال بالنظام العام ، ومنع الاجتماعات العامة وفضها بالقوة .
ـ الأمر بمراقبة الرسائل البريدية والتليفونية .
ـ الأمر بالقبض والاعتقال للأشخاص الخطرين على الأمن والنظام العام ووضعهم في مكان آمن.
ـ منع المرور في ساعات معينة من النهار أو الليل في الجهات الخاضعة للأحكام العرفية إلا بإذن خاص .
ـ تحديد مواعيد فتح المحال العمومية وإغلاقها .
ـ الاستيلاء على الأموال المنقولة وغير المنقولة مقابل تعويض أصحابها تعويضاً عادلاً .
كما إن قوات البوليس (الشرطة) تتولى تنفيذ الإعلانات والأوامر الصادرة من الحاكــم العسكري العــام ، كمـا يجوز عند الضرورة الاستعانــة بقــــوات الجيش بناء على طلب الحاكم العسكري العام ، وتتبع في هذه الحالة أحكام القانون الخاص بها(2).
وقانون الأحكام العرفية يعطي للسلطات العسكرية ، التي حلت محل السلطات المدنية ، سلطات واسعة للمحافظة على النظام العام ، الأمر الذي يؤدي إلى تقييد الحريات العامة في بعض الأحيان ، وتعطيلها أو إلغائها في أحيان أخرى . ومع ذلك فإن قراراته تخضع لرقابة القضاء الإداري ، حيث تعرضت المحكمة العليا لذلك في احد أحكامها فقضت (استقر الفقه والقضاء على أنه حتى عند قيام خطر الحرب أو قيام الحرب فعلا الأمر الذي يبيح إعلان الأحكام العرفية فإن القرارات التي يصدرها الحاكم العسكري بما له من سلطة تقديرية يجب أن تخضع لرقابة القضاء خشية أن يتغول على الحريات العامة بدون سبب واقعي يدعو لذلك)(3).
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــ
1 ـ (م4) من قانون الأحكام العرفية .
2 ـ (م6) من قانون الأحكام العرفية .
3 ـ طعن إداري رقم 1 / 3ق بتاريخ 8 .3 .1970ف ، م.م.ع ، السنة السادسة ، الاعداد1 .2 .3 .4 ، ص64 .
كما أجاز المشرع عند إعلان الأحكام العرفية إنشاء محاكم عسكرية ، تختص بالنظر في الجرائم التي ترتكب بالمخالفة لأوامر الحاكم العسكري ، وهذه الأحكام لا تصبح نهائية إلا بعد التصديق عليها من الحاكم العسكري العام ، ولا يجوز الطعن فيها بأي وجه من الوجوه(1). وهو ما يدل على هدر الحريات العامة وإلغاء أحد أهم ضماناتها ، وهو اللجوء إلى القضاء لحماية الحريات .
2 ـ قانون الطوارئ(2):
صدر القانون الذي ينظم حالة الطوارئ في ليبيا بتاريخ 5 أكتوبر 1955ف ، وقد عرفنا بأن الملك في فترة ما قبل الثورة هو المخول بإعلان حالة الطوارئ ، وبعد قيام الثورة فإن المختص بالاعلان هو مجلس قيادة الثورة .
وباستعراض مواد القانون يتبين الآتي :ـ
ا ـ أسباب إعلان حالة الطوارئ(3) :
نص القانون على الحالات التي يجوز فيها إعلان حالة الطوارئ وهي :
ـ إذا وقع اضطراب في الأمن العام يهدد مجرى الحياة الطبيعي ، أو يهدد النشاط العادي للسكان.
ـ إذا حدثت ظواهر طبيعية شديدة أو أوبئة أو غيرها مما يهدد حياة السكان وأمنهم أو سلامتهم.
ـ إذا وقعت حوادث خطيرة تهدد بصورة جدية بحصول اضطراب في الأمن العام .
ب ـ شروط إعلان حالة الطوارئ(4) :
أوجب القانون أن يتضمن إعلان حالة الطوارئ البيانات التالية:
ـ تحديد النطاق المكاني التي تمارس فيه السلطات الإدارية نشاطها بمقتضى إعلان حالة الطوارئ.
ـ تحديد الأسباب الموضوعية التي أدت إلى إعلان حالة الطوارئ .
ـ تحديد بدء سريان حالة الطوارئ .
ج ـ التدابير المتخذة عند إعلان حالة الطوارئ(5) :
أشار القانون إلى التدابير التي تتخذها السلطة التنفيذية عند إعلان حالة الطوارئ وهي :
ـ إيقاف منح أو سريان تراخيص الأسلحة ، وجمع الأسلحة والذخائر والمفرقعات .
ـ تقييد الاجتماعات العامة بوجوب أخذ إذن مسبق من السلطة المختصة بذلك .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
1 ـ (م13) من قانون الأحكام العرفية .
2 ـ د عبدالسلام المز وغى ،المستشار مراد محمود الرعوبى ، المرجع السابق ، ص126 وما بعدها .
3 ـ (م1) من قانون الطوارئ .
4 ـ (م2) من قانون الطوارئ .
5 ـ (م4) من قانون الطوارئ .
ـ منع وسائل الإعلام المختلفة من نشر ما من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم أو زيادة الحالة التي أعلنت من أجلها الطوارئ .
ـ فرض الرقابة على البريد والبرقيات السلكية واللاسلكية .
ـ تحديد مواعيد فتح المحال العامة ، وتقييد التجول في مواعيد معينة .
ـ الاستيلاء على وسائل النقل ، ومواد التموين وغيرها ، وتكليف الأفراد بأداء الخدمات الضرورية ، على أن يكون ذلك مقابل تعويض عادل .
ـ تحديد محل إقامة الأشخاص الخطرين على الأمن العام ، بمدة لا تتجاوز الشهر ، ونقلهم عند الضرورة إلى أماكن أخرى .
ومن خلال هذه التدابير التي تتخذ أثناء إعلان حالة الطوارئ ، فإن السلطات الضبطية التي تقوم بها الإدارة تتسع على حساب الحريات العامة ، بهدف المحافظة على النظام العام وتأكيد بقاء الدولة ، ففي مثل هذه الظروف تتحرر الإدارة من القيود المفروضة عليها في الأوقات العادية ، وتسخر كل إمكانياتها لمجابهة الظروف الطارئة التي استجدت .
3 ـ قانون التعبئة رقم 21 لسنة 1991ف(1) :
صدر قانون التعبئة عن المؤتمرات الشعبية الأساسية ، في سبتمبر 1991ف ، والذي ألغى القانون رقم 80 لسنة 1974ف بشأن التعبئة العامة الصادر عن مجلس قيادة الثورة ، حيث جــــاء في ديباجته ( انطلاقا من أن الحرب ليست غاية في حد ذاتها ولكنها وسيلة ضرورية لصيانة حرية واستقلال وامن الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى ، والحفاظ على النظام الجماهيري القائم على سلطة الشعب ، أو أمن الأمة العربية وسلامتها ، مما يقتضى إعلان التعبئة العامة أو الجزئية لحشد كافة الإمكانيات والطاقات البشرية والمادية والمعنوية لخدمة أغراض الحرب) .
ومن خلال دراسة مواد القانون يستفاد الآتي :
ا ـ إعلان التعبئة(2):
إعلان حالة التعبئة من اختصاص المؤتمرات الشعبية الأساسية ، وهي التي تحدد نوعهـــــا
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ
1 ـ الجريدة الرسمية ، العدد 22 ، السنة التاسعة والعشرون ، ص734 وما بعدها .
* تنص (م1) من قانون التعبئة العامة على ( في تطبيق إحكام هذا القانون يقصد بالعبارات المبينة فيما بعد المعاني المقابلة لها )
ـ التعبئة العامـــة : تهيئة كافـة الموارد البشرية والمادية والمعنوية للجماهيرية العظمى ، وإعدادها إعدادا صحيحا للانتقال بها من حــــالة السلم إلى حالة الحرب.
ـ التعبئة الجزئية : تهيئة كل أو بعض وحدات الشعب المسلح ، أو جزء من الموارد البشرية والمادية لمواجهة ظرف ما ، أو لإجراء التمارين التعبوية أو المناورات السوقية ، أو لتنفيذ برامج التحول الثوري .
ـ وحدات الشعب المسلح : الوحدات الأمنية والمناوبة الشعبية المسلحة والدفاع الشعبي المحلى والاحتياط والمنخرطون في التدريب العسكري العام .
ـ الموارد البشرية : المواطنون ذكورا وإناثا ممن بلغوا سن السابعة عشرة ما داموا قادرين صحيا على القتال والعمل والإنتاج .
ـ الموارد الماديــة : الموارد الاقتصادية العامة والخاصة .
2 ـ (م3) من قانون التعبئة .
عامة كانت أو جزئية ، والغرض من إعلانها .
وتعلن التعبئة في حالات حددت على سبيل الحصر هي :
ـ حالات الخطر الخارجي . وتشمل توتر العلاقات الدولية أو قيام خطر الحرب أو نشوب الحرب أو ظهور ما يهدد امن الجماهيرية أو يمس بسيادتها واستقلالها .
ـ حالات الخطر الداخلي . وتشمل ظهور ما يهدد سلطة الشعب أو حدوث كوارث أو أوبئة وغيرها مما يهدد حياة السكان أو أمنهم وسلامتهم .
ـ حالات إجراء التمارين التعبوية أو التمارين السوقية أو لإجراء تطبيقات عملية على حالة التعبئة .
ـ حالات تنفيذ برامج التحول الثوري التي لا تفي الإمكانيات المنفردة بتنفيذها .
ب ـ الآثار المترتبة على إعلان حالة التعبئة العامة :
يترتب على إعلان حالة التعبئة مجموعة من الآثار ، تفضي إلى منح الإدارة اختصاصات استثنائية هي(1):
ـ تسخير كافة الموارد البشرية والمادية لخدمة المجهود الحربي .
ـ إلزام كافة العاملين بالأجهزة والمرافق العامة والشركات والمنشآت والمصانع والتشاركيات والأنشطة الجماعية والفردية بالاستمرار في أعمالهم تحت إشراف الجهات التي تحددها اللجنة العامة للدفاع .
ـ تحديد أساليب وأنواع الإنتاج ، واستخدام المواد الأولية والوقود والتموين وتخزينها .
ـ الاستيلاء على الأملاك الخاصة بغية تسخيرها لخدمة أغراض التعبئة العامة عند الضرورة ، ويحتفظ لأصحابها بالحق في التعويض طبقاً للقانون .
ـ منح صفة الضبط القضائي لمن يكلفون بمراقبة تنفيذ الإجراءات العملية للتعبئة العامة .
ـ إلزام المواطنين الذين تحددهم اللجنة العامة للدفاع بالالتحاق بوحدات الشعب المسلح لتأدية الخدمة الوطنية .
ـ الإخضاع للتراتيب الأمنية اللازمة التي تحدد بقرار من اللجنة الشعبية العامة .
ـ وقف إجراءات إنهاء الخدمة .
ـ وقف السفر إلى الخارج .
ـ تقييد حرية الإقامة والتنقل .

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
1 ـ (م4) من قانون التعبئة .
ج ـ الآثار المترتبة على إعلان حالة التعبئة الجزئية(1) :
حدد القانون الآثار المترتبة على إعلان حالة التعبئة الجزئية ، تتمثل في :
ـ وضع كل أو بعض وحدات الشعب المسلح تحت سلطة وإشراف الجهة التي تحددها اللجنة العامة للدفاع .
ـ تسخير الإمكانيات والموارد لخدمة أغراض التعبئة الجزئية .
ـ تجميع الأفراد والآليات وكافة الإمكانيات التي لها علاقة بالتعبئة ، وذلك بالتنسيق بين اللجنة العامة للدفاع واللجان الشعبية على مختلف مستوياتها .
ـ وقف إجراءات إنهاء خدمة المجندين للخدمة الوطنية .
ـ إلزام كافة العاملين بالأجهزة والمرافق العامة والشركات والمنشآت والمصانع ، بأداء أعمالهم باستمرار وفى المناطق التي تحدد من قبل اللجنة العامة للدفاع .
وقد نصت(م6) من القانون على بعض العقوبات عند مخالفة أحكامه ، حيث تتراوح العقوبة بين السجن والغرامة ، وتصل إلي الإعدام إذا وقع الفعل أثناء الحرب .
وتطبيقا لنص (م7) من قانون التعبئة ، أصدر أمين اللجنة المؤقتة للدفـــاع القرار رقــم 86لسنة2005ف(2) بشأن الضوابط والقواعد والأحكام الخاصة بتنفيذ القانون رقم 21 لسنة 1991ف بشأن التعبئة ، الذي تضمن في (م1) بأن المؤتمرات الشعبية الأساسية هي التي تعلن التعبئة ، وتحدد نوعها والغرض منها ، وكذلك هي التي ترسم السياسة العامة للتعبئة .
أما (م2) من القرار فقد أشارت إلى حالات التعبئة العامة ، وهى نفس الحالات المنصوص عليها بقانون التعبئة .
وأشارت(م3) إلى آثار إعلان التعبئة والتي تتمثل في :
ا ـ الانتقال بالشعب المسلح من حالة السلم إلى حالة الحرب ، ويشمل ذلك :
ـ رفع درجة استعداد الوحدات التي تحت السلاح
ـ استدعاء المسرحين من الشعب المسلح
ـ وقف إجراءات إنهاء الخدمة والاستقالة


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــ
1 ـ (م5) من قانون التعبئة .
2 ـ قرار أمين اللجنة العامة المؤقتة للدفاع رقم 86 لسنة 1373و ر(2005ف) ـــــ د عبد السلام المز وغى و المستشار مراد محمود الرعوبى ، الموسوعة العالمية الخضراء للمعرفة ، المرجع السابق ، ص136 وما بعدها .

ب ـ إخضاع المصانع والمعامل والمرافق الخدمية والإنتاجية لإشراف اللجنــة العامـــة المؤقتـــة للدفاع .
ج ـ فرض الرقابة العسكرية لتأمين سلامة الشعب المسلح .
د ـ تنفيذ الخطط التي أعدتها الجهات المختصة بالتعبئة وقت السلم .
وتناولت (م5) من القرار اختصاصات اللجنة العامة المؤقتة للدفاع ، لتنفيذ أحكام قانون التعبئة ، ولها على سبيل الخصوص ما يلي :
1 ـ إصدار القرارات لتسخير الإمكانيات والموارد البشرية والمادية لخدمة المجهود الحربي .
2 ـ إصدار أوامر تجميع الأفراد والآليات والإمكانيات التي لها علاقة بأمر التعبئة .
3 ـ التنسيق مع اللجان الشعبية بخصوص الإمكانيات والموارد المتاحة لخدمة المجهود الحربي
4 ـ تحديد المنطقة أو المناطق المعنية بحالة التعبئة .
5 ـ إخطار اللجان الشعبية المختصة بحالة التعبئة ، والجهة المخولة بالإشراف على المنطقة أو المناطق المراد الإشراف عليها .
6 ـ وقف إجراءات إنهاء خدمة المجندين للخدمة الوطنية أو التدريب العسكري العام .
7ـ فرض الخدمة العسكرية على جميع الحاملين للجنسية الليبية ، الذين أتموا سن الثامنة عشرة ولم يتجاوزوا الخامسة والخمسين ، كما يجوز قبول المتطوعين من غير الليبيين .
8 ـ تهيئة الموارد المعنوية لتنمية الوعي الوطني ، بحصر كافة الأنشطة الإعلامية والعاملين بها ، وتنفيذ الخطط المتعلقة باستخدام الأنشطة الإعلامية في خدمة التعبئة .
9 ـ وقف السفر إلى الخارج ، وتقييد حرية الإقامة والتنقل .
10 ـ إصدار قرارات الاستيلاء على الأملاك الخاصة لتسخيرها لأغراض التعبئة .
11 ـ اقتراح الإعلان عن انتهاء حالة التعبئة عند زوال أسباب قيامها .
و نصت (م8) من القرار على أنه يجوز الاستيلاء على الأملاك الخاصة لأغراض التعبئة إذا اقتضت الضرورة القصوى ذلك ، بقرار من أمين اللجنة العامة المؤقتة للدفاع .
وأعطت (م9) الحق لأصحاب الأملاك المستولى عليها ، اللجوء إلى الجهات المختصة للمطالبة بالتعويض العادل عن ممتلكاتهم .
وقيدت (م12) من القرار الأجانب الذين بلغوا الثامنة عشرة من رعايا الدول المعادية والدول التي قطعت معها العلاقات السياسية ، بأن يقدموا أنفسهم خلال أسبوع من إعلان التعبئة ، كل إلى مركز الأمن الشعبي المقيم بدائرته ، لقيد أسمائهم وتقديم المستندات المتعلقة بهم .
أما (م13) فقد نصت على أنه يحظر على المقيمين علي أرض الجماهيرية أن يتعاملوا مع حكومات الدول المعادية أو تلك التي قطعت العلاقات الدبلوماسية معها ، ولأمين اللجنة العامة المؤقتة للدفاع عند قيام الحرب إصدار قرارات باعتقال رعايا الدول المشار إليها ، و تحديد أماكن إقامتهم ، كما له أيضا وضع أموالهم تحت الحراسة .
ومن خلال ما تقدم نلاحظ الآتي :
ـ إن إعلان التعبئة وإنهاءها من اختصاص المؤتمرات الشعبية الأساسية ، باعتبارها السلطة التشريعية في ليبيا .
ـ إن الظروف الاستثنائية التي قد تقع ، وتعلن حالة التعبئة بشأنها ، تتصف بالخطورة ، الأمر الذي يتطلب السرعة القصوى والاستعجال في اتخاذ القرار لمواجهة مثل هذه الظروف ، وعدم انتظار انعقاد المؤتمرات الشعبية لاتخاذ قرارها بالخصوص .
ـ نـــرى إلى جانب بعض الفقه (1) إعطاء حــق إعلان حالة التعبئة أو إعلان الأحكام العرفية أو إعلان الطوارئ للجنة الشعبية العامــــة ، لقدرتها على مواجهة أي خطر بشكل سريع ، وفهمها للإمكانيات الماديـــة والبشريــة المتاحة ، مع إحاطة هذا الإعلان بشروط مقيدة لها ، تلزمها بالرجوع إلى المؤتمرات الشعبية الأساسية في أجل معين ، وكذلك الالتزام لاحقا بما تقرره المؤتمرات من استمرار حالة الطوارئ أو الأحكام العرفية أو عدم استمرارها .
ـ كما نرى بأن يقوم المشرع الليبي ( المؤتمرات الشعبية الأساسية) بإعادة صياغة القوانين الخاصة بالظروف الاستثنائية ( قانون الطوارئ ، قانون الأحكام العرفية ) وذلك بما يتمشى مع النظم التشريعية والإدارية الحالية ، وكذلك مع التطورات الحديثة التي استجدت في العالم .
وبناءاً علي ذلك فأن النصوص الدستورية والقانونية المنظمة للسلطات الضبطية أثناء الظروف الاستثنائية ، قد أجمعت علي هدف واحد ألا وهو حماية النظام العام ، أي حماية الدولة عند حدوث خلل أمني بنظامها العام ، وبالتالي تقييد الحريات العامة ، نظراً لاتساع سلطات الضبط الإداري في مواجهتها ، بموجب ما نصت عليه هذه النصوص ، ونظراً لخطورة هذه الإجراءات الضبطية في مثل هذه الظروف ، فإنه يجب في المقابل أن تكون هناك رقابة قضائية قوية ، يلجأ إليها الأفراد عند المساس بحرياتهم ، عندما تكون سلطات الضبط الإداري قد تجاوزت حدودها أو أساءت استعمال سلطاتها .




ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
1 ـ د محمود معتوق ، المرجع السابق ، ص 255 .
المطلب الثــــــــــــــالث
ضوابط وقيود الإجراءات الضبطية في الظروف الاستثنائية
إن حالة الظروف الاستثنائية تتطلب الترخيص للإدارة بممارسة سلطـــات استثنائية، ومخالفة مبدأ المشروعية ، لمواجهة هذه الظروف الطارئة التي تهدد النظام العام ، وبالتالي تقييد الحريات العامة ، فالضرورات الحيوية للبلاد والمصالح العليا للدولة تكون أولى بالرعاية من احترام حقوق وحريات الأفراد ، ففي الأوقات العادية تكون الحريات العامة في المقام الأول، أما في الظروف الاستثنائية فإن الأمر يختلف وتبقى مقتضيات الدفاع عن الدولة هي الأولى . وتتمثل مظاهر السلطات الاستثنائية في تلك الظروف باتساع سلطات الضبط الإداري ، التي تتمتع بقدر من الممارسات أوسع مما تسمح به القوانين واللوائح في الظروف العادية ، وقد يصل الأمر إلى حد إهدار الحريات العامة ومنع ممارستها بصورة كاملة ، وهذا لا يعني أن تصرفات الإدارة مطلقة وبدون قيد ، بل توجد ضوابط وقيود ترد على سلطة الإدارة .
ومجلس الدولة الفرنسي عبر في أحد أحكامه على هذه المعاني ، فقضى بأنه (لا تستوي القيود المفروضة على سلطات الضبط الإداري في وقت السلم ووقت الحرب ، فمصالح الأمن القومي زمن الحرب توسع من مفهوم ومتطلبات النظام العام ، كما تبرر إجراءات ضبط إداري أكثر شدة)(1).
كما تعرض مجلس الدولة المصري إلى توضيح القيود والضوابط التي ينبغي أن تلتزم بها الإدارة ، حيث تقول المحكمة الإدارية العليا ( إن قضاء هذا المجلس ثبت منذ إنشائه على أن نظام الأحكام العرفية في مصر وإن كان نظاماً استثنائياً ، إلا أنه ليس بالنظام المطلق ، بل هو نظام خاضع للقانون أرسى الدستور أساسه ، وأبان القانون أصوله وأحكامه ورسم حدوده وضوابطه ، فوجب أن يكون إجراؤه على مقتضى هذه الأصول والأحكام ، وفى نطاق تلك الحدود والضوابط ، وإلا كان ما يتخذ من التدابير والإجراءات متجاوزاً هذه الحدود أو منحرفاً عنها عملاً مخالفاً للقانون ، تنبسط عليه الرقابة القضائية إلغاءً وتعويضاً ، فكل نظام أرسى الدستور أساسه ووضع القانون قواعده هو نظام يخضع بطبيعته ـ مهما كان نظاماً استثنائياً ـ لمبدأ سيادة القانون ومن ثم لرقابة القضاء )(2).
وبناء علــى مــا تقدم تخضع تصرفـــــات هيئات الضبط الإداري ، خلال الظروف الاستثنائية
لضوابط وقيود يجب أن تلتزم بها هيئات الضبط الإداري ، حتى لا يسمح لها بتجاوز الحــــــدود
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ د عادل السعيد ، المرجع السابق ، ص586 .
2 ـ حكم المحكمة الإدارية العليا قضية رقم 830 /20ق بتاريخ 29 .12 .1979ف ، نفس المرجع السابق ، ص 586 وما بعدها .

القانونية ، ونتناول هذه الضوابط والقيود في الفروع التالية :
الفرع الأول
ضرورة وجود الظروف الاستثنائية
إن الظروف الاستثنائية تبرر لهيئات الضبط الإداري التدخل بسلطات واختصاصات واسعة لا تسمح بها أو تجيزها القوانين أثناء الظروف العادية ، وحتى يكون الإجراء المتخذ من قبل الإدارة في إطار الشرعية ، يجب أن تكون هناك ظروفاً استثنائية ، جعلت سلطات الضبط تتخذ الإجراء الاستثنائي عوضاً عن الإجراء العادي ، وغاية ذلك دائماً المحافظة على النظام العام .
وفى هذا السياق قضت المحكمة الإدارية العليا بان ( فعناية مبدأ المشروعية يتطلب أولا وقيل كل شىء العمل على بقاء الدولة الامر الذي يستتبع تخويل الحكومة إستثناء وفي حالة الضرورة من السلطات ما يسمح لها باتخاذ الإجراءات التي يتطلبها الموقف ولو خالفت في ذلك القانون في مدلوله اللفظي ما دامت تبغي الصالح العام .غير أن سلطة الحكومة في هذا المجال ليست ولا شك طليقة من كل قيد بل تخضع لأصول وضوابط . فيجب أن تقوم حالة واقعية أو قانونية تدعو إلى التدخل ، وان يكون تصرف الحكومة لازماً لمواجهة هذه الحالة بوصفه الوسيلة الوحيدة لمواجهة الموقف وأن يكون رائد الحكومة في هذا التصرف إبتغاء مصلحة عامة وبذلك تخضع مثل هذه التصرفات لرقابة القضاء...)(1).
ولإضفاء المشروعية على تصرفات الإدارة خلال الظروف الاستثنائية ، ولتبرير ما اتخذ من إجراءات خلال تلك الفترة ، يتعين على هيئات الضبط الإداري أن تثبت أن هناك ظروفاً استثنائية لم تتضمنها القوانين العادية ، وأيضا أن تثبت أن هذه الإجراءات الاستثنائية اتخذت خلال الظروف غير العادية (2).
وفي هذا قضت المحكمة الإدارية العليا بأنه (لئن كان القانون يخول الحاكم العسكري في ظل الأحكام العرفية سلطة تقديرية واسعة يواجه بها ما تقتضيه الحالات الاستثنائية التي تعرض له من اتخاذ تدابير سريعة حاسمة ، إلا أنه ينبغي إلا تتجاوز سلطته التقديرية الحدود الدستورية المرسومة ، وألا تخل بالتزاماته القانونية ، وألا تتغول بوجه خاص على الحريات العامة بدون مبرر قانوني ، وإلا شاب تصرفاته عدم المشروعية ، وانبسطت عليها رقابة القضاء الإداري إلغاءً وتعويضاً)(3)
فعند وجود الظروف الاستثنائية تملك الإدارة سلطات تقديرية واسعة ، للمحافظة على النظــام
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ القضية رقم 956 و 958/ 5 ق بتاريخ 14 .4 .1962ف ،مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الادارية العليا ، السنة السابعة ، العدد الثاني ، ص601 ، بند61 .
2 ـ ممدوح عبد الحميد ، المرجع السابق ، ص242 .
3 ـ قضية رقم 1517 /2ق بتاريخ 13 .4 .1957ف ، مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الادارية العليا ، السنة الثانية ، العدد الثانى ، ص886 ، بند 93 .
العام وتقييد الحريات العامة ، وأكد القضاء الإداري ذلك في أحد أحكامه بأن ( للحكومة عند قيام حالة استثنائية تمس الأمن والطمأنينة سلطة تقديرية واسعة لتتخذ من التدابير السريعة الحاسمة ما تواجه به الموقف الخطير ، إذ بقدر الخطر الذي يهدد الأمن والطمأنينة بقدر ما تطلق حريتها في تقدير ما يحب اتخاذه من إجراءات وتدابير لصون الأمن والنظام ، وليس يتطلب من الإدارة في مثل هذه الظروف الخطرة ما يتطلب منها في الظروف العادية من الحيطة والدقة والحذر ، حتى لا يفلت الزمام من يدها )(1).
الفرع الثـــــــاني
ضرورة الإجراء الاستثنائي وملاءمته
أولاً ــ ضرورة الإجراء الاستثنائي ولزومه :
إن تقييد ممارسة الحريات العامة يجب أن يكون في الحدود الضرورية ، التي تتيح للإدارة القدرة على مواجهة الأخطار الناتجة عن الظروف الاستثنائية بالفعل ، الأمر الذي يستوجب عدم تجاوز الإدارة مقتضيات الظروف التي تواجهها . وهذا يعني أنه إذا كانت ممارسة الحرية لا تؤثر في قدرة الإدارة على مواجهة الظروف الاستثنائية ، فأنه يسمح لهذه الممارسة بأن تؤدي دورها إلى الحدود التي يمكن أن تؤثر في قدرة الإدارة على مواجهة تلك الظروف ، وهو ما يعبر عنه بأن المشروعية الاستثنائية تجد سلامتها في ضرورتها .
ولذا فإن إجراء الضبط الإداري لا يعتبر مشروعاً إلا إذا كان ضرورياً من أجل الحفاظ على النظام العام ، فالقضاء من مهامه التحقق من توافر الضوابط السابقة ، المتعلقة بالضرورة واللزوم ، أي أنه يتحقق من أن مواجهة الظروف الاستثنائية تتطلب اتخاذ إجراء استثنائي لا تستوعبه القوانين السارية ، وهو ما يعني ضرورة الإجراء الاستثنائي ولزومه لمتطلبات الحالة ، فإذا ثبت للقاضي أن الإدارة كانت باستطاعتها التغلب على المصاعب الناتجة عن الظروف الاستثنائية ، بما تملكه من سلطات ووسائل تنص عليها التشريعات السارية ، ومع ذلك اتخذت الإجراء الاستثنائي ، فله أن يحكم بإلغاء الإجراء(2).
والى هذا ذهبت المحكمة الإدارية العليا في أحد أحكامها فقضت بأنه ( يجب أن تقوم حالة واقعية أو قانونية تدعو إلى التدخل وأن يكون تصرف الحكومة لازماً لمواجهة هذه الحالة ، بوصفه الوسيلة الوحيدة لمواجهة الموقف)(3).
كما قضت محكمة القضاء الإداري في أحــد أحكامها فقالت ( أن إجراءات الأعتقال وتحديد
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ القضية رقم 1517/2 ق بتاريخ 13 .4 .1957ف ، مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الادارية العليا ، السنة الثانية ، العدد الثاني ،ص886 ، بند93 .
2 ـ د عادل السعيد ، المرجع السابق ، ص592
3 ـ القضية رقم 730 / 8 ق بتاريخ 26 .3 .1966ف ، مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة الادارية العليا ، السنة لحادية عشرة ، ص565 ، بند71 .
الإقامة يجب ألا يلجأ إليها إلا عند الضرورة القصوى التي يستعصى فيها اللجوء إلى الإجراءات العادية ، لما في ذلك من مساس بالحرية الشخصية ، وأن يكون ذلك بالقدر الضروري اللازم للمحافظة على الأمن...)(1).
ثانياً ــ ملاءمة الإجراء الاستثنائي :
رغم السلطات الواسعة التي تتمتع بها سلطات الضبط الإداري ، خلال الظروف الاستثنائية على حساب الحريات العامة ، إلا أن هذه الإجراءات يجب أن تكون متناسبة مع درجة الإخلال بالنظام العام ، وبالقدر اللازم لمواجهة هذا الإخلال . وعلى القاضي الإداري أن يتحقق من أن الإجراء الذي تتخذه الإدارة ، لمواجهة الظروف الاستثنائية هو إجراء ملائم ومناسب لمتطلبات هذه الظروف ، ومدى ملاءمة الإجراء الذي تقيد به الإدارة حريات الأفراد ، وما إذا كان من الممكن اللجوء إلى إجراء أخف وطأة بدل الإجراء المتخذ لتحقيق ذلك الهدف ، واقتصاره على القدر الضروري لمواجهة متطلبات الظروف الاستثنائية .
وفى هذا الخصوص قضى مجلس الدولة الفرنسي في حكم له بإلغاء الأمر الذي أصدره رئيس الجمهورية ، بإنشاء محكمة عسكرية خاصة لمحاكمة المتهمين بالاشتراك في التمرد الذي قام به الجيش الفرنسي المرابط بالجزائر ، ذلك لأن الظروف الناتجة عن تمرد الجيش لم تكن على درجة كبيرة من الخطورة ، مما يدعو رئيس الجمهورية لإنشاء مثل هذه المحكمة ، كما أنها تتضمن اعتداءً خطيراً على الضمانات الجوهرية لحقوق الدفاع(2).
كما قضت المحكمة الإدارية العليا في حكم لها بأن (قرار الحاكم العسكري بتوزيع الانتفاع بمياه العيون الموجودة في أحدى المناطق المتاخمة للأرض المحتلة ، هو قرار مشروع رغم أنه لا يستند إلى نص في قانون الأحكام العرفية ، وذلك تأسيساً على أن الظروف الاستثنائية القائمة قد تطلبت اتخاذ هذا الإجراء ، الذي لم يجاوز الحدود الضرورية اللازمة لصون الأمن واستقراره في هذه المنطقة)(3).
كما تولت المحكمة الدستورية التعرض لفكرة الملاءمة والتناسب لقرارات الضبط الإداري إثناء الظروف الاستثنائية ، فقضت في أحد أحكامها بأن ( فكرة التناسب في الإجراءات الضبطية تقوم على تقدير مساحة الاضطراب ، فيكون تدخل الإدارة بإجراءاتها مناسباً لحالــة
الإخـلال أو الخطورة التي تهدد النظام العام ، كما يقوم تقدير التناسب من جهة أخـــرى على
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ قضية رقم 5024 /8ق بتاريخ 3 .1 .1956ف ، مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها محكمة القضاء الإداري ، السنة العاشرة ، ص128 ، بند151 .
2 ـ د مجدي احمد فتح الله ، المرجع السابق ، ص 262 .
3 ـ حكم المحكمة الإدارية العليا في القضية رقم 67 / 2 ق بتاريخ 13 . 5 .1961ف ، أشار إليه د عادل السعيد ، المرجع السابق ، ص597 .
طبيعة الإجراء الإداري المتخذ ، فيلزم في الإجراء أن يكون كافياً لمنع التهديد الحقيقي للنظام العام ، لأن الهدف ليس صيانة النظام العام بأي ثمن ، وإنما تلافى التضحية بالحريات العامة بأقل قدر ممكن ) (1). ومن استقراء هذه الأحكام يلاحظ بأن القضاء الإداري قد أولى عناية كبيرة ، بضرورة وملاءمة الإجراء الاستثنائي المتخذ من قبل سلطات الضبط الإداري إثناء الظروف الاستثنائية ، أي أن يكون هذا الإجراء كافياً لمنع أي تهديد للنظام العام أو الإخلال به ، والهدف الأسمى دائما هو محاولة إيجاد التوازن بين حفظ النظام العام من جهة وبين تقييد الحريات العامة من جهة أخرى .
الفـــــــــــــرع الثالث
الرقابة القضائية على إجراءات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية
يقصد بذلك أن سلطة الضبط ليست مطلقة في اتخاذ ما تشاء من إجراءات أثناء الظروف الاستثنائية ، بل تخضع في ذلك لرقابة القضاء الإداري إلغاءً وتعويضاً ، أي عدم جواز تحصين إجراءات الضبط الإداري ، التي تتخذها الإدارة من الرقابة القضائية .
فإعلان حالة الطوارئ بما يورده من قيود على الحريات العامة ، لا يعني اختفاء مبدأ المشروعية ، وإنما تترتب آثاره على توسيع سلطات الضبط في الظروف الاستثنائية ، لصيانة الأمــن والنظام العــام ، فسلطة الإدارة فـي الظـروف الاستثنائية غير سلطتهــا أثنــاء الظروف
العادية ، ففي هذه الظروف تملك سلطات تقديرية واسعة للمحافظة على النظام العام وتقييد الحريات العامة . وفى هذا الشأن قضت المحكمة الإدارية العليا في أحد أحكامها بأن ( للحكومة عند قيام حالة استثنائية تمس الأمن والطمأنينة سلطة تقديرية واسعة ، لتتخذ من التدابير السريعة الحاسمة ما تواجه به الموقف الخطير )(2).
وقد تولت محكمة القضاء الإداري في أحد أحكامها الإشارة إلى ذلك ، حيث قضت بأن ( ...إلا أن التدابير التي يتخذها القائم على إجـراء النظام العرفي سواء أكانت تدابير فردية أو تنظيمية ليست إلا قرارات إدارية يجب أن تتخذ في حدود القانون ويتعين أن تخضع لرقابة القضاء بالطريق المباشر وغير المباشر، مع مراعاة ما ينبغي أن يترك للسلطة القائمة القائمة على إجراء الأحكام العرفية وهي تواجه ظروفاً استثنائية تعمل فيها على إقرار الأمن وتحافظ على سلامة البلاد من حرية واسعـة في تقـدير مـا يجب اتخـاذه مـن التـدابير والإجراءات بمقتضى سلطة تقديرية تختلف في مداها ، لا في وجوب بسط الرقابة عليها ،عن السلطة التقديرية التي
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ طعن رقم 48 / 18ق بتاريخ 15 .9 .1997ف ،المحكمة الدستورية العليا ، الجزء الثامن ، ص854 ، قاعدة رقم 57 . أشار إليه د طارق الجيار ، المرجع السابق ، ص140 .
2 ـ د نعيم عطية ، المرجع السابق ، ص209(الهامش) حكم سبقت الإشارة إليه .
تتمتع بها الحكومة في الظروف العادية المألوفة)(1).
فغاية الإدارة دائماً هي المحافظة على الأمن والنظام العام وإعادته إلى حالته الطبيعية إذا حدث به خلل ، ولها في ذلك سلطة تقديرية واسعة تختلف في الظروف العاديـــــة عنهــا في الظروف الاستثنائية ، وتخضع كل تصرفاتها لرقابة القضاء ، أمــا في حالة كون السلطة التنفيذية تقـــوم بوظيفتها السياسية المتعلقة بمصلحة الدولة وأمنها ، فإن قراراتها في هذه الحالة تكون بمنأى عن الرقابة القضائية لتعلقها بأعمال السيادة .
وفى هذا الخصوص استقر الرأي الغالب لدى الفقه المصري على اعتبار إعلان الأحكام العرفية والطوارئ من أعمال السيادة ، وكذلك فأن القضاء الإداري يضفي على قرار إعلان الأحكام العرفية والطوارئ وصف أعمال السيادة ،استناداً إلى كونه من الأعمال التي تباشرها الحكومة باعتبارها سلطة حكم وفى نطاق وظيفتها السياسية العليا ، تسعى من خلالها لتحقيق مصلحة الدولة وتأمين سلامتها وأمنها في الداخل والخارج(2). أما القرارات التي تتخذ من قبل الإدارة تنفيذاً للإجراءات الاستثنائية فإنها تخضع للرقابة القضائية إلغاءً وتعويضاً . وقد جاء في حكم لمحكمة القضاء الإداري بأن ( قضاء هذه المحكمة جرى على أن مرسوم إعلان الأحكام العرفية المقابل لقرار إعلان حالة الطوارئ ، يعتبر مـــن أعمال السيــادة ، أمــا التــدابير الفردية التنظيمية التي تتخذها السلطات القائمة على النظام العرفي ، فهي قرارات إدارية تخضع لرقابة القضاء)(3).
وإذا كان قرار إعلان الأحكام العرفية والطوارئ يعتبر من أعمال السيادة ويخرج عن رقابة القضاء ، إلا أنه لا يفلت من الرقابة البرلمانية التي نص عليها الدستور والقانون المنظم لكل منهما ، حيث نصا على ضرورة توافر عدة أسباب وشروط للتحقق مما إذا كانت الظروف تستدعي قيام حالة الأحكام العرفية أو الطوارئ . أما بالنسبة للتدابير التي تصدر تنفيذاً لها ، تعتبر قرارات إدارية فردية أو تنظيمية تخضع لرقابة القضاء ، فهذه القرارات تتقيد بأحكام الدستور ونصوص قانون الطوارئ أو الأحكام العرفية(4).
وفى هذا قضت محكمة القضاء الإداري في حكم لها بأن ( قرار الاعتقال الصادر ضد أحد الأشخاص لخطورته على الأمن العام ، قد صدر مــن قائــد الثورة باعتباره الحـــاكم العسكري
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ القضية رقم 568 / 3ق بتاريخ 30 .6 .1952ف ، مجموعة مجلس الدولة لأحكام القضاء الإداري ، السنة السادسة ،ص1266، بند568 .
2 ـ د محمود عاطف البنا ، الوسيط في القضاء الإدارى ، المرجع السابق ، ص 52 وما بعدها .
3 ـ حكم محكمة القضاء الإدارى في الدعوى 1427 / 31ق بتاريخ 13 .12 .1997 ف، أشار إليه ،منيب محمد ربيع ، المرجع السابق ، ص256 .
4 ـ محمود عاطف البنا ، الوسيط في القضاء الإدارى ، المرجع السابق ، ص 53 .
استناداً إلي القوانين الخاصة بالأحكام العرفية وإعلانها ، فأنه لا يعد من أعمال السيادة بل يعتبر قراراً إدارياً مما يدخل في اختصاص القضاء الإداري )(1).
وتأكيداً على هذا الاتجاه الذي سلكه القضاء المصري ، يرى بعض الفقه بأنه يتعين التفرقة بين القرار المبدئي الذي يعلنه رئيس الجمهورية بخصوص اللجوء إلى المادة 74 من الدستور ، وبين القرارات التي يتخذها رئيس الجمهورية بالتطبيق لهذه المادة ، حيث يعتبر قرار رئيس الجمهورية بالالتجاء إلى المادة 74 عمل من أعمال السيادة ، وبالتالي يتحصن من أعمال الرقابة القضائية ، أما ما يتخذه من إجراءات بالتطبيق لهذه المادة ، فيعتبر من قبيل الإجراءات الإدارية التي تخضع للرقابة القضائية (2).
والمشرع الليبي لم يقم بتحديد المقصود بأعمال السيادة على غرار التشريعات المقارنة(3) رغم النص عليها صراحة في بعض القوانين(4) وترك هذا الأمر للقضاء الذي بدوره تولى تحديد المقصود بأعمال السيادة ومدى رقابته القضائية عليها . فقد جاء في حكم لمحكمة استئناف بنغازي بأن ( القضاء الإداري قد جرى على تعريف أعمال السيادة بأنها تلك الأعمال التي تصدر عن الحكومة باعتبارها سلطة حكم لا سلطة إدارة ، فتباشرها بمقتضى هـذه السلطة العليا ، لتنظيم علاقاتها بالسلطات العامة الأخرى داخلية أو خارجية ، أو تتخذها للمحافظة على كيان الدولة ...)(5)
وأيدت المحكمة العليا الاتجاه القائل بالرقابة على الإدارة أثناء قيام الظروف الاستثنائية ، فقد جاء في أحد أحكامها بأنه ( ...استقر الفقه والقضاء على أنه حتى عند قيام حالة خطر الحرب أو قيام الحرب فعلاً الذي يبيح إعلان الأحكام العرفية فإن القرارات التي يصدرها الحاكم العسكري بما له من سلطة تقديرية يجب أن تخضع لرقابة القضاء خشية أن يتغول على الحريات العامة بدون سبب واقعي يدعو لذلك ...)(6)
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ حكم محكمة القضاء الإدارى في القضية رقم 568 / 7ق بتاريخ 16 .4 .1957 ف ، السنة 11 ، ص354 ، بند244.
2 ـ عادل السعيد ، المرجع السابق ، ص602 .
3 ـ تولى بعض الفقه الليبي تعريف أعمال السيادة بأنها عبارة عن قرارات إدارية صادرة عن الإدارة في أعلى مستوياتها ، ولكنها ليست بقرارات إدارية عادية ، وإنما تتميز بطابع سياسي معين ، اى إن طابعها السياسي يغلب عن طابعها الإدارى . انظر في ذلك كل من : د محمد الحراري ، الرقابة على أعمال الإدارة ، المرجع السابق ، ص107 ـــ د خليفة الجبرانى ، المرجع السابق ، ص 154 وما بعدها .
4 ـ أشار القانون رقم 88/71ف بشان القضاء الإداري في (م6) منه على ( لا تختص دوائر القضاء الإدارى بنظر الطلبات المتعلقة بأعمال السيادة ) ، كما أشار قانون نظام القضاء إلى ذلك ، فنص في (م16) منه على ( ليس للمحاكم أن تنظر في أعمال السيادة ) ، أما قانون إعادة تنظيم المحكمة العليا رقم 6 لسنة 1982ف ، فقد نص في (م26) منه على ( لا تختص المحكمة العليا بنظر الطلبات المتعلقة بأعمال السيادة ).
5 ـ حكم الدائرة الإدارية بمحكمة استئناف بنغازي في الدعوى رقم 20 / 6ق بتاريخ 23 . 2 .1998ف ، أشار إليه د مازن ليلو راضى ، المرجع السابق ، ص381 .
6 ـ طعن إداري رقم 1 / 3ق بتاريخ 8 .3 .1970ف ، م.م.ع ، السنة السادسة ، الاعداد1 .2 .3 .4 ، ص64 .سبقت الإشارة إليه .
والقضاء الليبي سار على نفس الاتجاه الذي سلكه القضاء المصري ، واعتبر القرارات الخاصة بإعلان الأحكام العرفية أو إعلان الطوارئ مــن ضمن أعمال السيادة ، أما الإجـراءات المتخـذة من قبل الإدارة بخصوص تنفيذ هذه الإعلانات ، فتعتبر أعمال إدارية تخضع لرقابة القضاء إلغاءً وتعويضاً .
وقد جاء في أحد أحكام المحكمة العليا ( ...ذلك أن قضاء هذه المحكمة جرى على أن أعمال السيادة ...التي ليس للمحكمة أن تنظر فيها ، لا تنصرف إلا إلى الأعمال التي تتصل بالسياسة العليا للدولة ، والإجراءات التي تتخذها السلطة العليا للدولة للمحافظــــة علـى سيادتها وكيانها في الداخل والخارج ، والتي يدخل ضمنها ما يتعلق بالعلاقات السياسية مع الدول الأخرى ، والمسائل الحربية ، وإعلان الأحكام العرفية ، أو حالة الطوارئ ، أما ما يصدر عن جهة الإدارة من قرارات أو إجراءات ضد الأفراد تمس حرياتهم وأموالهم ، فإنها تخرج عن مفهوم أعمال السيادة التي يمتنع على المحاكم النظر إليها )(1).
وقد أشار مجلس الدولة الفرنسي في أكثر من حكم له ، على أنه توجد قيود وضوابط ترد على سلطة الإدارة في الظروف الاستثنائية ، وأن توافرها لا يطلق السلطة من كل قيد ، وإن تذرعت بأن إجراءاتها بشأن إعلان الأحكام العرفية أو إعلان الطوارئ ، يتم وفق أعمال السيادة ولا يخضع لرقابة القضاء .
فقد جاء في أحد أحكام مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 23 أكتوبر 1953م ، رفض الدفع المقدم من الحكومة بخصوص إعلانها للأحكام العرفية ،وجاء في حيثيات الحكم ( وحيث إن مفوض الحكومـــة بالنيابة هو الـــذي أصدر هـــذا القرار الخاص بإعلان الأحكــــام العرفية ، في الأراضي التي تقع تحت سلطاته ، فهو يفعل ذلك بصفته ممثلاً لفرنسا في هذه الأراضي ، وحيث إن القرار قد صدر من سلطة إدارية فرنسية فهو بطبيعته يقبل الطعن فيه عندما يتجاوز السلطات المخولة له أو مخالفة القانون ، ولذلك يقبل الطعن فيه أمام مجلس الدولة بصفته هيئة قضائية ، وذلك أيا كانت الأسباب الدافعة لصدوره ... كما إن دور البرلمان في الفصل في بقاء المرسوم أو عدم بقائه لا يحول دون قبول الطعن)(2) .
وبهذا نكون قد انتهينا من دراسة المبحث الأول ، وننتقل لدراسة المبحث الثاني ، والذي عنوانه التدابير الضبطية للشرطة وعلاقتها بالحريات العامة .

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ طعن مدني رقم 33 / 53 ، بتاريخ 26 .7 .2006ف، منشور بشبكة المعلومات الدولية ، موقع المحكمة العليا ـ مبادئ المحكمة العليا ، الاطلاع بتاريخ 16 .8 .2009 ف.
2 ـ د محمد الوكيل ، المرجع السابق ، ص450 وما بعدها .
المبحث الثاني
التدابير الضبطية للشرطة وعلاقتها بالحريات العامة
تمهيد ،،،
تعتبر وظيفة الشرطة من أقدم الوظائف التقليدية للدولة ، وهي أحد أجنحة السلطة التنفيذية التي يناط بها حماية المجتمع من الجرائم والمخاطر التي تؤثر على أمنه واستقراره .
ولعل وظيفة الضبط الإداري هي أساس عمل الشرطة ، فهي تعني ــ كما أسلفنا ــ بأن مهمة الضبط التي تقع على عاتق الشرطة ، غايتها وقاية النظام العام والمحافظة عليه . وعند قيام الشرطة بممارسة مهامها المتمثلة في إجراءات الضبط الإداري ، يجب أن تكون في إطار سيادة حكم القانون ، بحيث تتم مراعاة حريات الأفراد ، سواء في أمنهم أو أرواحهم أو أعراضهم وأموالهم ، ومع ذلك فقد تقوم الشرطة عند ممارستها لوظيفتها ، بإجراءات تمس الحريات العامة للأفراد ، لذا أحاط المشرع الأفراد بعدة ضمانات لممارسة حرياتهم ، وفرض على الشرطة عند أدائها لمهامها بأن تكون مشروعة وبعيدة عن التعسف .
إن التزام جهاز الشرطة بالتشريعات المنظمة للحريات العامة ، هو أساس مشروعية إجراءات الضبط الإداري . فعند مخالفة رجال الشرطة لهذه التشريعات ، فأن تصرفهم يعتبر تجاوزاً للسلطة وعرضة للإلغاء من قبل القضاء . ورجال الشرطة عند تنفيذهم لمهامهم الضبطية قد تصادفهم مقاومة من الأفراد ، لذلك أجاز القانون لهم استعمال القوة لاتخاذ الإجراءات الضبطية حيالهم . والمشرع إذ أعطى لرجل الشرطة هذا الحق ، فأنه ضمنه عدة شروط يجب توافرها ، ولعل أهمها هي حالة الإخلال بالنظام العام وعدم وجود وسيلة أخرى غير استعمال القوة سواء الجسمانية أو السلاح لإعادة النظام العام إلى ما كان عليه .
من ناحية أخرى يجب أن تتوفر في رجل الشرطة مجموعة من الضوابط المهنية والسلوكية، وأن يتحلى بهذه الضوابط المنصوص عليها في القوانين واللوائح ذات العلاقة ، بحيث يكون أداؤه الضبطي وفق القانون وخاضعا له .
وتأسيساً على ما تقدم ندرس في هذا المبحث المطالب التالية :
المطلب الأول : أعمال الشرطة في مجال الضبط الإداري
المطلب الثاني : عيب الانحراف في الأداء الضبطي لرجال الشرطة
المطلب الثالث : الإجراءات الضبطية للشرطة وتأثيرها على الحريات العامة

المطلب الأول
أعمال الشرطة في مجال الضبط الإداري

عرفنا فيما سبق بأن الجهة الإدارية المناط بها المحافظة على الأمن والنظام العام هي هيئة الشرطة ، وهي هيئة مدنية نظامية ، وأن جميع الأفراد المنتمين إليها ، من ضباط وضباط صف وأفراد ، تقع على عاتقهم مسؤولية الضبط الإداري بكل عناصره التقليدية أو الحديثة.
ونظراً لأن هذه الدراسة هي بالتطبيق على الشرطة في ليبيا ، فقد رأينا ضرورة إعطاء نبذة تاريخية عن تاريخ الشرطة في ليبيا ، وذلك خلال مرحلتين ، الأولى كانت بعد الاستقلال ، والثانية بعد قيام الثورة ، والتعرض للتشريعات المنظمة لعمل الشرطة خلال هذه المرحلة .
ومن ناحية أخرى فإن السياسات الأمنية التي توضع من قبل السلطة السياسية العليا في الدولة تؤثر على الأداء الضبطي لرجال الشرطة ، وذلك وفق السياسات التي يتم وضعها ، كما إن الأوضاع الاقتصادية المحيطة برجل الشرطة لها تأثير على أدائه الضبطي أيضا .
وندرس في هذا المطلب الشرطة في ليبيا ، ثم السياسات الأمنية وتأثيرها على الأداء الضبطي ، وكذلك الأوضاع الاقتصادية وتأثيرها على الأداء الضبطي ، في ثلاثة فروع على النحو التالي :
الفرع الأول
الشرطــــة في ليبيــــا
سنقوم بدراسة التشريعات المنظمة للشرطة في ليبيا في العصر الحديث ، أي منذ الاستقلال وحتى الآن ، وذلك وفق الآتي :
أولاً ــ من الاستقلال وحتى قيام الثورة :
بعد أن حصلت ليبيا على استقلالها في 7 أكتوبر 1951ف، كانت الشرطة والتشريعات التي تنظمها من صنع المستعمر الإيطالي والبريطاني . وفى بداية عهد الاستقلال كانت الدولة الليبية قائمة على أساس اتحاد فيدرالي ، متكون من ثلاث ولايات هي ولاية طرابلس الغرب ، وولاية برقـة وولايــة فزان ، ولكـــل منها نظام إداري مستقل ، وكانت الشرطة من ضمن هذا النظام ، حيث كـان يتولى مسؤولية الشرطة بالولاية ناظر الداخلية ، وهو المسؤول عن الشرطة في ولايته ويتولى إدارتها باستقلالية تامة عن شرطة الولايات الأخرى.
وفى بداية سنة 1963ف تم توحيد الدولة وألغى نظام الولايات ، وأصبح النظام الإداري

للدولة مركزياً ، ومن ضمن ذلك نظام الشرطة ، ونتناول هاتين المرحلتين على النحو الآتي :
1 ـ مرحلة النظام الاتحادي:
نظراً لتقسيم الدولة إلى ثلاث ولايات ، أصبح لـــزاماً أن يكون لكل ولايــة جهـــاز شرطة مستقل ، وظلت هذه الولايات تقوم بتنظيم أمور الشرطة بها ، بواسطة القوانين واللوائح الصادرة أبان الاحتلال البريطاني ، واستمر العمل بها لفترة بعد الاستقلال(1) ، ثم صدرت قوانين لتنظيم الشرطة بالولايات وهى :
ـ قانون تنظيم قوة بوليس فزان سنة 1954ف (2).
ـ قانون تنظيم قوة دفاع برقة رقم 5 لسنة 1959ف (3).
ـ قانون تنظيم قوة بوليس طرابلس الغرب رقم 2 لسنة 1960ف(4) .
ومن خلال قراءة هذه القوانين يمكن ملاحظة الآتي(5):
ا ـ بالنسبة لقانون تنظيم قوة بوليس فزان.
ـ فتح المجال لكل الليبيين للانخراط في شرطة فزان ، ودون التقيد بمحل الإقامة .
ـ نفي الصفة العسكرية لقانون الشرطة.
ـ أعطى القانون اختصاصات للشرطة أهمها ، حفظ النظام العــــام ، وحماية الأرواح والأموال
ومنع وقوع الجرائم واكتشافها وضبطها .
ب ـ قانون تنظيم دفاع برقة .
ـ حدد القانون بعض اختصاصات الشرطة ، ومنها المحافظة على النظام العام (النظام الحاكم)
وبخاصة حماية العرش الملكي .
ـ ألغى القانون التشريعات الخاصة بالشرطة السابقة لصدوره .
ـ نظام تكوين قوة برقة أقرب ما يكون إلى النظام العسكري ، ويستفاد ذلك من مسميات قادة
الشرطة
ج ـ قانون تنظيم قوة بوليس طرابلس الغرب .
ـ أشار القانون إلى لفظ قوة البوليس ، واستبعد لفظ قوة الدفاع.
ـ أضاف اختصاصات أخرى للشرطة ، كالمطافئ والإنقاذ .
ـ اعتبر المشرع الشرطة هيئة مدنية تابعة لناظرالداخلية .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ عقيد عبد الفتاح عبد الله القماطى ،جوانب من تاريخ الشرطة في ليبيا من سنة 1830ف إلي سنة 2000ف ، مطابع العدل ، ب .ط ، طرابلس ، 20004 ف ، ص158 .
2 ـ الجريدة الرسمية لولاية فزان ، عدد خاص ، بتاريخ 25 .7 .1957ف .
3 ـ الجريدة الرسمية لولاية برقة ، عدد خاص ، بتاريخ 1 .4 ، 1959ف .
4 ـ الجريدة الرسمية لولاية طرابلس ، عدد خاص ، بتاريخ 7 .6 .1960 ف .
5 ـ عقيد عبدالفتاح القماطي ، المرجع السابق ، ص 159 وما بعدها .
ومن خلال ما ذكر نلاحظ الاختلاف في مكونات كل نظام عن النظم الأخرى ، وذلك من حيث(1):
* القوانين واللوائح والتعليمات التي يتم بموجبها تسيير العمل الأمني .
* الاختلاف في الزى والشارات والشعارات التي يحملها رجال البوليس .
* السلاح المستخدم في تجهيز الشرطة .
* عمليات التدريب والإعداد والتأهيل لمنتسبى البوليس .
وبالإضافة إلى ذلك توجد عدة أجهزة أخرى ، تتمثل في البوليس الاتحادي ، والحرس الملكي ، والبوليس الإضافي ، ولكل منها مهامه واختصاصاته(2).
2 ـ مرحلة الدولة الموحدة :
في هذه المرحلة أدمجت أجهزة الشرطة في جهاز واحد ، وصدر قانون موحد بالخصوص لتسرى أحكامه على كافة أجهزة البوليس ، التي كانت قائمة آنذاك . فصدر القانون رقم 33 لسنة 1962ف بشأن قوة البوليس بتاريخ 13 .12 .1962 ف ، وذلك في 52 مادة ، وزعت على ستة أبواب ، وبقراءة هذا القانون لوحظ الآتي(3):
ـ اعتبر القانون الشرطة هيئة نظامية مدنية .
ـ تسري أحكام القانون في كافة أرجاء الدولة ، وبالتالي تم إلغاء القوانين الصادرة في الولايات إبان الاتحاد الفيدرالي .
ومع ذلك ، فقد قسمت قوى البوليس إلى ثلاث وحدات ، كما هو الحال في الماضي مع بعض التغيرات ، وذلك حسب الأتي(4):
ـ منطقة طرابلس ، تعرف برئاسة قوة الأمن العام للمحافظات الغربية .
ـ منطقة بــرقة ، تعرف برئاسة قوة الأمن العام للمحافظات الشرقية .
ـ منطقة فزان ، تعرف برئاسة قوة الأمن العام للمحافظات الجنوبية .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ د محمد إبراهيم الاصيبعى ، الشرطة في النظم الإسلامية والقوانين الوضعية ، دار اقرأ ، ب ط ، مالطا ، 1990ف ، ص79 .
2 ـ البوليس الاتحادي ، له اختصاص عام على كافة أرجاء المملكة ، وله مهام محددة تتمثل في القيام بشؤون المهاجرة ، ومراقبة الأجانب والمباحث الجنائية وشعبة الاستعلامات ، ومقره في عاصمة الدولة وله فروع في المدن الهامة ، ويتبع رئاسة مجلس الوزراء . أما الحرس الملكي فهو عبارة عن مجموعة من عناصر البوليس ، يتم اختيارها ممن عرفوا بالولاء للملك والنظام الحاكم ، للقيام بحراسته وأسرته وحاشيته ، ومرافقته أثناء تنقله . أما البوليس الإضافي فهو عبارة من مجموعة من البوليس أنيطت بهم حراسة القواعد الأجنبية والمرافق التابعة لها .
ـ انظر المرجع السابق ، ص79 وما بعدها .
3 ـ الجريدة الرسمية ، عدد خاص ، السنة الثانية عشرة ، بتاريخ 15 .12 .1962ف .
4 ـ د محمد الاصيبعى ، الشرطة في النظم الإسلامية والقوانين الوضعية ، المرجع السابق ، ص80 .


ونظراً للقصور في هذا القانون ، ووجود العديد من الثغرات به ، صدر القانون رقم 18 لسنة 1964ف بشأن قوة الأمن بتاريخ 8 .10 .1964ف ، يحتوى على 60 مادة وزعت على سبعة أبواب(1).
وبالاطلاع على هذا القانون يمكن ملاحظة الآتي:
ـ اعتبر المشرع القانون ، قانون أمن وليس قانون بوليس .
ـ ألغى هذا القانون تعريف الشرطة بأنها هيئة مدنية ، وأعاد إليها مسمى قوة الأمن قوة نظامية
ـ بيّن القانون الهيكلية التنظيمية لوزارة الداخلية .
ـ ألغى القانون رقم 33 لسنة 1962ف بشأن قوة البوليس .
ـ أعطى القانون لمديري الأمن ـ طرابلس ، بنغازي ، سبها ـ سلطة الإشراف المباشر على صيانة النظام العام ، وغيرها من اختصاصات الشرطة .
ـ أنشئ بموجبه عدة إدارات بوزارة الداخلية ، وتم بيان اختصاص كل إدارة .
ـ نص القانون في (م2) باختصاص قوة الأمن بالمحافظة على الأمن والنظام العام ، وعدة اختصاصات أخرى .
ـ نص في (م3) ، لرجل قوة الأمن استعمال القوة بالقدر اللازم لأداء واجبه .
ـ نص في (م4) على الحالات التي يجوز لرجل قوة الأمن استعمال السلاح فيها .
ومن خلال تتبع التشريعات الصادرة بخصوص الشرطة أبان العهد الملكي يلاحظ إنها تنظم عمل الشرطــة لتجعل منها أداة لحماية عرش الملك وحاشيته ، فتعدد الأجهــــزة الأمنيـة وإعطاؤهـــا السلطــات لتقييد حريــات المواطنين ، جعــل منهــا أجهزة تقــوم بخدمة النظــام القائــم آنــذاك والمحافظة على وجوده ، الأمر الذي خلق نوعاً من الاستياء وعدم الارتياح مــن قبل المواطنين لجهاز الشرطة المسمى آنذاك بالبوليس ، حيث إن ذكر البوليس يثير المخاوف لدى عامة المواطنين . وبالتالي فإن طبيعة الضبط الإداري خلال هذه المرحلة تتسم بإنها طبيعة سياسية ، حيث تقوم أجهزة الشرطة بالمحافظة على نظام الحكم القائم ، ويعتبر من أولى اهتماماتها ، وان نص القانون على اختصاصها بالمحافظة على الأمن والنظام العام .
ثانياً ــ الشرطة بعد قيــــام الثورة :
بعد قيام الثورة سنة 1969ف وجدت الإدارة وكل مؤسسات الدولة تعاني من سوء التخطيط والتنظيم ، وكان من بينها جهاز الشرطة والذي كان مسخراً لخدمة أهواء النظام القائم آنذاك .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ الجريدة الرسمية ، عدد خاص ، المرجع السابق .
وبصدور الإعلان الدستوري الذي نص في (م34) منه على سريان القوانين والتشريعات القائمة فيما لا يتعارض مع أحكام الإعلان الدستوري ، فان القانون رقم 18 لسنة 1964ف لم يلغ ، وبقي ساري المفعول للعمل بمقتضاه .
وقد أولت الثورة اهتماماً كبيراً بقطاع الأمن ، حيث سخرت العديد من الإمكانيات لأجل النهوض بهذا المرفق الحيوي ، وقامت بالعديد من الخطوات أهمها ما يلي(1):
1 ـ صدر قرار عن مجلس قيادة الثورة بتاريخ 19 .1 .1970ف بشأن تنظيم أجهزة الأمن بوزارة الداخلية ، حيث أشارت (م1) إلي أن البناء التنظيمي لأجهزة الأمن يتكون من :
ا ـ الوزير ، وهو المشرف العام على جميع أجهزة الأمن وعدة إدارات أخرى.
ب ـ وكيل الوزارة ، ويشرف علي عدة إدارات تضم الإدارة العامة لشؤون الأمن ، الإدارة العامة للهجرة والجوازات والجنسية ، الإدارة العامة لشؤون الأفراد والشؤون الإدارية والمالية.
ج ـ مديريات الأمن ، بحيث تكون مديرية بكل محافظة من محافظات الجمهورية .
2 ـ صدر قرار مجلس قيادة الثورة بتاريخ 3 .2 .1970ف بشأن إنشاء الإدارة العامة للمباحث العامة ، وهي إدارة تتبع الوزير ، وكان من أهم اختصاصاتها .
ا ـ البحث والتحري في القضايا السياسية والجرائم التي تتعلق بأمن الدولة .
ب ـ مراقبة كل نشاط ضار بأمن الدولة .
ج ـ ملاحظة المنظمات المحلية ذات المبادئ الهدامة والخطرة على أمن الدولة .
3 ـ تم تدعيم جهـــاز الشرطــة بعدة دفعات مـــن الطلبة خريجي الجامعـــات والمعاهد العليا ،
وانضمامهم لهذا الجهاز ليقوموا بتأدية واجبهم خدمة للشعب ولأهداف الثورة .
4 ـ صدر القانون رقم 6 لسنة 1972ف بشأن الشرطة (2)، متكون من أربعة أقسام و111 مادة،
حيث جاء في (م1) منه اعتبار الشرطة هيئة مدنية نظامية تابعة لوزارة الداخلية ، على عكس القانون السابق والذي اعتبر الشرطة قوة نظامية مسلحة .
أما (م3) من القانون ، فقد عددت اختصاصات هيئة الشرطة ، ونصت على أن الشرطــة تختص بالمحافظة على النظام والأمن العام وحماية الأرواح والأعراض والأموال ، وعلى الأخص منع الجرائم وضبطها وتنظيم المرور وإدارة السجون وأعمال الدفاع المدني وشؤون الجوازات والجنسية وشؤون البطاقات الشخصية ، وغير ذلك مما تفرضه القوانين واللوائح .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ عقيد عبد الفتاح القماطى ، المرجع السابق ، ص252 وما بعدها .
2 ـ الجريدة الرسمية ، العدد 16 ، السنة العاشرة ، 18 ابريل 1972 ف . ص650 وما بعدها .
وفى (م4) أجاز القانون لرجل الشرطة استعمال القوة بالقدر اللازم لأداء واجبه ، عندما تكون هي الوسيلة الوحيدة لذلك ، كما أشارت هذه المادة إلى الأحوال التي يجوز لرجل الشرطة استعمال السلاح ، وذلك على سبيل الحصر .
كما إن (م5) من القانون تعرضت للبناء التنظيمي لأجهزة الشرطة والمتكون من الوزير ، وكيل الوزارة ، الإدارات العامة ، ومديريات الأمن .
وألغت (م110) القانون رقم 18 لسنة 1964ف بشأن الشرطة ، ونصت على أن يستمر العمل باللوائح والقرارات التنفيذية للقانون الملغى ، فيما لا يتعارض مع أحكام هذا القانون .
وقد شهدت فترة ما بعد قيام الثورة تطوراً ملحوظاً ، حيث أدخلت الميكنة وأسست مؤسسات علمية لتدريب كوادر الشرطة ، فصدر القانون رقم 1 لسنة 1976ف(1) الخاص باستحداث كلية الشرطة لتخريج ضباط أكفاء في مختلف المجالات الأمنية ، كما تم بعث عدة معاهد لتدريب المنخرطين في جهاز الشرطة ، وتخريجهم كضباط صف لدعم جهاز الشرطة . بالإضافة إلى إيفاد عدد من أعضاء الشرطة في دورات خارجية لزيادة قدراتهم العلمية والقيادية .
وبعد إعلان قيام سلطة الشعب في 2 .3 .1977ف ، شهدت الإدارة في ليبيا بصفة عامة نقلة نوعية ، وتغييراً ملموساً ، بحيث انتقلت السلطة إلى الجماهير ، أي إلى كل فئات الشعب ، وفي هذا الإطار كان لا بد أن تتغير ملامح الوظيفة الشرطية ، وعدم التقيد بالوظيفة التقليدية .
وفى هذه المرحلة حظيت الشرطة بدعم لا محدود من جماهير المؤتمرات الشعبية الأساسية ، حيث كانت توصيانها تؤكد دائما على الاهتمام بجهاز الشرطة ، ودعمه بكل الإمكانيات البشرية والمادية وتطــوير عملها بالأساليب العلمية الحديثة ، حتــى أصبحت خدمــات الشرطــة تجسيداً
لمقولة " الشرطة في خدمة الشعب" ، وهذا إن دل على شيء ، فإنما يدل على تقارب العلاقة بين رجل الشرطة والمواطن وتفهم دور كل منهما للأخر . فظهر إلى الأفق مفهوم جديد عرف بالأمن الشعبي المحلي ، والذي يعني تعاون الجماهير مع الشرطة ، والمشاركــة في القيام بأعمال الحراسة الذاتية في المنشآت الاقتصاديــــــة والمرافق العامة ، والأحياء والميادين وغيرها . فالأمن الشعبي خطوة متقدمة لتأكيد السلطة الشعبية المباشرة ، وتجسيدٌ لدور المواطن الواعي المتفهم المدرك لمسؤولياته ، والتزامه في توفير أمنه واستقراره وطمأنينته في إطار أسرته ومحلته(2).

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ الجريدة الرسمية ،العدد9 ، السنة الرابعة عشر، 8 .2 .1976ف ، ص411. .
2ـ د محمد إبراهيم الاصيبعى ، مسيرة الأمن في عهد الثورة ، مجلة الأمن العام الليبية، ، العدد10 بتاريخ 26 .2 .1428ميلادية (1998ف)ص30 .
وقد توج ذلك بصدور القانون رقم 18 لسنة 1985ف بشان الأمن الشعبي المحلى(1) ، الذي نظم عمليات المشاركة وحدود وواجبات المتطوعين ومسئولياتهم والحماية القانونية لهم ، وعلاقتهم مع الشرطة النظامية ، وعلى الصعيد الإداري أجريت تعديلات لتتناسب مع هذه التغييرات ، فتم دمج أجهزة الأمن العام مع القضاء والنيابة تحت مسمى أمانة اللجنة الشعبية العامة للعدل ، واختفت مديريات الأمن لتحل محلها أمانات اللجان الشعبية النوعية للعدل بالبلديات ، يتم اختيار أمينها من المؤتمرات الشعبية الأساسية ، للقيام بتنفيذ السياسات التي تقررها الجماهير في مجال الأمن والشرطة ، على أن يتم التنسيق بين هذه الأمانات عن طريق ديوان الأمانة بالعاصمة ، باعتبارها هيئة فنية استشارية أكثر منها سلطة رئاسية(2).
وقد استمر العمل بهذا القانون لحين صدور قانون الأمن والشرطة الحالي رقم 10لسنة 1992ف الذي نص في (م1) على أن الأمن في المجتمع الجماهيري مسؤولية كل مواطن ومواطنة ، وفى (م6) على قبول متطوعين للعمل بالأمن الشعبي دون تفرغ للمساهمة في المحافظة على الأمن والنظام العام والقيام بأية مهام أخرى .
كما نصت (م10) على أن (الشرطـــة هيئة مدنية نظاميـة تابعـة للجنة الشعبيـة العامــة للعـــدل ـ اللجنة الشعبية العامة للأمن العام حاليا ـ تتولى تنفيذ الخطط المتعلقة ببرنامج الأمن الشعبي والمحافظة على أمن الجماهيرية والنظام العام وحماية الأرواح والأعراض والأموال ).
وأشارت (م11) إلى اختصاصات هيئة الشرطة فنصت على ( تختص هيئة الشرطة بمنع الجرائم وضبطها ومتابعتها ، وتنظيم المرور وشؤون الإصلاح والتأهيل وأعمال الدفاع المدني، وأعمال الجوازات والجنسية والبطاقات الشخصية وشؤون الأجانب ، وغيرها من الاختصاصات الأخرى المنصوص عليها في التشريعات النافذة) ، أما المادة (م13) من القانون فقد أجازت لعضو هيئة الشرطة استعمال القوة ، لتأدية واجبه ، عندما تكون هي الوسيلة الوحيدة لذلك ، كما أجازت له استعمال السلاح في أحوال معينة ذكرتها على سبيل الحصر .
وقد رأى المشرع (المؤتمرات الشعبية الأساسية) ، استحداث قطاعات جديدة من ضمنها قطاع الأمن العام(3)، وأصبحت الشرطة تدار بواسطة لجنة شعبية عامة للأمن العام ، منفصلة عن اللجنة الشعبية العامة للعدل ، تختص بالقيام بمهام المسؤوليات الأمنية ، في مجالات الوقاية من الجريمة ومكافحتها ، وفى مجال الخدمات الإدارية والاجتماعية والضبطية القضائية وغيرها ،
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ الجريدة الرسمية ، العدد 28 ، السنة الثالثة والعشرون ، 12 .11 .1985ف ، ص907 .
2 ـ د محمد إبراهيم الاصيبعى ، الشرطة في النظم الإسلامية والقوانين الوضعية ، المرجع السابق ، ص87 وما بعدها .
3 ـ مدونة التشريعات ، العدد 1 ، السنة الرابعة ، المرجع السابق ، ص26 ـ سبقت الإشارة إليه ص103
وفى هذه المرحلة تضمن تنظيم اللجنة الشعبية العامة للأمن العام اشتماله على الآتي(1) :
1 ـ استحداث إدارات جديدة تلبية للحاجة الأمنية لها ، مثل الإدارة العامة للشرطة السياحية وحماية الآثار، والإدارة العامة لحماية الطاقة الكهربائية ، والإدارة العامة لحماية الآداب العامة والإدارة العامة لمكافحة التسلل والهجرة غير الشرعية ، ويتمثل دورها في الضبط الإداري الخاص .
2 ـ بعث العديد من مديريات الأمن بكل شعبية من شعبيات الجماهيرية .
3 ـ استحداث إدارة للأمن الشعبي المحلي ، تتولى التخطيط والإشراف على مكاتب الأمن الشعبي بالتنسيق مع مديريات الأمن العام .
وقد حظي قطاع الأمن العام بالدعم اللامحدود ، الذي اثر إيجابا على الناحية الأمنية في الدولة ، وتمثل هذا الدعم في :
ا ـ إعادة تقييم منهج كلية ضباط الشرطة ، بإضافة المواد القانونية التي تدرس في كلية القانون ، إلى منهج الكلية المتمثل في المواد العسكرية ، لتصبح مدة الدراسة بالكلية أربع سنوات بدلاً من سنتين ، ويتخرج الطالب حاملاً مؤهلاً في القانون .
ب ـ استحداث كلية الدراسات العليا للعلوم الأمنية ، لفتح الأفاق العلمية إمام ضباط الشرطة ، وتطوير العمل الأمني والدفع به لمزيد من الكفاية والمسؤولية .
ج ـ استحداث مركز البحوث والدراسات الأمنية لتتبع الظواهر والمعوقات ، وإخضاعها للبحث والدراسة بأسلوب علمي .
د ـ بعث كلية ضابطات الشرطة ، لتخريج ضابطات يشاركن في أداء المهام الأمنية التي تتناسب وعمل المرآة .
ومن خلال ما تقدم يتضح لنا أن مسيرة الشرطة في ليبيا حديثة نسبياً ، ورغم ذلك فقد أخذت الشرطة على عاتقها تنفيذ السياسات الأمنية المناطة بها ، ولعل مــا تتمتع به ليبيا مــن أمـــــن
وأمان لهو الدليل الملموس على حقيقة مـــا تقوم بــه الأجهزة الأمنية مــن حفظ الأمن والنظــام
العــــام بالدولة ، والسهر على راحة المواطنين . كما إن العلاقة الوثيقة بين المواطن وأجهزة الشرطة تعطي انطباعاً لتفهم المواطن لدوره الأمني وتعاونه مع هذه الأجهزة ، ضماناً لاستمرار واستقرار الأمن .

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ د محمد إبراهيم الأصيبعي ، مسيرة الأمن في عهد الثورة ، مجلة الأمن العام الليبية ، المرجع السابق ، ص32 . وكذلك (م9) من قرار اللجنة الشعبية العامة رقم 288 لسنة 1374ور بإعادة تنظيم الجهاز الإداري للجنة الشعبية العامة للأمن العام ، سبقت الإشارة إليه .

الفرع الثاني
السياسات الأمنية وتأثيرها على الأداء الضبطي
تسعى معظم الدول لوضع سياسيات أمنية عامة ، بهدف المحافظة على كيان الدولة ووحدتها وصيانة النظام العام بها ، وترسم هذه السياسات من قبل السلطة السياسية العليا بالدولة، ويؤكل أمر تنفيذ هذه السياسات إلى الأجهزة المختصة بحماية كيان الدولة واستقرارها الأمني، وأحد أهم هذه الأجهزة هو جهاز الشرطة ـ في ليبيا ـ الذي تشرف عليه أمانة اللجنة الشعبية العامة للأمن العام ( وزارة الداخلية ) وتتولى مسؤولية تنفيذ هذه السياسات بكل أجهزتها ومصالحها وإداراتها ، فتقوم بوضع الخطط والبرامج الأمنية التي تهدف لتطبيق هذه السياسات على ارض الواقع.
إن مهمة جهاز الشرطة هي المحافظة على كيان الدولة وحماية مؤسساتها القائمة ، وكذلك التصدي لكل الأنشطة المعادية التي تستهدف زعزعة أمن الدولة واستقرارها ، باعتبار جهاز الشرطة أحد أجنحة السلطة التنفيذية في الدولة ، فإن من مهامه تطبيق السياسة الأمنية التي توضع من قبل القيادة السياسية ، والمتمثلة في ما تصدره من خطط وقرارات وتعليمات بهدف المحافظة على النظام العام في الدولة .
ومفهوم السياسات الأمنية يختلف من دولة لأخرى ، فهناك دولٌ تفرض سياسات أمنية مشددة ، وتؤكل أمر تنفيذها لجهاز الشرطة وأجهزة أمنية أخرى ، والغرض من هذه السياسات هو تحقيق استقرار الحاكمين وأمنهم ، ومن ثم استقرار النظام الحاكم في الدولة ، وهنا تتحول سلطات الضبط ( الشرطة) من مجرد سلطات قانونية محايدة إلى سلطات ذات طبيعة سياسية تستغلها السلطات الحاكمة لتحقيق مآربها في البقاء بالسلطة مدة أطول ، وذلك على حساب حريات الأفراد ، ويظهر ذلك بوضوح في الدول الدكتاتورية التي تنعدم فيها الحريات العامة ، الأمر الذي يؤدي إلي اختلال موازين الأمن والاستقرار بها ، وتعرضها بين الحين والآخر لحركة انقلاب أو تمرد تهدد أمنها واستقرارها ، ويظهر ذلك جلياً في بعض دول العالم الثالث وبخاصة الدول الأفريقية .
والأمر يختلف في الدول القانونية التي تطبق الديمقراطية ، فسياساتها الأمنية لا تمس الحريات العامة إلا بأقل التدابير إعاقة لها ، متى كان التدبير الضبطي كافياً لتحقيق أغراضه ، وتتضمن السياسة الأمنية بهذه الدول تفسير امتيازات الضبط الإداري المقررة تفسيراً ضيقاً احتراماً للحرية ، بحيث إن وظيفة الضبط الإداري تنصرف إلى حماية الأوضاع الرتيبة في المجتمع وتوفير السكينة والأمن والنظام والصحة العامة له . فالضبط الإدارى يشكل جوهر السياسة الأمنية للدولة ويخضع لسيادة القانون(1).
وغالبا ما تتوسع هذه السياسات الأمنية في تعريف ماهية المخاطر التي قد تحدث بالدولة ، لكي تضمن مزيداً من الاستقرار ، حيث يفضل دائماً اللجوء إلى الوسائل الضبطية عوضاً عن الوسائل الأخرى ، التي قد تتوسع في تفسير مفهوم الأخطار الأمنية ، وتنحرف في استعمال سلطاتها الضبطية دون مراعاة للحريات العامة ، التي قد تنتهك بسبب هذه الممارسات الأمنية بدعوى المحافظة على النظام العام في المجتمع ودفع الأخطار التي قد يتعرض لها .
والسياسات الأمنية للنظام السياسي القائم هي التي تفسر السلوك الضبطي عند ممارسته ، ومنها التوسع الذي تتخذه سلطات الضبط اتجاه تيارات سياسية معينة أو جماعات متطرفة ، وتختلف هذه السياسات من وقت إلى آخر ومن دولة إلى أخرى ، وهذه السياسات قد تقبل تجاوزات قانونية أو إفراطاً في استعمال القوة ، لمواجهة هذه الجماعات والمخاطر الأمنية التي تسببها ، وقد يؤدى توسع وطغيان الممارسة الضبطية إلى انعكاسات سلبية على الاعتبارات المتعلقة بالحريات العامة(2).
ويجب أن يكون هناك تناسباً في استعمال السياسات الضبطية ، ففي حالة وجود مخاطر وتهديدات من جماعات مسلحة تهدد أمن الدولة ، فإن الإجراءات التي تتخذ من قبل السلطات الضبطية تتسم بالصرامة والقوة ، في حين أن الإجراءات الضبطية التي قد تتخذ لمواجهة تجمهر أو مظاهرة تكون أقل قوة وعنفاً ، لأنها قد لا تهدد النظام العام بقدر مـا تهدده الجماعات
المسلحة . والسياسات الأمنية متغيرة حسب المخــاطر التي تهدد المجتمع ، فالسياسات الأمنية
التي وضعت لمواجهة حركة الإخوان المسلمين في مصر خلال القرن الماضي ، ليست مثل تلك السياسات التي اتخذت مع بداية القرن الحالي لمواجهة الإرهاب ، وبخاصة تلك الجماعات المسلحة التابعة لما يسمى بتنظيم القاعدة .
إن عدم دقة المعلومات والتلاعب بها من قبل المسؤولين في قمة السلطة التنفيذية ، والتوسع في مفهوم المخاطر الأمنية بناء على هذه المعلومات ، قد يؤدي إلى انحراف السلطات الضبطية وإهدارها للحريات العامة ، بحجة التصدي بإجراءات احترازية لمواجهة المخاطر الأمنية التي قد تهدد المجتمع بناء على هذه المعلومات . وقد يرجع سبب هذا التوسع من قبل القائمين على

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ د مجدي احمد فتح الله ، المرجع السابق ، ص321 وما بعدها .
2 ـ نفس المرجع السابق ، ص322 .

السياسات الأمنية ، إلى عدم توقع المساءلة من الجهات المختصة عند إساءة استعمال السلطة الضبطية ، وعدم وجود جهات رقابية فعلية على تلك السلطات ، الأمر الذي يخشى معه أن تعتبر الممارسات المتجاوزة لها من قبل الدفاع عن النفس ، اضطرت إليه حتى لا تفقد هيبتها(1).
ورجال الشرطة تتفاوت طريقة تصرفاتهم الضبطية أثناء ممارستهم وتطبيقهم للسياسات الأمنية على أرض الواقع ، فالموقف الأمني الواحد تكون له ردود أفعال مختلفة ، بحسب نظرة القيادة الأمنية المكلفة بتنفيذ هذه السياسات ، فعندما تكون السياسة الأمنية متشددة ، تتسم تصرفاتهم بالقوة وتجاهل القانون ، فإنه بالتالي تتسم ردود أفعال منفذي هذه السياسة بالتشدد اتجاه ما يسمى بالمخاطر الأمنية ، أما إذا كانت السياسة الأمنية تتسم بالاتزان والموضوعية ، فإن تصرفات رجال الشرطة بالتالي تتسم بالمرونة والجدية واحترام القانون ، ومن تم احترام الحريات العامة .
وتحقيقاً للسياسة الأمنية المثلي فإن الأمر يستلزم أن تتم مراقبة تصرفات رجال الشرطة ، أثناء قيامهم بتنفيذ مهامهم من قبل الجهات الرئاسية الأعلى ، ومن الجهات الأخرى التشريعية والقضائية ، وتعتبر شخصية رجل الشرطة هي المعول الأهم للقيام بالعملية الضبطية ، ومدى مراعاته لاعتبارات الضمير والرقي الحضاري مع سمو شخصيته، ولذا فإنه من المهم التأكيد على مراعاة عناصر الاختيار عند تعيين أفراد بجهاز الشرطة ، وتبدو الأهمية البالغة في دقة اختيار رجل الضبط ، لانعكاس ذلك بصفة مستمرة ودائمة على الأداء الضبطي له(2).








ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ ممدوح عبد الحميد عبد المطلب ، سيكولوجية الأداء الضبطي لسلطات الضبط الإدارى ، مجلة العلوم الإدارية ، العدد الأول ، السنة الخامسة والثلاثون ، يونيو 1993ف ، ص123 .
2 ـ نفس المرجع السابق ، ص128 .

الفـــــــــــرع الثالث
الأوضاع الاقتصادية وتأثيرها على الأداء الضبطي
يؤثر الوضع الاقتصادي بطريقة أو بأخرى على الأداء الضبطي لرجال الشرطة ، ومرجع ذلك تأثير الحاجة الاقتصادية ، سواء على رجل الشرطة نفسه ، أو على أسلوب ممارسته لمهامه . فرجل الضبط يتأثر بالحاجة الاقتصادية لأنه جزء من المجتمع يتفاعل معه ويتعايش بداخله ، وذلك لأن حاجته الشخصية تؤثر على أدائه الضبطي ، فهو كأحد أفراد المجتمع مطالب بالمستوى اللائق وظيفياً ومعيشياً ، وأي خلل اقتصادي يؤثر عليه بالضرورة(1).
ورجل الشرطة يجب أن ينتقى من أفضل أفراد المجتمع ، لأن مهامه وممارسته لوظيفته تتصل بحريات الأفراد ، وتقع عليه مسؤولية المحافظة على أمنهم وأرواحهم وأموالهم ، ولهذا يجب أن يكون قدوة حسنة ومثلاً أعلى في احترام وظيفته ، وبخاصة وأن وظيفته تتعلق بحفظ النظام العام ووقاية المجتمع من ارتكاب الجرائم التي قد تهدد أمنه واستقراره .
وقد يقوم بعض ضعاف النفوس من رجال الضبط ، بحكم تأثير الظروف الاقتصادية ، باستغلال وظيفتهم من أجل تحقيق منفعة شخصية أو أرباح مادية لهم أو لغيرهم ، فقد يذعن البعض من رجال الشرطة تحت تأثير الظروف الاقتصادية ، وإغراءات القائمين بالسلوك الإجرامي بالانزلاق في متاهات الإجرام أو المساعدة في قيام هذا السلوك الإجرامي . وذلك بأن يكون شريكاً في جريمة أو متهماً في إحدى قضايا الأمن العام ، مثل جرائم الاختلاس والرشوة والسرقة ، وكذلك جلب المخدرات أو الاتجار فيها ، وتكًون صور الانحراف هذه عدة عوامل أخرى متشابكة ومتداخلة ، وإن كان أهمها العامل الاقتصادي(2). أو قيامه بتسهيل ارتكاب جريمة مقابل تقاضيه مبالغ مالية ، كجرائم التهريب المختلفة والهجرة غير الشرعية وغيرها .
وفى هذا قضت المحكمة العليا في أحد أحكامها ( وحيث إن الثابت من ملف الدعوى وما أودع فيه من مستندات والتحقيقات التي تمت مع الطاعنين والقرار المطعون فيه الذي صادق على قرار مجلس التأديب بأسبابه أن الطاعنين بصفتيهما من ضمن حرس الجمارك برتبة ملازم قد ارتكبا المخالفات الجسيمة أثناء قيامهما بعملهما بالميناء ومساعدتهما آخـــرين بتهريب ثماني حــاويات سجائر مقابل قبولهم رشوة بمبالغ كبيرة تقدر بالآلاف في كــل مـــرة ضاربين عرض الحائط بقانون الجمارك واللوائح الصادرة بمقتضاه ومــــا يتطلبه من إجراء في هـــذا الشأن
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ ممدوح عبد الحميد عبد المطلب ، سيكولوجية الأداء الضبطي لسلطات الضبط الإدارى ، المرجع السابق ، ص130 .
2 ـ د مجدي احمد فتح الله ، المرجع السابق ، ص328 .

إضافة إلى إساءة استعمال وظيفتهما واستغلالها خلافاً للقانون وأعراف المهنة )(1)
ونظراً لأهمية العامل الاقتصادي في المجال الأمني ، برز مفهوم الأمن الاقتصادي كأحد مكونات النظام العام بمفهومه المعاصر ـ كما سبقت الإشارة ـ وهو يعني توازن المتغيرات الاقتصادية التي لها تأثيرات قوية على الأوضاع الأمنية ، بما يحقق وضعاً أمنياً ممكناً في ظل الإمكانيات المتاحة ووفق الظروف المحيطة ، وبهذا تبدو العلاقة وثيقة والتأثير متبادل بين الأمن الاقتصادي من ناحية ، والاستقرار الاقتصادي من ناحية أخرى(2).
فعند قيام سلطات الضبط الإداري بممارسة أدائها الضبطي على أكمل وجه ، يتم توفير المناخ الأمني المناسب ، الذي بدوره يحفز الأفراد على استثمار أموالهم ، والانخراط في العملية الإنتاجية ، والمشاركة في النهوض باقتصاد الدولة ، أما في حالة وجود ظروف أمنية غير عادية وعدم استقرار أمنى ، ففي هذه الحالة يميل الأفراد إلى عدم المشاركة في الحياة الاقتصادية للمجتمع ، وذلك باكتناز أموالهم وحجبها عن التداول بدافع حمايتها وعدم استثمارها خشية فقدانها . ولعل خير مثال على ذلك ما يشهده قطاع السياحة في بعض الدول التي بها اضطرابات داخلية ، أو تحدث بها بين الحين والآخر تهديدات أمنية للنظام العام بها ، فيلاحظ هنا إحجام السياح عن السفر إلى هذه الدول ، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض عائد السياحة ، الذي قد يكون أحد الموارد الرئيسية لهذه الدول كالمغرب ومصر وغيرها .











ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ طعن إداري رقم 127/48ق ، بتاريخ 27 .2 .2005ف ، مجموعة أحكـــام المحكمة العليا ، القضاء الإداري ، لسنة 2005ف ، ص 177 .
2 ـ د مجدي احمد فتح الله، المرجع السابق ، 328 .

المطلب الثاني
عيب الانحراف في الأداء الضبطي لرجال الشرطة
إن هدف الإدارة من إصدار قراراتها هو تحقيق المصلحة العامة ، وأثناء ممارستها لإجراءات الضبط الإداري كأحد أنشطتها فإنها تلتزم بالأهداف المخصصة لها ، لتحقيق غايتها وهي المحافظة على النظام العام ، وبالتالي لا يحق لها استخدام سلطاتها في تحقيق أهداف مغايرة . فسلطات الضبط لا يمكنها الخروج عن الأهداف المحددة لها لصيانة النظام العام ، وعند خروجها عن ذلك يصبح قرارها غير مشروع ، لوجود عيب الانحراف به .
ويكون القرار الإداري معيبا بعيب الانحراف بالسلطة ، إذا استعمل رجل الشرطة صلاحياته لتحقيق غاية غير تلك التي حددها القانون ، ويتصل هذا العيب بنية مصدر القرار ، لذلك يقترن هذا العيب بالسلطة التقديرية ، ولا يثار إذا كانت سلطة رجل الشرطة مقيدة بحدود معينة .
وقد تناول القضاء الإداري في ليبيا والقانون المقارن عيب الانحراف بالسلطة ، واعتبر عيباً احتياطياً لا يبحث في وجوده طالما أن هناك عيباً آخر شاب القرار الإداري ، كعيب عدم الاختصاص أو عيب السبب ، نظراً لأنه يتصل بالبواعث النفسية الخفية لمصدر القرار ، وإثباته يتطلب أن يبحث القضاء في وجود هذه البواعث ويصعب على المدعى أثبات ذلك .
بناء على ما تقدم يمكن تقسيم هذا المطلب إلى ثلاثة فروع ، نتناول في الأول مفهوم عيب الانحراف ، وفي الثاني خصائص وحالات عيب الانحراف ، وفي الفرع الثالث ندرس إثبات عيب الانحراف في الأداء الضبطي ، وذلك على النحو التالي . :
الفرع الأول
مفهوم عيب الانحراف بالأداء الضبطي
ندرس مفهوم عيب الانحراف بالسلطة ، من خلال موقف المشرع والفقه وكذلك القضاء الإداري ، وذلك على النحو التالي :ـ
أولاً ــ موقف المشرع :
1 ـ المشرع المصري :
تناول المشرع المصري عيب الانحراف بالسلطة ، وعيوب القرار الإداري الأخرى ، وذلك بقانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972ف ، حيث نصت (م10/14) المحددة لاختصاص مجلس الدولة على انه ( يشترط في طلبات إلغاء القرارات الإدارية النهائية أن يكون مرجع الطعن عــدم الاختصاص أو عيب في الشكل أو مخالفـــة القوانين أو اللوائح ، أو الخطـــأ في


تطبيقها وتأويلها أو إساءة استعمال السلطة)(1).
2 ـ المشرع الليبي :
تناول المشرع الليبي في (م2) من قانون القضاء الإداري ، رقم 88 لسنة 1971ف(2)عيب إساءة استعمال السلطة بوصفه أحد أوجه الطعن بالإلغاء للقرارات الإدارية . حيث نصت على (...ويشترط لقبول الطلبات المنصوص عليها في البنود 2 ،3 ،4 ، 5 ،6 من الفقرة السابقـــة
إن يكون مرجع الطعن عدم الاختصاص أو وجود عيب في الشكل أو مخالفة القوانين واللوائح أو الخطأ في تطبيقها أو إساءة استعمال السلطة).
أما بالنسبة للقانون رقم 6 لسنة 1982ف بإعادة تنظيم المحكمة العليا (3)، فقد أعطى إمكانية الطعن أمامها بإلغاء القرارات الإدارية المشوبة بأحد عيوب القرار الإداري ، وذلك وفق ما جاء في (م24/2) ، التي تفيد باختصاص المحكمة العليا بنظر الأحكام الصادرة عن محاكم الاستئناف منعقدة بهيئة قضاء إداري طبقا للقانون رقم 88/71ف.
ثانياً ــ موقف الفقه :
1 ـ الفقه الفرنسي :
ذهب بعض الفقه الفرنسي إلى ( أنه يوجد انحراف بالسلطة عندما تستخدم الإدارة اختصاصاتها من أجل غرض غير المصلحة العامة ، سواء كان هذا الغرض مصلحة خاصة أو هدفاً سياسياً ، ويوجد كذلك انحراف بالسلطة عندما تتخذ جهة الإدارة قراراً من أجل هدف يتعلق بالمصلحة العامة ، ولكنه أجنبي عن الهدف الذي حدده التشريع الذي تدعي الإدارة تطبيقه)(4). ويرى الأستاذ "Roulan " أن عضو الإدارة يرتكب عيب الانحراف ، حينما يستعمل سلطاته متمشيا مع حرفية النص ، ولكنه يرمى في الحقيقة إلي تحقيق هدف آخر ، غير الذي من أجله منح هذه السلطات(5).
2 ـ الفقه المصري:
هناك العديد من التعريفات التي أوردها الفقه المصري بخصوص عيب الانحراف بالسلطة ، ويلاحظ أن أراء الفقه قد تنوعت حـــول تحديد المصطلح ، الــذي يطلق على إساءة استعمال
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ د عبد العزيز عبد المنعم خليفة : الانحراف بالسلطة كسبب لإلغاء القرار الإداري ، دار الفكر الجامعي ، ب ط ، ب م ، 2001ف ، ص30 .
2ـ الجريدة الرسمية ، العدد 59 ، السنة التاسعة ، بتاريخ 24 .12 .1971ف ، ص1234 .

3 ـ الجريدة الرسمية ، العدد 22 ، السنة العشرون ، بتاريخ 7 .8 .1982ف ، ص758 .
4 ـ د عبد العزيز عبد المنعم خليفة ، المرجع السابق ، ص33 .
5 ـ د مجدي احمد فتح الله ، المرجع السابق ، ص357 .
السلطة إلى أربعة اتجاهات ، حيث أطلق بعض الفقه تعبير إساءة استعمال السلطة ، بينما جمع
البعض الآخر ما بين مصطلحي إساءة استعمال السلطة والانحراف بها ، وذهب اتجاه ثالث إلى تسميته عيب الغاية ، وأخيراً فضل البعض تسميته عيب الانحراف بالسلطة(1).
ومن خلال هذه الاتجاهات نؤيد الاتجاه المنادى باصطلاح "عيب الانحراف بالسلطة " توافقا مع أحكام القضاء الإداري . وقد عرف عيب الانحراف بالسلطة بأنه ( استخدام الإدارة لسلطاتها من أجل تحقيق غاية غير مشروعة ، سواء بابتغاء غاية بعيدة عن المصلحة العامة ، أو بابتغاء هدف مغاير للهدف الذي حدده القانون) (2).
وذهب الأستاذ د الطماوى إلى ( أن الانحراف هو استعمال رجل الإدارة سلطته التقديرية لتحقيق غرض غير معترف له به) (3).
3 ـ الفقــــه الليبي :
ذهب بعض الفقه الليبي إلى تعريف عيب الانحراف بالسلطة بأنه ( استخدام الإدارة سلطاتها لغير الغرض الذي وضعه المشرع لها)(4).
وعرفه آخر بأنه ( خروج الإدارة عند مباشرتها لأوجه نشاطها ، عن هدف الصالح العام ، أو عن الأهداف التي ينص عليها المشرع عند تحديده لاختصاصاتها)(5).
ومن خلال عرض التعريفات السابقة ، نلاحظ بأنها أجمعت على أن عيب الانحراف بالسلطة ، يتحقق عند مخالفة الإدارة للأهداف التي رسمها القانون ، وغايتها في تحقيق أهداف خاصة والباحث يؤيد ما ذهب إليه د الطماوى في تعريفه لعيب الانحراف بالسلطة ، لأنه ربط بين عيب الانحراف بالسلطة والسلطة التقديرية للإدارة ، لأنها المجال الخصب لهذا العيب ، كما أنه حدد علاقة هذا العيب بالغاية أو الهدف من القرار الإداري.
ثالثـــــاً ــ موقف القضاء :
1 ـ القضاء المصري :
عرفت المحكمة الإدارية العليا عيب الانحراف بالسلطة بأنه ( من العيوب القصدية في السلوك الإداري ، قوامها أن يكون لدى الإدارة قصد إساءة استعمال السلطة أو الانحـــراف بها ، فعيب استعمال السلطة ، الذي يبرر إلغاء القرار الإداري أو التعويض عنــه ، يجب أن يشوب
الغايــة منه ذاتها ، بأن تكون جهة الإدارة قد تنكبت وجه المصلحة العامة التي يجب أن يتغياها
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ د عبد العزيز عبد المنعم ، المرجع السابق ، ص35 .
2ـ ممدوح عبد الحميد ، سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية ، المرجع السابق ، ص358 .
3 ـ د مجدي احمد فتح الله ، المرجع السابق ، ص357 .
4 ـ د خليفة على الجبرانى ، المرجع السابق ، ص367 .
5 ـ د محمد عبدا لله الحراري ، الرقابة على أعمال الإدارة في القانون الليبي، رقابة دوائر القضاء الإداري، المركز القومي للبحوث والدراسات العلمية ، ط 4 ، طرابلس ، 2003ف ، ص235 .
القـرار، وأن تكون قد أصدرت القرار بباعث لا يمت لتلك المصلحة ، وعلى هذا الأساس فإن عيب إساءة استعمال السلطة يجب إقامة الدليل عليه ، لأنه لا يفترض)(1).
2 ـ القضاء الليبي:
تعرضت المحكمة العليا في عدة أحكام لها ، لعيب الانحراف بالسلطة ، وجــاء في أحد أحكامها ( ذلك إن المستقر عليه في الفقه والقضاء الإداري إن عيب الانحراف الذي يبطل عمل الإدارة يقع عندما تستعمل الإدارة سلطتها التقديرية لتحقيق غرض غير معترف به ، ويظهر خطره في أن الإدارة تحاول أن تحقق جميع أغراضها غير المشروعة في حماية من مظهر المشروعية ،وأنه لما كان هذا العيب يتميز بأنه خفي يستره مظهر من المشروعية الشكلية ، فإن مهمة إثباته دقيقة وتقع على عاتق طالب الإلغاء ما لم يكن القرار بذاته ، أي باستقراء أسبابه ، كافياً للدلالة عليه)(2).
الفرع الثاني
خصائص وحالات عيب الانحراف في الأداء الضبطي
أولاً ــ خصائص عيب الانحراف:ـ
لعيب الانحراف في الأداء الضبطى عدة خصائص هي :
1 ـ عيب الانحراف بالسلطة عيب قصدي يتعلق بنية مصدر القرار.
يتفق غالبية الفقه على أن عيب الانحراف بالسلطة عيب قصدي ، يتعلق بالجانب النفسي والباعث المستتر لمن أصدر القرار ، حيث إن القـرار الإداري يكون مشروعاً في أركانه الأخرى ، حتى لا يتسرب الشك إلى غايته ودافعه من أصدر القرار ، ولهذا تكون مهمة القاضي عسيرة للتعرف على الدوافع الحقيقية التي تقف وراء إصدار القرار .
ولهذا استقر القضاء على عدم اللجوء عند الإلغاء إلى هذا العيب ، إلا بعد التحقق من عدم وجود أحد العيوب الأخرى ، كما إن هذا العيب لا يثار من تلقاء نفسه ، بل يجب إثارته من المدعي وإقامة الدليل عليه ، لأنه لا يفترض . وقد تعرض القضاء الإداري في العديد من أحكامه لعيب الانحراف بالسلطة ، واعتبره من العيوب القصدية التي تشوب ركن الغاية في القرار الإداري . فقد جاء في حكم حديث للمحكمة العليا ( إن عيب الانحراف بالسلطة من العيوب القصدية التي يجب على من يدعيها أن يقيم الدليل عليها)(3).
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ الدعوى رقم 598/ 11ق ، بتاريخ 3 .5 .1969ف ، مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة الإدارية العليا ، السنة الرابعة عشرة ، العدد الثاني ، ص64 ، بند86 .
2 ـ طعن إداري رقم 90 / 45 ق بتاريخ 15 .12 .2002ف ، مجموعة أحكام المحكمة العليا ، القضاء الإداري ، لسنة 2002ف ، ص 625 .
3 ـ طعن أداري رقم 112 ـ 114 / 49ق ، مجموعة أحكام المحكمة العليا ، القضاء الإداري ، لسنة 2005 ف ، ص294 .
كما إن المحكمة الإدارية العليا قد قضت في أحد أحكامها بأن ( عيب إساءة استعمال السلطة من العيوب القصدية في السلوك الإداري ، قوامها أن يكون لدى الإدارة قصد إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بها) (1).
فعيب الانحراف بالسلطة هو عيب خاص من عيوب القرار الإداري ، يشترط لوجوده إثبات نية رجل الإدارة إلى إتيانه.
2 ــ عيب الانحراف بالسلطة من العيوب الاحتياطية.
اتجــه القضاء الإداري إلى اعتبار هذا العيب مرجعــاً ثانوياً واحتياطياً في إلغاء القرارات الإدارية ، أي لا يمكن اللجوء إلي بحث عيب الانحراف بالسلطة في القرار المطعون فيه ، إلا إذا استعصى عليه إلغاؤه استناداً إلى بقية العيوب الأخرى ، والطاعن لا يمكنه الاحتجاج بعدم تعرض القاضي لعيب الانحراف بالسلطة ، ما دام القرار قد ألغى لعيب أخر من عيوب القرار الإداري(2).
والقاضي الإداري ، عند فحصه لمشروعية القرار الإداري ، فإنه يبدأ البحث عن أخطاء قانونية تمس مشروعية القرار مساساً مباشراً ، مثل عيب عدم الاختصاص أو عيب في الشكل أو السبب ، تاركاً عيب الانحراف بالسلطة كحل أخير ، يمكن الاستغناء عن اللجوء إليه . وقد قضت المحكمة الإدارية العليا بأن ( ... القرار المطعون فيه جاء مشوباً بالخطأ في تطبيق قواعد التنسيق ، ويتعين لذلك إلغاؤه دون حاجة لبحث الوجه الثاني من الطعن والمبني على إساءة استعمال السلطة )(3).
والقضاء الإداري لا يعتبر عيب الانحراف بالسلطة من النظام العام ، ولا يقوم بإثارة هذا العيب من تلقاء نفسه ، إذا لم يدفع به الطاعن .
وقد جاء في أحد أحكام المحكمة العليا ( إن القرار المطعون فيه يكون مخالفاً للقانون وخاطئاً في تطبيقه وتأويله مما يتعين معه إلغاؤه ، وفي هذا كل الغناء عن مواجهة وجه الطعن بالانحراف في استعمال السلطة ، ذلك أنه من المقرر في الفقه والقضاء الإداري ، أنه إذا عيب القرار الإداري بأي عيب آخر مع عيب الانحراف ، فإن القضاء الإداري يبدأ بفحص العيب الآخـر ، فإذا انتهى إلى توافره قضى بإلغاء القرار دون ما حاجة إلى التعرض لعيب الانحراف ، وليس للطاعن أن يتضرر من عدم التعرض لعيب الانحراف ما دام قد وصل إلى مبتغاه )(4).
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ طعن رقم 3035/ 29 ق ، مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا ، السنة31 ، ص333 ، بند26 .
2 ـ د محمد عبدا لله الحراري ، الرقابة على أعمال الإدارة ، المرجع السابق ، 237 .
3 ـ حكمها في الطعنيين رقم 1120 ، 1320 / 37ق بتاريخ 15 .12 .1994ف ، أشار إليه د عبد العزيز خليفة ، المرجع السابق ، ص49 .
4 ـ طعن إداري رقم 1 /3ق ، م .م .ع ، السنة السادسة ، الأعداد 1 ، 2 ، 3 ، 4 ، ص64.
وهذه الأحكام المشار إليها لم تتطرق لبحث عيب الانحراف بالسلطة ، بالرغم إثارته من قبل المدعي ، واكتفت بإلغاء القرار المطعون فيه ، مستندة في ذلك إلى عيب آخر من عيوب القرار الإداري ، دون التعرض لعيب الانحراف بالسلطة ، الأمر الذي يؤكد الصفة الاحتياطية لهذا العيب .
3 ـ عيب الانحراف بالسلطة يقترن بالسلطة التقديرية للإدارة .
إن عيب الانحراف بالسلطة يظهر عند ممارسة الإدارة سلطتها التقديرية في إصدار القرارات الإدارية ، أي أنه يوجد تلازم بين هذا العيب وبين السلطة التقديرية للإدارة ، التي تعتبر المجال الطبيعي لظهور عيب الانحراف بالسلطة . ولا يظهر هذا العيب عندما تكـون سلطة الإدارة مقيدة ، لأنها تكون ملزمة باتخاذ القرار طبقاً للقانون وفى حدود اختصاصها . وقد أكد القضاء الإداري على أن عيب الانحراف بالسلطة هو عيب خفي يستره مظهر المشروعية عندما تستعمل الإدارة سلطتها التقديرية لتحقيق غرض غير مشروع .
فقد جاء في حكم المحكمة العليا (... أن عيب الانحراف الذي يبطل عمل الإدارة يقع عندما تستعمل الإدارة سلطتها التقديرية لتحقيق غرض غير معترف به ، ويظهر خطره في أن الإدارة تحاول أن تحقق جميع أغراضها غير المشروعة في حماية من المشروعية)(1).
كما ذهبت محكمة القضاء الإداري إلي أن ( منح الجنسية المصرية بطرق التجنس هو أمر جوازي لجهة الإدارة ، إن شاءت منحته وإن شاءت منعته ، وفقا لما تراه محققاً للمصلحة العامة ، وإذا كانت السلطة التقديرية تجد حدها في الانحراف بالسلطة ، فإن مسلك الجهة الإدارية برفض منح الجنسية المصرية للمدعي ، هو قرار صحيح مصادف لحكم القانون ، ما لم يثبت فيه تعسف أو انحراف)(2).
ثانياً ــ حــــالات عيب الانحراف بالأداء الضبطى :ـ
يتحقق عيب الانحراف في عدة حالات ، أوردها الفقه والقضاء الإداري وهي :
1 ـ الانحراف عن المصلحة العامة.
ويحدث ذلك عندما تستهدف الإدارة تحقيق مصالح شخصية لا تمت للمصلحة العامة بصلة ، كمحاباة الغير ، أو تحقيق غــرض سياسي ، أو استخــدام السلطــة بقصد الانتقــام ، ففي هــذه
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ طعن إداري رقم 10 /11ق ، بتاريخ 6 .3 .1965ف ، م .م .ع ، العدد الرابع ، السنة الأولى ، أشار إليه د محمد عبد الله الحراري ، الرقابة على أعمال الإدارة ، المرجع السابق ، ص239 .
2 ـ حكم محكمة القضاء الإداري في الدعوى رقم 933 / 49ق بتاريخ 4 .1 .1996ف ، أشار إليه د عبد العزيز خليفة ، المرجع السابق ، ص62 .

الحـالات تعتبر قرارات الإدارة معيبة بعيب الانحراف بالسلطة . وقد تعرضت المحكمة العليا في أحد أحكامها لهذه الحالات من حالات عيب الانحراف بالسلطة فقضت بأنه( يجب أن يكون القرار الإداري صادراً عن باعث سليم وبحسن نية لا لسبب شخصي أو بقصد الانتقام أو وضع حد لمنافسة غير مشروعة يقوم بها الشخص المراد أبعاده وأن يبنى على أسباب جدية متصلة بالصالح العام )(1).
وتقول المحكمة الإدارية العليا في مصر ( إن الإدارة ليست مطلقة الحرية في تحديد الغاية من إصدار قراراتها الإدارية ، فهي ملزمة أولاً بتحقيق الهدف الرئيسي والعام من جميع أعمال الإدارة وأنشطتها ، وهو هدف المصلحة العامة ، وإذا حادتْ عنه إلي تحقيق مصالح شخصية أو مادية تكون قد خالفت القانون وأستوجب قرارها الإلغاء من القضاء الإداري ، للانحراف بالسلطة)(2).
وفي فرنسا قضى مجلس الدولة في حكم له ، بإلغاء القرار الذي أصدره العمدة ، وحظر بمقتضاه على التجار المتجولين ممارسة نشاطهم ، إلا على بعد مسافة معينة لا تقل عن مائة وخمسين متراً من المحلات التي تبيع منتجات مماثلة ، حيث تبين للمجلس أن العمدة قد اتخذ هذا القرار لحماية مصالح التجار المقيمين على حساب مصالح التجار المتجولين ، ولم يتخذ هذا القرار لحماية النظام العام ، ومن ثم يكون قراره مشوباً بعيب الانحراف بالسلطة ويتعين إلغاؤه(3).
2 ـــ الانحراف عن مبدأ تخصيص الأهداف.
على الرغم من أن الإدارة تستهدف المصلحة العامة دائما ، فقد يحدد المشرع للإدارة أهدافاً خاصة يجب أن تسعى قراراتها لتحقيقها ، وإذا ما خالفت هذه الأهداف فإن قرارها يكون معيباً بعيب الانحراف بالسلطة ، ولو تذرعت الإدارة بأنها قد قصدت تحقيق المصلحة العامة . وهذا ما يعرف بمبدأ تخصيص الأهداف ، ومثاله أهداف الضبط الإداري التي سبقت دراستها ، فهي أهداف محددة للمحافظة على النظام العام في الدولة ، وسلطات الضبط الإداري لا يجوز لها تعدي هذه الأهداف ، حتى وإن كانت تسعى لتحقيق مصلحة عامة ، وإذا ما خالفت هذا المبدأ واستعملت سلطاتها لتحقيق أغراض أخرى فإن قراراتها في هذا الشأن تكون معيبة بعيب الانحراف بالسلطة ، وقد أشارت إلى ذلك المحكمة العليا في قـــرار لها حيث قـــالت ( إن عيب
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ طعن إداري رقم1/2ق بتاريخ 21 .3 .1956ف ، قضاء المحكمة العليا ، القضاء الإداري والدستوري ، ج1 ، ص36 .
2 ـ حكمها بتاريخ 5 . 3 .1963ف ، مجموعة أحكام السنة الثامنة ، ص298 ، أشار إليه د عادل السعيد ، المرجع السابق ، ص136 (الهامش) .
3 ـ د عاشور شوايل ، المرجع السابق ، ص608 .
الانحراف بالسلطة هو مـن العيوب القصدية التي يتعين على مـــن يدعيه أن يقيم الدليل علــى أن جهـــة الإدارة قصـدت بإصدار القرار مجرد الانتقام الشخصي أو تحقيق غرض لا يتعلق بالصالح العام أو قصد مصدر القرار تحقيق مصلحة عامة تغاير المصلحة العامة التي تغياها قانون نزع الملكية ... وهو ما يعبر عنه بالخروج على مبدأ تخصيص الأهداف )(1).
وفى هذا السياق أيضا تقول محكمة القضاء الإداري ( ... يتحقق هذا العيب أيضا إذا صدر القرار مخالفاً لروح القانون ، فالقانون في كثير من أعمال الإدارة لا يكتفي بتحقيق المصلحة العامة في نطاقها الواسع ، بل يخصص هدفاً معيناً يجعله نطاقاً لعمل إداري معين ، وفى هذه الحالة يجب إلا يستهدف القرار الإداري المصلحة العامة فحسب ، بل أيضا الهدف الخاص الذي عينه القانون لهذا القرار عملاً بقاعدة تخصيص الأهداف ، التي تقيد القرار الإداري بالغاية المخصصة التي رسمت له ، فإذا خرج القرار عن هذه الغاية ، ولو كان هدفه هو تحقيق المصلحة العامة ذاتها ، كان القرار مشوباً بعيب الانحراف ووقع باطلاً)(2).
3 ـ الانحراف بالإجراءات.
تتحقق هذه الصورة من الانحراف بالسلطة عند قيام سلطات الضبط الإداري ، بالخروج عن الإجراءات التي يقررها القانون لتحقيق غرض معين ، وتتبع إجراءات أخرى أكثر يسراً لتحقيق نفس الغرض . كأن تلجأ إلى الاستيلاء المؤقت على العقارات ، وهي تقصد في الواقع الاستيلاء الدائم الذي ليس له وسيلة ، إلا إجراءات نزع الملكية للمنفعة العامة(3).
الفرع الثالث
إثبات عيب الانحراف بالأداء الضبطي
الأصل في عيب الانحراف بالسلطة أن يقع عبء إثباته على عاتق من يدعيه ، فإن عجز عن ذلك خسر دعواه ، ولا يجوز للمحكمة أن تتصدى لهذا العيب من تلقاء نفسها ، لأن القرارات الإدارية تتمتع بقرينة المشروعية ، وعلى من يدعي مخالفتها إثبات ذلك .
وتقول المحكمة العليا في ذلك ( إن قضاء هذه المحكمة قد استقر على أن عيب الانحراف بالسلطة هو من العيوب القصدية التي يقع عبء إثباتها على من يدعيها بحيث يقام الدليل على أن جهة الإدارة قصدت بإصدار قرارها مجرد الانتفاع الشخصي ، أو تحقيق غرض لا يتعلق بالصالح العام ، أو تحقيق مصلحة عامة مغايرة لتلك التي تغياها القانــــــون ، لذلك يتعين إثبات
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ طعن إداري رقم4/20ق ، بتاريخ 14 .3 .1974ف ، م .م .ع ، العدد الرابع ، السنة العاشرة ، ص47 ، أشار إليه د محمد الحراري ،الرقابة على أعمال الإدارة المرجع السابق ، ص240 .
2 ـ حكمها في الطعن رقم 6386 / 8ق بتاريخ 6 .9 .1954ف ، أشار إليه د محمد عبيد سيف سعيد ، المرجع السابق ، ص251 وما بعدها .
3 ـ د محمد الحراري ، الرقابة على أعمال الإدارة ، المرجع السابق ، ص241 ــــــ د خليفة الجبرانى ، المرجع السابق ، ص375 .
هذا العيب بأدلة إيجابية وقرائن مقنعة لا تدع مجالاً للشك في وقوعه)(1).
وبالنظر إلى صعوبة موقف المدعي وعجزه في أحيان كثيرة عن إثبات الانحراف ، لأنه يتعلق بالنواحي النفسية لمصدر القرار ، فإن القضاء الإداري ذهب إلى أنه إذا كان القرار ، أو ما تضمنه ملف الدعوى من أوراق ومستندات تؤدي إلى إثبات الانحراف ، بمجرد قراءة القرار أو أسبابه التي بني عليها ، أو من طريقة إصدار القرار والظروف التي أحاطت به ، فهنا القاضي يحكم من تلقاء نفسه بإلغاء القرار ، دون إقامة الدليل على وقوع الانحراف من طالب الإلغاء .
وفى هذا الخصوص تقول المحكمة الإدارية العليا ( ... أن يكون إثبات عيب إساءة استعمال السلطة عن طريق اعتراف الإدارة ، أو من ملف الخدمة والأوراق والظروف المحيطة بصدور الأمر الإداري)(2).
وتقول المحكمة العليا (متى كان من المستقر عليه فقهاً وقضاءً أنه إذا كان القرار الإداري بذاته أو باستقراء أسبابه كافياً للدلالة على ثبوت عيب الانحراف فــإن للقاضي الإداري أن يحكم بإلغائه دون حاجة إلي أن يحمل طالب الإلغاء عبء إثبات ما قام عليه الدليل من واقع الأوراق...)(3).
وفى حكم آخر تقول (... وبذلك تكون الإدارة قد انحرفت بسلطتها في نقل الطاعن إلى وظيفة ... لا تتناسب مع درجته وأقدميته وكفاءته ... وابتدعت نوعاً من الجزاء التأديبي لم تنص عليه لوائح التأديب بغرض التشفي والانتقام ، وحيث إن هذا الذي أورده الحكم يصلح لما أقامه عليه ، فقد أثبت انطواء القرار المطعون فيه على عقوبة مقنعة وهى النقل من وظيفة إلى وظيفة أقل منها في السلم الإداري من حيث سعة الاختصاص والمزايا تستشف من الظروف التي صدر فيها قرار النقل ... )(4).
يتبين من هذه الأحكام بأنها قد استشفت من ملف الدعوى ، أو من طريقة إصدار القرار ، أو الظروف المحيطة به عند إصداره ، أي إن الإدارة لم يكن قصدها تحقيق الصالح العام كما تدعي ، وهذا ما جعل المحكمة تقوم بإلغاء القرار المطعون فيه من تلقاء نفسها ، ودون تكليف الطاعن بإثبات الانحراف .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ طعن إداري رقم 27/36ق ، بتاريخ 4 .3 .1990ف ، م .م .ع ، العدد الأول والثاني ، السنة السادسة والعشرون ، التمور . اى النار 1989 ـ 1990 ف، ص40 .
2 ـ حكم المحكمة الإدارية العليا ، طعن 6573، السنة 46ق ، بتاريخ 22 .6 .2005 ف ، أشار إليه د طارق الجيار ، المرجع السابق ، ص118 .
3 ـ طعن إداري رقم 19/28ق بتاريخ 24 .6 .1984ف ، م .م .ع ، العدد الثاني ، السنة الثانية والعشرون ، ص29 .
4 ـ طعن إداري رقم 125 ـ 130/ 48ق بتاريخ 6 .3 .2005 ف ، مجموعة أحكام المحكمة العليا ،القضاء الإداري ، السنة 2005ف ، ص 188 .


المطلب الثالث
الإجراءات الضبطية للشرطة وتأثيرها على الحريات العامة
إن القانون أعطى حماية لرجال الضبط الإداري ومنحهم حق استعمال القوة والسلاح ، بهدف إعلاء حكم القانون ، وبالتالي حماية أشخاص ممثليه لحظة أدائهم لواجباتهم القانونية باعتبارهم أداة السلطة العامة في إنجاز وظائفها .
ورجل الشرطة مطالب بتطبيق أحكام القانون على عامة الناس ، وهو واجب يؤديه بهدف حماية كيان المجتمع ، وعلى ذلك لا يمكنه أن يتخذ موقفاً سلبياً إزاء هذه الواجبات ، عند وجود مقاومة من الأفراد تمنعه من تأدية واجباته المكلف بها .
وسنقسم هذا المطلب إلى ثلاثة فروع ، نتحدث في الأول عن الإجراءات الضبطية باستخدام القوة ، وفى الثاني نتكلم عن الإجراءات الضبطية عند استعمال السلاح ، وفى الفرع الثالث نتحدث عن الضوابط المهنية والسلوكية لرجال الشرطة .
الفرع الأول
إجراءات الضبط الإداري باستعمال القوة
يعتبر استعمال القوة من أشد أساليب الضبط الإداري عنفاً ، وأكثرها مساساً بالحريات العامة للأفراد ، لما يتضمنه من أساليب القهر والعنف باستخدام القوة الجبرية لإرغـــام الأفراد على الامتثال للوائح والقرارات الضبطية بهدف حماية النظام العام(1).
ويحتاج رجل الشرطة لاستخدام القوة الجسمانية لتنفيذ واجباته في ظروف معينة ، ومثال ذلك فض المشاجرات ، وما يستوجب ذلك من إبعاد أطراف المشاجرة عن بعضهم البعض من بذل قوة جسمانية من قبل رجل الشرطة ، وكذلك الحال عند تفتيش المتهم في الأحوال التي نص عليها القانون(2) حيث يحق لرجل الشرطة استخدام القوة الجسمانية بالقدر اللازم لإتمام إجراءات التفتيش ، كما إن من ضمن الحالات التي لرجل الشرطة استعمال قوته الجسمانية في تأدية واجبه القبض على المتهم الصادر بحقه أمر القبض ، حتى لا يفلت ويتعذر أمر القبض عليه .
والمشرع الليبي منح لرجـل الشرطـة حـــق استعمال القــوة اللازمة لأداء عمله ، حيث نصت (م 13) مـــن قانون الأمــن والشرطة رقـــــم 10لسنة 1992م على أن ( لعضو هيئة
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ د عاشور شوايل ، المرجع السابق ، ص268 .
2 ـ تنص (م36) من قانون الإجراءات الجنائية على أن ( لمأمور الضبط القضائي في حالة التلبس بجناية أو جنحة ، أن يفتش منزل المتهم ويضبط فيه الأشياء والأوراق التي تفيد في كشف الحقيقة إذا اتضح له من إمارات قوية أنها موجودة فيه ) موسوعة القوانين الجنائية والقوانين المكملة لها ، ج 2 ، قانون الإجراءات الجنائية ، المرجع السابق ، ص12 .

الشرطــة استعمال القوة دون استعمال السلاح ، وذلك بالقدر اللازم لأداء واجبه...)
واشترط المشرع أن يكون استعمال القوة هو الوسيلة الوحيدة للمحافظة على النظام العام ، على أن يتم استخدام الحد الأدنى من هذه القوة ، بما يكفل تأدية واجبه الضبطي ، دون أن يكون
هناك تجاوزاً لاستعمال القوة ، وان يكون القدر المستخدم منها عند الحدود اللازمة لذلك .
فعند قيام رجل الشرطة بإصدار الأمر لمتهم أو محكوم عليه هارب بالتوقف ـ ممن يجوز استعمال القوة والسلاح ضدهم ـ وأذعن للأمر الصادر إليه ، فهنا رجل الشرطة غير مطالب باستخدام القوة للقبض على المتهم ، طالما توقف من تلقاء نفسه دون مقاومة منه أو عنف يهدد الأمن العام ، وكذلك الحال في حالة فض التجمهر أو التظاهر ، وقيام رجل الشرطة بإصدار تحذيره للمتجمهرين أو المتظاهرين بضرورة التفرق ، وإلا فإنه سيضطر لاستعمال القوة والسلاح ، فعند مشاهدة القائمين بالتجمهر أو التظاهر متفرقين حسب الأوامر الصادرة منه إليهم ، فإن استعمال القوة في هذه الحالة غير منطقي ولا يجوز ، وإن قام رجل الشرطة باستعمال القوة فإن إجراءه غير قانوني ومخالف يستوجب المعاقبة . حيث نص قانون العقوبات على أن (يعاقب بالحبس وبغرامة لا تزيد على مائة وخمسين جنيها ، كل موظف عمومي استعمل العنف ضد آحاد الناس أثناء ممارسته وظيفته ، وذلك بطريقة تحط من شرفهم أو يسبب لهم ألما بدنيا )(1). أما في حالة عدم الامتثال للأوامر الصادرة من رجل الشرطة للمتهم أو المحكوم عليه الهارب أو القائمين بالتجمهر أو التظاهر ، فهنا يقوم رجل الشرطة بإعطاء فرصة مناسبة للانصياع للأمر ، ففي حالة استمر وتمادى في الرفض أو المقاومة يكون استعمال القوة ضده من قبل رجل الشرطة لازماً ويوجد ما يبرره.
وتتنوع حالات استعمال القوة من قبل رجال الشرطة ، وإن كان الهدف منها دائما المحافظة على النظام العام ، فقد تكون ضد الأشخاص كحالة إبعاد الأجنبي عن الدولة عندما يشكل وجوده خطرا يمس الأمن العام ، أو اعتقال شخص كإجراء وقائي ضده ، عندما يشتبه في تهديده للنظام العام ، أو يكون ضد الأشياء كإزالة مركبة آلية من الطريق العام لإعاقتها حركة المرور ، أو إزالة مبانٍ شيدت بالمخالفة بجانب مبانٍ أخرى(زوائد)،أساءت إلى المنظر الجمالي للمدينة .
ويعتبر التنفيذ المباشر هو الأسلوب المستخدم من قبل سلطات الضبط الإدارى ، والذي يعنى أن تقوم الإدارة بتنفيذ قراراتها على الأفراد بالقوة الجبرية دون حاجة لإذن من القضاء(2) .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ (م431 إساءة استعمال السلطة ضد أحاد الناس ) موسوعة القوانين الجنائية والقوانين المكملة لها ، ج 1 ، قانون العقوبات والقوانين المكملة له ، المرجع السابق ، ص136 .
2 ـ د عاشور شوايل ، المرجع السابق ، ص269 وما بعدها.
وذلك نظراً لأن اعتبارات المحافظة على النظـام العــام أو إعادتـه إلى مـا كـان عليـه ، تتطلب اتخــــاذ إجراءات مادية سريعة من قبل الإدارة ، دون انتظار لإذن من القضاء قد يطول بحكم الإجراءات المطولة في ذلك .
ويشترط أن يكون استعمال القوة متناسباً مع المقاومة التي يقوم بها الشخص المهدد للنظام العام ، وأن تكون هذه القوة أقوى بقدر مناسب من القوة التي يبديها الشخص المقــــاوم ، لأن
على رجل الشرطة الانتصار على المقاومة إعلاءً للقانون . فعند تفتيش المنزل ــ في الأحوال المسموح بها قانونا كما سبقت الإشارة ــ وأبدى صاحبه اعتراضاً على ذلك، فإن لرجل الشرطة استخدام القوة ، بقدر تنفيذ الإجراء الضبطي وتنحية الشخص المقاوم من مدخل المنزل المراد تفتيشه واستكمال عملية التفتيش .
ويتمتع رجال الشرطة بحماية قانونية عند استخدامهم للقوة في إجراءات الضبط الإداري أساسها أداء الواجب ، حيث إن استعمال القوة يعتبر جريمة عند عدم وجود نص قانوني يبيح ذلك . فقد نص قانون العقوبات على أنه (لا عقاب على الموظف العمومي الذي يستعمل السلاح أو أي وسيلة أخرى من وسائل القمع المادي أو يأمر باستعماله تنفيذاً لواجب وظيفته إذا أرغمته على استعماله ضرورة رد عنف أو تغلب على مقاومة الغير للسلطات العامة)(1).
واستعمال القوة الجسمانية مقيدة بأمرين هما (2):
1ـ أن يكون استعمال القوة هو الوسيلة الوحيدة ، بحيث لا يمكن اللجوء إليها إلا باقتضاء الحاجة إليها ، وتقدير إمكان الحاجة إلى القوة متروك لظروف كل واقعة ، فلا يمكن وضع مقاييس محددة .
2 ـ أن لا يتعدى حد القوة القدر اللازم لأداء الواجب ، وهى أيضا مسألة لا يمكن وضع ضوابط لها ، وذلك لأن كل واقعة لها ظروفها المحيطة والملابسة بها .





ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ ("م 71 " الاستعمال المشروع للسلاح ) موسوعة القوانين الجنائية والقوانين المكملة لها ج1 ، قانون العقوبات والقوانين المكملة له ، المرجع السابق ، ص25 .
2 ـ دكتور محمود على الركايبى : شرح قانون هيئة الشرطة ، مؤسسة الحلبي وشركـــاه للنشر والتوزيع ، ب ط ، القاهرة ، 1968ف ، ص38 .

الفرع لثاني
إجراءات الضبط الإداري وحدود استعمال السلاح
بما أن جهاز الشرطة هو المسؤول الأول عن استتباب الأمن والحفاظ على النظام العام ، فإن المشرع أعطى لرجل الشرطة حق استعمال السلاح ، بالقدر اللازم لأداء واجبه ، وعندما يكون هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق أهداف الضبط الإداري . فلا يجوز استخدام السلاح إلا بالقدر اللازم لصيانة النظام بشرط قيام أسباب جدية تبرر تصرف رجل الشرطة ، وأن يكون هذا الإجراء هو الوسيلة الوحيدة لدرء الخطر الذي يهدد الأمن والنظام العام ، واستعمال الشرطة للسلاح يجب أن يكون هدفه تحقيق المصلحة العامة ، وليس تحقيق أغراض شخصية(1).
وقد أعطى المشرع لرجل الشرطة الحق في استعمال السلاح لأداء وظيفته على الوجه المطلوب حيث جاء في (م13) من قانون الأمن والشرطة السابق الإشارة إليها ما نصه ( لعضو هيئة الشرطة استعمال القوة دون استعمال السلاح ، وذلك بالقدر اللازم لأداء واجبه ويشترط أن تكون هي الوسيلة الوحيدة لذلك ، ويقتصر استعمال السلاح على الأحوال الآتية ...)
ومن خلال مطالعة النص سالف الذكر يلاحظ بأن المشرع قد أورد حالات استعمال السلاح على سبيل الحصر ، واشترط ضرورة توافر شروط معينة في كل حالة من هذه الحالات على حدة وأوجب على رجل الشرطة استعمال السلاح في حالة ما إذا كان ذلك ضرورياً ولازماً في سبيل أداء الواجب أو النهوض به(2).
وبالتمعن في نص (م13) من قانون الأمن والشرطة الليبي ، و(م102)المقابلة لها بقانون الشرطة المصري ، يلاحظ بأنهما اقتصرتا على تحديد حالات استعمال السلاح ، دون القطع فيما إذا كان المقصود هو السلاح الناري فقط أو كل أنواعه ، ويمكن الحد من هذا الإطلاق على أساس ما جاء في نهاية المادة من عبارة " ويراعى في جميع الأحوال السابقة أن يكون إطلاق النار هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الأغراض السابقة ، ويبدأ رجل الشرطة بالإنذار بأنه سيطلق النار ثم يلجأ بعد ذلك إلى إطلاق النار" وهذا يعني أن المشرع قد قصد استعمال السلاح الناري، دون أن ينصرف غرضه لاستعمال أنواع أخرى من السلاح(3).
فاستعمال السلاح يعتبر هو نهاية المطاف في إجراءات سلطات الضبط للمحافظة على النظام العام ، أي أنه لا يمكن اللجوء إلى استخدام السلاح ضد الأفراد مهددي النظام العام ، إلا إذا لم
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ عقيد مصطفى عبد الحميد دلاف، المرجع السابق ، ص 29 .
2 ـ د عاشور شوايل ، المرجع السابق ، ص276 .
3 ـ د قدري عبد الفتاح الشهاوى ، المرجع السابق ، ص405 .



تفلح الوسائل الأخرى كالنهى ، والاستيقاف والتحذير والتهديد باستعمال القوة ، أو التبصير بالعواقب الوخيمة عند التمادي في مقاومة سلطات الضبط . أي إن هيئة الشرطة ليس بوسعها استعمال السلاح إلا إذا أخفقت كافة الوسائل السلمية في تحقيق أهدافها وأغراضها المشروعـــة (1).
وتطبيقاً لما جاء (م13/5 ) من قانون الأمن والشرطة التي تنص على ( ... وتنظم بقرار من اللجنة الشعبية العامة للعدل "الأمن العام حاليا " السلطات التي يكون لها إصدار الأمر بإطلاق النار والوسائل التي يمكن إتباعها في جميع الحالات وكيفية توجيه الإنذار بإطلاق النار)، صدر عن اللجنة الشعبية العامة للعدل والأمن العام القرار رقم 279 لسنة 1423ميلادية (1994ف) بشأن ضوابط وشروط صلاحية أعضاء الشرطة في استعمال السلاح(2). ويمكن دراسة حالات استعمال السلاح الواردة بقانون الأمن والشرطة على النحو التالي :ـ
أولاً ـ حالات القبض :
ـ القبض على كل محكوم عليه بعقوبة جناية أو الحبس مدة تزيد عن ثلاثة أشهر إذا قاوم أو حاول الهرب .
ـ القبض على كل متهم بجناية أو متلبس بجنحة يجوز فيها القبض إذا قاوم أو حاول الهرب .
ـ القبض على كل متهم صدر أمر بالقبض عليه إذا قاوم أو حاول الهرب .
ويجب التنويه أنه في غير الحالات المنصوص عليها أعلاه ، لا يجوز استخدام السلاح للقبض على محكوم عليه بعقوبة جنحة أو مخالفة ، ومؤدى ذلك أن استعمال السلاح من الأمور الخطيرة ويرتب أضراراً جسيمة ، وبخاصة عندما لا يتناسب الضرر الناتج من استعمال السلاح مع خطورة الجريمة ، فالمشرع هنا وازن بين خطورة الجريمة واستعمال السلاح حيالها ، فعندما تكون الجريمة خطيرة ومتمثلة في جناية أو جنحة متلبس بها فإنه أجاز استعمال السلاح ضد مرتكبيها عند تحقق الحالات المشار إليها أعلاه .
ويراعى أن يصدر أمر القبض وفقا لقانون الإجراءات الجنائية(3) حيث نص على أنه ( لا يجوز القبض على إي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً).

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ د قدري عبد الفتاح الشهاوى ، المرجع السابق ، ص406 .
2 ـ الجريدة الرسمية ، العدد 13 ، السنة الثانية والثلاثون ، ص374 .
3 ـ ( م 30 ، مشروعية القبض) موسوعة القوانين الجنائية والقوانين المكملة لها ج2 ، قانون الإجراءات الجنائية، المرجع السابق ، ص23 .

ويراعى في حالة القبض ما يلي (1):
ـ أن يكون استعمال السلاح عند القبض بالقدر الضروري واللازم ، وان يكون هو الوسيلة الوحيدة لذلك .
ـ أن يمتنع المراد القبض عليه عن تسليم نفسه ، وعدم وجود وسيلة أخرى لمنعه من الهرب .
ـ يتم توجيه إنذار شفهي بصوت عالٍ للمحكوم عليه أو المتهم ، باستخدام السلاح الناري إذا لم يتوقف عن المقاومة أو الهرب .
ـ إذا كان الإنذار الشفهي لم يصل إلى مسامع المحكوم عليه أو المتهم ، فإن على رجل الشرطة القيام بإطلاق عيار ناري في الفضاء ، لإجباره على التوقف والانصياع لأمر رجل الشرطة .
ـ إذا استمر المحكوم عليه أو المتهم في مقاومته أو الهرب دون اعتبار للإنذارين السابقين ، فإن على رجل الشرطة استخدام السلاح بإطلاق عيار ناري باتجاه الساقين .
ثانياً ـ حراسة المسجونين :
أعطى المشرع لرجال الشرطة الذين يقومون بحراسة المسجونين الحق في استعمال أسلحتهم النارية ضد المسجونين ، حيث نصت (م97 ) من القانون رقم 5 لسنة 2005ف في شأن مؤسسات الإصلاح والتأهيل(2) على ( يجوز لأعضاء الشرطة العاملين بالمؤسسات وكذلك المكلفين بحراسة النزلاء داخل المؤسسة وخارجها أن يستعملوا أسلحتهم النارية في الأحوال الآتية :
ا ـ صد هجوم أو مقاومة مصحوبة باستعمال القوة إذا لم يكن في مقدورهم صدها بوسائل أخرى .
ب ـ منع فرار أي نزيل إذا تعذر منعه بوسائل أخرى...).
حيث أعطى المشرع لرجل الشرطة الحق في استخدام السلاح الناري ، ضد كل مسجون أو مجموعة مساجين يحاولون الهجوم على أفراد الشرطة المكلفين بالحراسة ، سواء كان ذلك داخل السجن أو خارجه . ورجل الشرطة لا يقوم باستعمال السلاح مباشرة ، بل عليه استخدام الوسائل السلمية أولاً ، وفى حالة عدم جدواها بإمكانه استخدام السلاح لوقف المقاومة أو الهرب ، فيقوم بإطلاق عيار ناري في الفضاء كإنذار ، وفى حالــة مواصلة السجين الاستمرار
في محاولة الهرب أو المقاومة ، يقوم رجل الشرطة بإطلاق النار باتجاه الساقين وفى غير الأماكن القاتلة قدر المستطاع .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ د مجدي أحمد فتح الله ، المرجع السابق ، ص 434 وما بعدها ـــ عقيد مصطفى دلاف ، المرجع السابق ، ص32 .
2 ـ مدونة التشريعات ، العدد الثالث ، السنة الخامسة ، بتاريخ 28 .3 .2005ف ، ص97 .

وقد ترك المشرع لرجل الشرطة تقدير وقت وكيفية إطلاق النار على المسجون الهارب طبقاً لظروف كل حالة ، فالنص القانوني أعطى مرونة لرجل الشرطة يضيق ويتسع بحسب الحالة من حيث كون رجل الشرطة بمفرده أو مع مجموعة من رجال الشرطة ، أو تبعاً لوقت هروب السجين واستمراره في محاولة الهرب بالرغم من الإنذار المتكرر له ، وكذلك عنصر المباغتة الذي قد يفاجأ به رجل الشرطة(1). فاستخدام السلاح في هذه الأحوال يكون من تقدير رجل الشرطة ، لكونه الواقف على هذه الظروف بنفسه ، ومن ثم فإنه مطالب بتكييف الموقف واتخاذ الإجراء المناسب حياله ، بما يضمن تحقيق الهدف من استخدام السلاح ، ودون الخروج على مقتضاه .
ثالثاً ـ فض التجمهر أو التظاهر:
يتكون التجمهر أو التظاهر من خمسة أشخاص فأكثر ، ويشترط لاستخدام السلاح ضد المتجمهرين أو المتظاهرين أن يكونوا قد عرضوا الأمن العام للخطر . وأمر تهديد التجمهر أو التظاهر للأمن العام هو أمر تقديري ، متروك للسلطة المكلفة بحفظ الأمن والنظام العام في الطرق والمحال العامة .
ويراعى عند استعمال السلاح في هذه الحالة الآتي(2):
ـ تغطية مكان التجمهر أو التظاهر بعدد كاف من أعضاء هيئة الشرطة ، يكفل فض التجمهر أو التظاهر ، مع القبض على من يتزعمونه عند الاقتضاء .
ـ توجيه أكثر من إنذار شفوي مسموع بالتفرق ، ومنحهم فرصة للتفرق وإبلاغهم للاضطرار لإطلاق النار عند عدم الاستجابة .
ـ إذا لم يبدأ في التفرق بعد ذلك وانقضت المدة المحددة ، يأمر المسؤول باستعمال خراطيم المياه أو الغاز المسيل للدموع .
ـ إذا فشلت المحاولات السابقة لفض التجمهر أو التظاهر ، وبدأ المتظاهرون في الاعتداء على الأشخاص أو الأموال أو المنشآت ، جاز إطلاق النار بأمر يصدر من أمين اللجنة الشعبية العامة للأمن العام أو من يفوضه ، على أن يتبع الأسلوب الآتي :
ـ أن يبدأ إطلاق النار في الهواء لحمل المتظاهرين والمتجمهرين على التفرق .
ـ إذا لم يتم التفرق وفقا للبند السابق ، يتم إطلاق النار باتجاه الساقين .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ د قدري الشهاوى ، المرجع السابق ، ص412 .
2 ـ قرار اللجنة الشعبية العامة للعدل والأمن العام رقم 279 لسنة 1423ميلادية(1994ف) السابق الإشارة إليه ، الجريدة الرسمية العدد13 ، السنة الثانية والثلاثون ـــ وأيضا عقيد مصطفى دلاف ، المرجع السابق ، ص32 وما بعدها .
ـ أن يكون إطلاق النار طلقة طلقة ، وأن يتوقف من حين إلى آخر لإعطاء المتظاهرين فرصة التفرق .
ـ أن يوقف إطلاق النار حال مباشرة المتظاهرين في التفرق .
وفى كل الأحوال يجب أن يكون استخدام الأسلحة النارية بالقدر اللازم لمنع المقاومة أو الهرب أو لتفريق المتظاهرين ، وأن يكون إطلاق النار هو الوسيلة الوحيدة لذلك ، وذلك بعد استنفاذ كل الوسائل الأخرى ، وينبغي أن يكون إطلاق النار بداية في الفضاء ، ومراعاة الحيطة التامة، حتى لا يصاب أحد من الأبرياء ، وفى حالة استخدام السلاح بشكل مباشر ضد المحكوم عليه أو المتهم أو القائم بالتظاهر، يجب أن يكون التصويب باتجاه الساقين كلما كان ذلك ممكنا ، وفي غير الأماكن القاتلة .
وعلى أعضاء هيئة الشرطة عدم التضحية بمصلحة الأفراد على حساب المصلحة العامة ، إلا بمقدار ما تقضى به الضرورة مع مراعاة عدم التعسف في الإجراءات الضبطية ، حيث إن هناك العديد من الوسائل التي يستطيع رجال الشرطة استخدامها في سبيل المحافظة على الأمن والنظام العام ، وعليهم اختيار اقلها ضررا بالأفراد ، لان القاعدة العامة تقول " إن الضرورة تقدر بقدرها ".
ومن ناحية أخرى فإن الأمر الصادر عن أمين اللجنة الشعبية العامة للأمن العام أو من يفوضه بخصوص إطلاق النار يعتبر قراراً إدارياً خاضعاً لرقابة القضاء ، بحيث يحق للمتضرر من الإجراءات الضبطية المتخذة من قبل رجال الشرطة عند استخدامهم للسلاح ، التقدم بدعوى إلغاء والمطالبة بالتعويض عما أصابهم من جراء هذا القرار .
رابعاً ــ حق الدفاع الشرعي:
بما أن رجال الشرطة مكلفون بالمحافظة على الأمن العام وحماية الأرواح والأموال والأعراض، فهذا التكليف التشريعي يبيح لهم حق الدفاع عن الأشخاص والأموال ، كلما حاقت بهم مخاطر الجرائم وهم يباشرون هذا الحق في حدود القانون .
وحق الدفاع الشرعي عن النفس أو المال يبيح استعمال القوة اللازمة لرد كل اعتداء أو فعل يعتبر جريمة ، أي أنه يشترط تحقيق التناسب بين التعدي والفعل الذي يرتكب دفعا له ، ولذا فإن على رجل الشرطة أن يراعى هذا التناسب حتى لا يتعدى حقوق الدفاع .
والمشرع الليبي نص في قانون العقوبات ـ كما سبقت الإشارة ـ على عدم معاقبة الموظف الذي يستعمل السلاح عند أدائه لواجبه دفاعا عن نفسه.
كما جاء في (م13/6) من قانون الأمن والشرطة الليبي ( حالات الدفاع عن النفس ومقاومة الاعتداء بالسلاح ).
وأشترط لاستعمال السلاح وفق هذا النص ما يلي :
ـ أن تقع حالة الاعتداء أو المقاومة أثناء تأدية عضو هيئة الشرطة لعمله أو بسببه .
ـ أن يكون استعمال السلاح هو الوسيلة الوحيدة لرد الاعتداء أو إنهاء المقاومة .
ـ أن يكون استعمال السلاح بالقدر الضروري اللازم لرد الخطر أو إنهاء المقاومة .
وفى كل الأحوال يشترط أن يسبق استعمال السلاح ، وفقا لما ذكر أعلاه ما يلي :
ـ توجيه إنذار شفوي باستعمال السلاح .
ـ إطلاق عيار ناري في الهواء .
يتضح من هذه الشروط التي أوجبها قرار اللجنة الشعبية العامة للأمن العام ، بشأن ضوابط استخدام السلاح للعاملين بجهاز الشرطة ، أنه أباح لرجل الشرطة استعمال السلاح أثناء العمل الرسمي المعتاد ، أو أثناء تكليفه بتنفيذ مهمة معينة ، وخلال قيامه بتنفيذ واجبه تعرض لاعتداء ، أو وجد مقاومة تحيل بينه وبين أداء الواجب المكلف به ، فهنا يحق لرجل الشرطة استعمال السلاح دفاعاً عن نفسه وإعلاءً لكلمة القانون، على أن يكون استعمال السلاح بعد استنفاذ كل الإجراءات التي تسبق استعمال السلاح ، كالنصح ، وتبصير المقاوم أو المعتدي بأنه يقوم بتأدية واجبه وفقاً للقانون ، والتهديد باستعمال السلاح إن تمادى الشخص في اعتدائه أو مقاومته .
كما اشترط المشرع بأن يكون استعمال السلاح بالقدر الضروري لــرد خطر الاعتداء أو المقاومة ، فعندما يقوم رجل الشرطة بإطلاق عيار ناري في الفضاء ، ولم يذعن الشخص المقاوم واستمر في اعتدائه ، وقام رجل الشرطة بإطلاق عيار ناري باتجاه الساقين ــــ سواء أكانت الإصابة مباشرة أم لا ـــ وتوقف الشخص المعتدي أو المقاوم عن ذلك ، فهنا على رجل الشرطة التوقف عن استعمال السلاح ، وإعطاء فرصة للشخص للاستسلام وتطبيق باقي الإجراءات الضبطية حياله .








الفرع الثالث
الضوابط السلوكية والمهنية لرجل الشرطة
إن تعاون الجمهور مع الشرطة يتوقف على العلاقة بين الطرفين ، أي بأعمال وسلوك كل طرف اتجاه الآخر ، فكلما كان سلوك رجل الشرطة جيداً ومحترماً لحقوق وحريات الأفراد ومتمشياً مع رسالة الشرطة ، كلما كان تفهم وتعاون الجمهور معه كبيراً في أداء رسالته ، فأعمال الشرطة تشمل كافة ربوع الدولة ، وتفي بالعديد من الأمور التي تهم وتمس حياة الأفراد وحرياتهم ، مما يزيد من الأعباء الملقاة على عاتق أفرادها(1).
ويجب أن يتحلى رجل الشرطة بمجموعة من القيم ، التي بدونها لا يستقيم عمله ولا يمكنه القيام بتنفيذ رسالة الشرطة ، وهذه القيم من الأولى التحلي بها ، لأن عمله وجد للحفاظ على تلك القيم من أي مساس(2).
ونظراً لأن عمل رجل الشرطة وإجراءاته الضبطية المناطة به تمس الحريات العامة للأفراد ، لذلك وجب أن تكون هناك ضوابط وقيم يتصف بها رجل الشرطة ، حتى يقوم بواجباته المكلف بها ، دون مساس أو انتهاك لحقوق الأفراد وحرياتهم .
وتفرض الوظيفة الشرطية على رجل الشرطة مجموعة من الضوابط السلوكية والمهنية ، أوردتها القوانين الخاصة بالشرطة والقوانين الأخرى المنظمة للوظيفة العامة ، تتمثل في الآتي :ـ
أولا ــ الضوابط السلوكيــــة:
هناك العديد من الضوابط التي يجب على رجل الشرطة التحلي بها بحكم طبيعة عمله ومنها :
1 ـ المحافظة على المظهر العام.
يعتبر المظهر من أهم العناصر الأساسية التي تجعل رجل الشرطة منضبطاً ، فعند ظهوره بالزي الرسمي المناسب يحدث تأثيراً على الجمهور ويؤثر في معنوياته ، ولذا يكون لزاماً على رجل الشرطة الاهتمام بالمظهر العام ، بحيث يتناسب وطبيعة وظيفته ، وهذا الالتزام لا يقتصر على المحافظة على المظهر أثناء تأدية العمل فقط ، وإنما يمتد ليشمل الحياة الخاصة ، حيث إن رجال الشرطة هم القدوة الحسنة لأفراد المجتمع ، كما أن البعد عن مظاهر التكاسل والتراخي
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ اللواء على الرفاعى ، القيم المهنية والسلوكية لضباط الشرطة ، مجلة الأمن العام ، العدد 106 ، السنة السابعة والعشرون ، يوليو 1984ف ، ص124 .
2 ـ نفس المرجع السابق ، ص125 .
3 ـ د مجدي فتح الله ، المرجع السابق ، ص423 ـــ د محمد شريف إسماعيل ،الوظيفة الإدارية للشرطة ، المرجع السابق ، ص216.
يعطي انطباعاً لدى الأفراد على كفاءة رجال الشرطة وصلاحيتهم لأداء دورهم الأمني على أكمل وجه(1).
2 ـ المحافظة على كرامة الوظيفة.
إن وظيفة رجل الشرطة تتميز بطابع وصفات خاصة ، لعمله المتصل بالجمهور، وكونه موضع نظر الأفراد والجماعات على اختلاف فئاتهم وطبقاتهم ، وكذلك فإن سلطات رجال الشرطة تكون أوسع من سلطات الموظفين الآخرين ، ويجب ألا تجره هذه السلطات للانحراف أو التعسف ، فعليه أن تكون كل تصرفاته سليمة ، حتى تكون موضع رضا من الرأي العام(2).
ولذلك يجب على رجل الشرطة تجنب ما من شأنه الإخلال بكرامة الوظيفة ، وأن تكون تصرفاته في الحدود التي تليق بها ، حيث جاء في قانون الأمن والشرطة رقم 10 لسنة 1992ف ( أن يحافظ على كرامة وظيفته ، وأن يسلك في تصرفاته مسلكا يتفق والاحترام الواجب لها)(3).
ومن ضمن المحافظة على كرامة الوظيفة أن لا يقوم رجل الشرطة بالأعمال التي حظرها القانون ، كالجمع بين وظيفة وأي عمل آخر ، أو أن يشترى بالذات أو بالواسطة عقارات أو منقولات مما تطرحه السلطات القضائية أو الإدارية للبيع ، أو مزاولة أية أعمال تجارية تتصل بأعمال وظيفته(4).
والمحافظة على كرامة الوظيفة تشمل أيضا علاقة رجل الشرطة برؤسائه ، من خلال طاعتهم واحترامهم ، أو في صلته بزملائه ومرؤوسيه وأفراد الجمهور المتعاملين معه ، من حيث التعاون معهم والتفاهم الطيب والتوجيه الحازم باللطف والحسنى ، والمعاملة الإنسانية المهذبـة ، وكل ذلك بما لا يمس عضو هيئة الشرطة ، أو يوهن الثقة في استقامته ونزاهته ، أو يلقى الريب على نقاء خلقه وسيرته(5).
وقد أشار القضاء الإداري الليبي لهذه المعاني في أحد أحكامه ، حيث جاء في حكم لدائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف بنغازي بشرعية فصل بعض أعضاء هيئة الشرطة ، حيث تقول (... وعليه فإن تبرئة الطاعنين جنائيا إزاء الظروف التي أوحت بهذه التبرئة لا تنأى بهم بصفة جازمة عن كل شبهة ، ولا تقشع عن مسلكهم ظلال الريبة ، لأن الأمر ليس كذلك في علاقة الموظفين بالجهــة الإدارية ... حيث يجب أن تسود الثقة في استقامتهم والاطمئنان إلى
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ د مجدي فتح الله ، المرجع السابق ، ص423 ـــ د محمد شريف إسماعيل ،الوظيفة الإدارية للشرطة ، المرجع السابق ، ص216
2 ـ د محمود الركايبى ، المرجع السابق ، ص54 .
3 ـ (م 61/4 ) من قانون الأمن والشرطة ، انظر الجريدة الرسمية ، العدد 28 ، السنة الثلاثون ، ص1022 .
4 ـ (م 62 ) من قانون الأمن والشرطة ، المرجع السابق ، ص1023 .
5 ـ عقيد مصطفى دلاف ، المرجع السابق ، ص112 .
نزاهتهم وأمانتهم ونقاء سلوكهم ، لارتباط ذلك بحسن أداء الوظيفة التي هي جزء من الصالح العام ، فإذا تسرب الشك إلى شي من ذلك بناء على سلوك اتخذه أحدهم ، وضع نفسه به موضع الريبة، فان هذا المسلك لا يكفى لإدانته جنائيا ينهض مبرراً بذاته لمؤاخذتهم إداريا ، ولا سيما إذا كانت طبيعة عملهم كضبـــاط صف من رجـال الشرطـــة ، تتطلب صفات خاصة يجب أن يطمئن أولو الأمر إلى توافرها فيهم ، ضمانــا لحسن قيامهم بالمهام الموكولة إليهم ، بصفتهم حفظة الأمن والنظام ، ومن رجال الضبط المكلفين بحماية الأرواح والأموال ومنع ارتكاب الجرائم ، وإلا انقلبوا بما في أيديهم من سلطة وسلاح إلى أداة خطرة تهدد الأمن وتفضي إلى انعدام الثقة التي هي أساس الاستقرار الاجتماعي)(1).
وفي حكم للمحكمة العليا قضت بأن ( ... المحكمة ترى أن العقوبة المقضي بها على الطاعن مناسبة للجرم الذي ارتكبه هذا الأخير بوصفه موظفاً عاما أخل بواجبات وظيفته ، وأساء استعمالها ، فضلا عما تشكله الجرائم التي ارتكبها الطاعن من أضرار بمصلحة المجتمع المتمثل في ضياع الرسوم المستحقة للخزانة العامة على البضائع التي قام بتهريبها...)(2).
كما إن المحكمة الإدارية العليا المصرية أشارت إلى هذه المعاني فقضت بشرعية فصل أحد رجال البوليس من الخدمة ، لأنه ثبت للسلطة التأديبية وجود المدعي في المقهى التي هاجمها البوليس وضبط فيها وكانت تدار لتدخين الحشيش ... وبذلك فإن المدعي يعتبر قد أخل بواجبات وظيفته ، وخرج على مقتضى السلوك الواجب على رجل البوليس ، والابتعاد عما يحط من كرامته ويسيء إلى سمعته ...)(3).
وعلى رجل الشرطة ضرورة المحافظة على كرامة الوظيفة ، وذلك بعدم الخروج على مقتضياتها والمحافظة على شرف هذه المهنة ، بالابتعاد عن كل ما من شأنه الإساءة إلى سمعة هذه الهيئة وأفرادها . وقد تـولت المحكمة العليــا بيان ذلك فــــــي حكـم حديث لهــا ، فقــضت ( ...وحيث إن الثابت من الأوراق أن المطعون ضده حكم عليه في الجنحة رقم 57/2005م جنزور بالحبس لمدة سنة مع النفاذ ، بتهمة تسهيل هروب موقوف أجنبي الجنسية من مركز شرطة جنزور ، فإن ما صدر منه يعد إخلالا بشرف مهنة رجل الشرطة ، وخروجا عن مقتضيات الوظيفة وكرامتها ، وبالثقة الواجب توافرها فيمن يقومون بأعبائها ...)(4).
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ الدعوى الإدارية رقم 412 ، 418/ 18ق بتاريخ 20 .11 .1990ف ، أشار إليه عقيد مصطفى دلاف ، المرجع السابق ، ص112 .
2 ـ طعن جنائي رقم 1091 / 51ق بتاريخ 19 .9 .2005ف ، مجموعة أحكام المحكمة العليا ، القضاء الجنائي ج2، لسنة 2005ف ، ص538 .
3 ـ د محمد شريف إسماعيل ، الوظيفة الإدارية لشرطة ، المرجع السابق ، ص220 .
4 ـ طعن إداري رقــم 15/ 55ق ، بتاريخ 8 .6 2008ف ، أحكام المحكمة العليــا ، الدائرة الإدارية ، ج3 ، خـلال السنة القضائية 2007ـ 2008ف .

3 ـ حسن السيرة والسلوك .
تعتبر من أهم مقومات رجل الشرطة ، فهي عبارة عن مجموعة من الصفات والخصال الحميدة التي يتحلى بها الشخص ، فترقى به إلى ثقة المجتمع ، وتجنيبه ما يمس الخلق ، وهذه المقومات والصفات لا تقتصر على شخص رجل الشرطة فقط ، بل تمتد لتشمل مركز أسرته من ناحية السمعة والأخلاق(1). وقد تولت المحكمة الإدارية العليا في حكم لها تحديد المقصود بالسيرة ، حيث قالت (... السيرة الحميدة والسمعة الحسنة هي تلك المجموعة من الصفات والخصال التــي يتحلى بهــا الشخص ، فتكسبه الثقة بين الناس وتجنبه قالة السوء وما يمس الخلق أي إنها تلتمس أصلا في الشخص نفسه فهي لصيقة به ومتعلقة بسيرته وسلوكه ومن مكونات شخصيته ومن هــــذا المنطلق لا يؤاخذ المرء إلا بسلوكه هو لا بسلوك أبيه أو ذويه طالما لا ينعكس شيء منه على سلوكه لأن مجرد قيام هذه الصلات لا يدل بذاته على حسن السمعة أو سوءها ...) (2).
ونظراً لحساسية عمل رجل الشرطة ، باعتبار أن عمله الأساسي هو المحافظة على الأمن والنظام العام وعدم الإخلال به ، فهذا يحتم أنه لا يجوز تعيين رجل الشرطة إلا بعد توافر عدة شروط من أهمها ، شرط حسن السيرة والسلوك ، وهذا الشرط ليس عند الالتحاق فقط ، بل يستمر معه أثناء الخدمة ، وفى حالة إخلاله بهذا الشرط تقوم الإدارة بتوقيع العقوبات المقررة ، متى نسب إلى الموظف أمور تخدش أو تمس سيرته أو سمعته ، وقد تصل أحيانا إلى حد فصله من وظيفته ، نظراً لارتكابه جناية أو جنحة تخل بسمعة وشرف وظيفته(3).
ولهذا أكد قانون الأمن والشرطة على ضرورة توافر شرط حسن السيرة والسلوك ، عند التعيين بالشرطة حيث نص على أنه ( يشترط فيمن يعين برتب ـ الضباط أو ضباط الصف والجنود ـ أن يكون حسن السيرة والسلوك)(4).
ويرتبط حسن السيرة بتقاليد وأعراف المجتمع ، وما يحكمها من قيم دينية وأخلاقية ، وهي تختلف من بيئة إلى أخرى . فقد جاء في حكم لمحكمة القضاء الإداري بأنه(ما ينبغي أن يكون عليه طالب كلية الشرطة الذي تعده الكلية ليتولى رسالة الأمن وحماية الأرواح والأموال والأعراض ، وما يستتبعه ذلك من حسن سيرته وسمعته وخلقه ومسلكه ، وجدارته لحمل شرف الأمانة وتبعات الرسالة القويمة التي يعد لها...)(5).
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ د مجدي احمد فتح الله ، المرجع السابق ، ص424 .
2 ـ قضية رقم 600 /لسنة16ق ، بتاريخ 9 .4 .1972ف ،مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة الإدارية العليا ، السنة 17 ، العدد الثاني ، ص405 ، بند61 .
3 ـ د محمد شريف إسماعيل ، الوظيفة الإدارية لشرطة ، المرجع السابق ، ص217 .
4 ـ (م 19 / 3 ، م 22 / 4 ) من قانون الأمن والشرطة ، المرجع السابق ، ص1012 وما بعدها .
5 ـ حكم محكمة القضاء الإداري بتاريخ 9 .4 .1991ف ، أشار إليه د محمد شريف إسماعيل ، الوظيفة الإدارية لشرطة ،المرجع السابق ، ص218 .
ثانياً ــ الضـــوابط المهنيــــة:
إن وظيفة رجل الشرطة تتمثل في كفالة الأمن والطمأنينة للأفراد ، وتنفيذ ما تحدده القوانين واللوائح والأوامر الداخلية ، ولهــذا نص القانـــون المنظم لهيئة الشرطـــة على مجموعـة مـن المبادئ التي يجب أن يلتزم بها عضو الشرطة مهما كانت درجته الوظيفية ، وهـــــذه الضوابط تسمى الضوابط المهنية وتشمل الأتي :
1ـ أداء الواجب واحترام القانون.
على رجل الشرطة أن يقوم بتأدية واجبه المكلف به بدقة وأمانة ، وأن يخصص وقتـــــه لأداء واجب وظيفته خلال أوقات العمل الرسمية ، أو في غير الأوقات الرسمية إذا اقتضت مصلحة العمل ذلك(1) وعند قيامه بعمله المكلف به على أكمل وجه فإنه يحقق دوره الفعال في المحافظة على الأمن والاستقرار لكافة المواطنين .
وأكد على ذلك المشرع الليبي في قانون الأمن والشرطة فنص على ( أن يؤدي العمل المنوط به بنفسه بدقة وأمانة ، وأن يحافظ على مواعيد العمل الرسمية وأن يخصص وقت العمل لأداء واجبات وظيفته ، كما يجب عليه أن يؤدي الأعمال التي يكلف بها في غير أوقات العمل الرسمي إذا اقتصت مصلحة العمل ذلك)(2).
ورجل الشرطة المكلف بتنفيذ القانون يجب أن يكون نموذجاً يحتذى به في احترام القانون والحفاظ عليه ، وذلك من خلال تصرفاته وسلوكه ، فيجب عليه مثلاً احترام قواعد وآداب وإشارات المرور ، وعدم استغلال سلطاته وزيه الرسمي في مخالفة القوانين والحصول على نفع له ليس من حقه.
وبما أن رجل الشرطة هو الأمين على تطبيق القانون ، يلجأ إليه الأفراد طلباً للحماية وطمعاً في عدالته ، فيجب أن يكون قدوة ، ويعطى انطباعاً حسناً عنه وعن المؤسسة التي ينتمي إليها ، فلا يقوم بأعمال منافية وتحط من كرامته ، كلعب القمار أو تعاطي المخدرات أو الدخول إلى الأماكن الخاصة بالدعارة(3).
2 ـ احترام الكرامة الإنسانية.
من واجب رجال الشرطة احترام الكرامة الإنسانية وحمايتها ، وحماية الحقوق والحريات العامة المنصوص عليها في القوانين ، فمن ضمن هــذه الواجبات عــــدم حمل المتهمين على
الاعتراف بالقوة ، وتنص أغلب القوانين بمختلف دول العالم على احترام الكرامة الإنسانية ،
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ عميد محمد ياقوت ، المرجع السابق ، ص141 .
2 ـ (م 62 ) من قانون الأمن والشرطة ، المرجع السابق ، ص1022 .
3 ـ اللواء على الرفاعى ، المرجع السابق ، ص126 .
وعدم إرغام الأفراد على الاعتراف أو اخذ إفاداتهم بالقوة .
وقد أكدت هذه المبادئ كل المواثيق الدوليــة والدساتير المعاصرة ، فالوثيقـــة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان نصت على أن ( أبناء المجتمع الجماهيري يقدسون الحرية...ويحرمون تقييدها ) . أما القانون رقم 20 لسنة 1991ف بشأن تعزيز الحرية ، فقد نص على ( المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي ... ويحظر إخضاع المتهم لأي نوع من أنــــواع التعذيب الجسدي أو النفسي أو معاملته بصورة قاسية أو مهينة أو ماسة بالكرامة الإنسانية ) (1).
كما إن قانون العقوبات الليبي يعاقب كل رجل شرطة أساء استعمال السلطة ضد الأفراد ، اعتمادا على وظيفته واستغلالا لها ، حيث نص على ( يعاقب بالحبس وبغرامة لا تزيد على مائة وخمسين جنيها كل موظف عمومي استعمل العنف ضد آحاد الناس أثناء ممارسة وظيفته ، وذلك بطريقة تحط من شرفهم أو يسبب لهم ألما بدنيا)(2).
وفى مصر أشار الدستور في (م42) إلى أن ( كل مواطن يقبض عليه أو يحبس أو تقيد حريته بأي قيد يجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان)(3).
أما المشرع الجنائي فقد شدد العقاب في حالة تعذيب المتهمين بقصد حملهم على الاعتراف ، حيث نص على ( معاقبة من تثبت في حقه القيام بعملية التعذيب أو الأمر به ، بالأشغال الشاقة أو بالسجن من ثلاث سنوات إلى عشرة ، وإذا مات المجني عليه يحكم بالعقوبة المقررة للقتل عمداً) (4).
وأكدت هذه المعاني محكمة جنوب القاهرة ، حيث قضت ( لما كان الثابت من أقوال شاهدي المدعي ، والتي تأخذ بها المحكمة ، إن المدعي قد اعتقل بتاريخ 24 .6 .1989ف بواسطة تابعي المدعي عليه ، وأنه من خلال فترة اعتقاله تعرض للتعذيب بواسطة ضباط وجنود تابعين للمدعي عليه ، تمثل في التعدي عليه بالضرب بالركل والأيدي والسب وعدم توافر المعيشة ، مما أدى إلى إصابته بجروح ، كما فقد تجارته ومؤدى ذلك توافر أركان المسؤولية قبل المدعي عليه )(5).
والإعلان العالمي لحقوق الإنسان أكـــد على ضرورة احترام حريــة الإنسان وحمايــة كرامته
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
1 ـ (م 17) من قانون تعزيز الحرية ،الجريدة الرسمية ، عدد خاص ، السنة السادسة والعشرون ، المرجع السابق ، ص728 .
كما نصت (م 34 )من قانون تعزيز الحرية على (لا تخضع الحقوق الواردة في هذا القانون للتقادم أو الانتقاص ، ولا يجوز التنازل عنها) ص43 .
2 ـ (م431) من قانون العقوبات الليبي ، موسوعة القوانين الجنائية والقوانين المكملة لها ،قانون العقوبات والقوانين المكملة له ، المرجع السابق ، ص 136 ـ سبقت الإشارة إليها ـ
3 ـ النشرة التشريعية لسنة 1971ف ، المرجع السابق ، ص3067 .
4 ـ د محمد شريف إسماعيل ، الوظيفة الإدارية للشرطة ، المرجع السابق ، ص226 .
5 ـ حكمها بتاريخ 31 .12 .1991ف ، أشار إليه د مجدي فتح الله ، المرجع السابق ، ص439 .
فنصت (م1) منه على ( يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق ، وهم قد وهبوا العقل والوجدان ، وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء ).
وفى (م9) ( لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً ) (1).
3 ـ المحافظة على أسرار الوظيفة.
نظراً لطبيعة عمل رجل الشرطة فأنه قد يعلم بأسرار عديدة سواء للدولة أو الأفراد ، ولهذا حرص المشرع بأن يحظر على رجل الشرطة إفشاء هذه الأسرار ، سواء أثناء قيامه بتأدية عمله أو بعد ترك الخدمة .
وفى هذا نص قانون الأمن والشرطة على ( أن يكتم الأمور التي يطلع عليها بحكم وظيفته ، إذا كانت سرية بطبيعتها ، أو بموجب تعليمات تقضي بذلك ، ويظل هذا الواجب قائما ولو بعد ترك الخدمة )(2). وترتب على هذا الواجب إعفاء رجل الشرطة من الإدلاء بالشهادة في بعض الأحيان ، كما يؤدي الإخلال بهذا الواجب مسؤولية رجل الشرطة الجنائية (3).
4 ـ طاعة المرؤوس للرئيس.
بما أن الشرطة هيئة نظامية مدنية ، فإن طاعة الرؤساء تعتبر العمود الفقري فيها ، بحيث يقوم التنظيم الإداري للوظائف بهيئة الشرطة على تدرج رئاسي ، يخضع بمقتضاه الأدنى رتبة للأعلى رتبة ، وذلك من خلال الأوامر والنواهي والتعليمات . وهذه السلطة الرئاسية يقابلها واجب على المرؤوسين يتمثل في الاحترام والطاعة ، وتنفيذ أوامر رؤسائهم في حدود القوانين واللوائح(4).
وجاء في قانون الأمن والشرطة ( أن يطيع أوامر رؤسائه ، وأن يقوم بما يفرضه عليه واجب الاحترام إزاء رئيسه أو من هو أعلى منه رتبة ...) (5).
ويتحمل كل رئيس مسؤولية الأوامر التي تصدر منه ، وهو المسؤول عن حسن سير العمل في حدود اختصاصه ، ولا تقف مظاهر طاعة المرؤوس لرئيسه عند تنفيذ الأوامر والأعمال المصلحية ، بل تشمل كل ما يتصل بتوقير الرئيس واحترامه . وقد أكدت المحكمة الإدارية العليا هذه المعاني ، حيث جاء في حيثيات حكمها ( إذا ثبت أن ما أبداه الموظف من أقوال في مقام الدفاع عن حقه ، قد تجاوز مقتضيات هذا الدفاع إلى سلوك ينطوي على تحدي رؤسائــــــه أو
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ د صالح بن عبد الله الراجحى ، المرجع السابق ، ص184 وما بعدها .
2 ـ (م 61 / 7 ) من قانون الأمن والشرطة ، المرجع السابق ، ص 1022 .
3 ـ عميد محمد ياقوت ، المرجع السابق ، ص150 .
4 ـ عقيد مصطفى دلاف ، المرجع السابق ، ص109 .
5 ـ (م 61 / 3 ) من فانون الأمن والشرطة ، المرجع السابق ، ص 1022 .
التطاول عليهم ، فإن هذا السلوك المستفاد من جماع هذه الأفعال يكون المخالفة الإدارية ، وهي الإخلال بواجبات الوظيفة والخروج على مقتضاها ) (1).
والتزام رجل الشرطة بتنفيذ الأوامر التي تصدر إليه يكون وفقا للضوابط التالية (2):
1 ـ أن يكون الأمر صادراً من رؤسائه المباشرين أو من الأعلى رتبة ، وهم الذين لهم السلطة الرئاسية عليه ، فأساس هذا الواجب هو الخضوع الرئاسي وما يتبعه من تسلل قيادي .
2 ـ أن يكون الأمر الصادر قانونيا ، فاحترام القانــون يخضع له الجميع ، وعلى كافة المستويات ، وعلى رجل الشرطة الامتناع عن تنفيذ الأمر إذا كان يهدد العمل تهديداً خطيرا أو يؤدي إلى ارتكاب جريمة .
ولضمان استمرار العمل وانتظامه ، يتحتم على رجل الشرطة تنفيذ أمر رئيسه ، ولو كان الأمر مخالفاً للقانون ، مادام لا يكون جريمة جنائية ، بشرط أن يقوم بتنبيه رئيسه على المخالفة ، وان يصر الرئيس على أمره المخالف رغم ذلك .
وقد أكدت المحكمة العليا هذا المعنى في حكم لها ، حيث قضت ( قام الجدل حول مسؤولية المرؤوسين العسكريين في تنفيذ أوامر رؤسائهم المخالفة للقانون ، فذهب رأي مرجوح إلى أن المرؤوس يجب عليه أن يطيع رؤساءه طاعة عمياء فينفذ الأوامر ولو كانت مخالفـة للقانــون وذهب رأي آخر إلى أن المرؤوس يجب عليه إلا ينفذ أمراً لرئيسه إلا إذا كان مطابقاً لقانون ، فإن كان مخالفاً له فمن واجبه أن يمتنع عن تنفيذه وعندئذ لا تقع عليه مسؤولية جنائية ولا إدارية وقد عيب على الرأي الأول تطرفه ، وعلى الرأي الثاني أنه يقضي على الطاعة التي تعتبر أساساً أولياً في النظام العسكري ويفتح باب المناقشة في أوامر الرؤساء ، وأرجح الآراء هو الذي يتوسط بين هذين الرأيين ومؤداه أنه يجب الطاعة أساساً إلا إذا كان الفعل مخالفاً للقانون مخالفة ظاهرة فعندئذ يجب على المرؤوس الامتناع عــن أدائه ...)(3) .
ويجب التنويه إلى أن هناك تفرقة بين تنبيه المرؤوس لرئيسه إلى المخالفة وإبداء رأيـه في ذلك ، وبين الامتناع عن تنفيذ الأوامر ، فرجل الشرطة ليس له الاعتراض على ما استقر عليه رأي رئيسه .

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ حكم المحكمة الإدارية العليا بتاريخ 14 .12 .1957ف ، أشار إليه د مجدي فتح الله ، المرجع السابق ، ص431 ـــ د محمد شريف إسماعيل ، الوظيفة الإدارية للشرطة ، المرجع السابق ، ص221 .
2 ـ عميد محمد ياقوت ، المرجع السابق ، ص146 .
3 ـ طعن جنائي رقم 12 /12 ق بتاريخ 3 .5 .1970 ف ، م .م. ع ، العدد2 ، السنة السادسة ، الاعداد 1 .2 .3 .4 ، ص31 .

ومن خلال ما تقدم نؤكد بأن التحلي بكل هذه القيم والضوابط السلوكية والمهنية التي ذكرت وغيرها . سعى إلى إيجاد نموذج لرجل الأمن المثالي ، الذي يعتبر هدفاً تسعى الإدارة لبلوغه ، كما أن التقسيم الخاص بالقيم السلوكية والمهنية لا يوجد له أساس واضح ، حيث إن هناك تداخل بينهما(1).
وبهذا نكون قد انتهينا من دراسة الفصل الثالث ، ونصل إلى خاتمة هذه الدراسة ، وهو ما نتناوله في الصفحات التالية .




ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ د محمد إبراهيم الاصيبعى ، أخلاقيات الوظيفة الأمنية ، مجلة الأمن العام الليبية ، العدد6 ، الحرث1427 ميلادية ـ1998ف ، ص19 .
الخاتمة
بعد الانتهاء من هذه الدراسة نشير إلى أنها اشتملت على موضوعين قائمين لذاتهما ، ولكل منهما علاقة بالآخر ، فالحريات العامة تعني الممارسة الحرة لجميع الأنشطة الإنسانية مع مراعاة حريات الآخرين ، وهو موضوع خصب وواسع المجال ، والباحث لم يتوسع فيه كثيراً إلا بالقدر الذي يهم موضوع الدراسة .
أما موضوع إجراءات الضبط الإداري فيعتبر من أهم الأعمال التي تقوم بها الإدارة في سبيل المحافظة على الأمن والنظام العام بالدولة ، وتستخدم في ذلك سلطاتها لأجل التغلب على أي تهديد أو إخلال بالنظام العام ، ويترتب على هذه الأعمال تقييد حريات الأفراد .
وقد حاول الباحث التطرق إلى كل جوانب الموضوع ، مبرزاً تأثير الإجراءات الضبطية على الحريات العامة للأفراد .
ومن خلال هذه الدراسة يمكن للباحث أن يورد عدة نتائج وتوصيات ، على النحو التالي :ـ
أولا ًــ النتائج :ـ
اتضح للباحث عدة نتائج من أهمها :
1 ـ الحرية شيء عزيز على الإنسان ، وهى أمل ينشده كل فرد ، فهي مرتبطة بحياة الإنسان ، ولهذا كافحت الشعوب طويلاً من أجل الاعتراف لها بالحرية ، وكان للإسلام الفضل الكبير في إرساء دعائم الحرية ، حيث سبقت الشريعة الإسلامية كل المحاولات الإنسانية التي بذلت في سبيل بيان الحقوق والحريات العامة للإنسان ، وقامت بوضع العديد من المبادئ الأساسية لها والمتمثلة في المساواة والشورى والعدالة .
2 ـ قامت عدة محاولات إنسانية لبيان مضمون الحرية والنص عليه في إعلان أو وثيقة ، فكانت الإعلانات المحلية في إنجلترا وأمريكا ، وأبرزها إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا ، ثم توالت الإعلانات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان في العصر الحديث ، ولعل أبرزها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة ، والوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير الصادرة في الجماهيرية العظمى .
3 ـ حاول الفقه إيجاد تعريف للحرية ، إلا أنه وجد صعوبة في ذلك ، وتباينت تعريفاته حولها ، وإن أجمعت وبمختلف اللغات ، على أن الحرية تعني مكنة الفرد في أن يفعل ما يريد .
4 ـ نظراً لقداسة الحرية وأهميتها بالنسبة للإنسان ، فقد سعى أن يكون النص عليها في متن الدساتير الوضعية ، وذلك لسمو الدستور ومكانته التي تعلو كل القواعد القانونية في الدولة ، وبالتالي فالحريــات العامـة تتمتع بحماية دستورية لا تستطيع الإدارة إهدارها أو الانتقاص منها ، وإلا تعرضت للمساءلة واتسمت إجراءاتها بالمخالفة للدستور .
5 ـ الضبط الإداري وظيفة من وظائف الدولة الضرورية ، تقوم به الإدارة ويعتبر مـن أهم أنشطتها ، والغاية منه المحافظة على النظام العام أي اتخاذ الإجراءات الكفيلة للحد دون وقوع أي إخلال أو تهديد للنظام العام ، المتمثل في العناصر الرئيسية للنظام العام وهي الأمن العام والصحة العامة والسكينة العامة ، إضافة إلى عناصر أخرى جرى التوسع فيها بحكم التطور وتدخل الدولة في كافة مناحي الحياة ، وهى النظام العام الأدبي ، والنظام العام لجمال الرونق والرؤاء، والنظام العام الاقتصادي.
6 ـ تختلف حدود إجراءات الضبط الإداري في الظروف العادية عنها في الظروف الاستثنائية ، فأثناء الظروف العادية تخضع إجراءات الضبط الإداري لمبدأ المشروعية ، الذي يعني سيادة حكم القانون ، أي تقيد الإدارة بما تفرضه القوانين واللوائح والقرارات وعدم مخالفتها ، وكذلك الخضوع لرقابة القضاء إلغاءً وتعويضاً .
إلا إنه في الظروف الاستثنائية يختلف الأمر ، حيث تمر الدولة بظروف عصيبة وفجائية ، فتقوم سلطات الضبط الإداري باتخاذ الإجراءات الكفيلة لحماية النظام العام ، وتتسع أثناء هذه الظروف سلطات الضبط الإداري في سبيل المحافظة على كيان الدولة من أي تهديد أو خطر يمس النظام العام بها ، فالتضحية بالحريات العامة وتقييدها في مثل هذه الظروف أولى من تعرض كيان الدولة لأخطار تهدد أمنها وسلامتها ، فبقاء الدولة فوق كل اعتبار، ومع ذلك فأن الأجراءات المتخذة أثنائها تخضع لرقابة القضاء ، وأن كانت ليست مثل تلك الأجراءات المتخذة أثناء الظروف العادية .
7 ـ يمارس القضاء الإداري رقابته على إجراءات الضبط الإداري ، وتختلف هذه الرقابة حسب الظروف ، ففي الظروف العادية يراقب القضاء الإداري الإجراءات الضبطية التي تتخذها الإدارة من عدة جوانب ، كالتزام الضبط الإداري بأغراضه المعروفة وعدم خروج هيئات الضبط عن هذه الأغراض وأن تعلق الأمر بالمصلحة العامة ، وكذلك الرقابة على أسباب القرار الإداري المتعلق بالضبط ، والتي يجب أن تكون واقعية وجدية ، وأن تثبت الإدارة بأن هناك خطراً يهدد النظام العام في أحد عناصره ، وأيضا يراقب القضاء الوسائل المستخدمة من قبل سلطات الضبط الإداري للحفاظ على النظام العام ، ومدى ملاءمة هذه الوسائل للأخطار التي تهدد النظام العام .
أما خلال الظروف الاستثنائية فالقضاء الإداري يقوم بدوره المناط به في الرقابة على إجراءات الضبط الإداري ، بحيث يتم التأكد من ضرورة تحقق الظرف الطارئ ، ووجود خطر جسيم يهدد النظام العام في أحد عناصره ، وعدم إمكانية المحافظة على النظام العام في ظل التشريعات العادية .
8 ـ أجمع القضاء والفقه في ليبيا والقانون المقارن على أن قرار إعلان الحالة الطارئة ، يعتبر من القراراتً السيادية التي تصدرها السلطة التنفيذية ، باعتبارها سلطة حكم ومن ضمن وظيفتها السياسية العليا المخولة لها قانوناً، ومع ذلك يرى ضرورة خضوعها لرقابة القضاء ، في حين أن القرارات التالية لقرار إعلان الحالة الطارئة والإجراءات التي تتخذها سلطات الضبط الإداري لتنفيذ هذا القرار تعتبر قرارات إدارية وتخضع لرقابة القضاء .
9 ـ لرجل الشرطة عند تنفيذ مهامه المتعلقة بالضبط الإداري استخدام القوة ضد الأفراد بالقدر اللازم لذلك ، على أن تكون ملاءمة وعدم التعسف في استخدامها ، وإلا تعرض للجزاء القانوني المنصوص عليه في قانون العقوبات . ويشترط في استخدام القوة عدم وجود وسيلة أخرى لتحقيق الإجراء الضبطي ، وأن لا تتعارض مع ما تفرضه القوانين كقانون الإجراءات الجنائية .
كما أجاز المشرع الليبي لرجل الشرطة استخدام السلاح الناري لتحقيق أغراض الضبط الإداري عندما يكون هو الوسيلة الوحيدة لذلك ، وحصر الأحوال التي يجوز لرجل الشرطة استخدام السلاح أثناءها ، على أن لا يتم اللجوء إلى السلاح إلا بعد التأكد من عدم قيام الوسائل الأخرى بالمحافظة على النظام العام .
ثانياً ــ التوصيات:ـ
من خلال ما تقدم يوصي الباحث بما يلي :

1 ـ ضم الوثائق الأساسية في التشريع الليبي ( وثيقة إعلان قيان سلطة الشعب ، الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير ، قانون تنظيم عمل المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية ) في وثيقة واحدة تكَون القانون الأساسي ـ الدستور ـ ليتم الرجوع إليها من قبل المشرع ، ورفع الاختلاف الفقهي حولها ، بأنها عبارة عن قوانين تكَون في مجموعها القانون الأساسي ، أو أنها عبارة عن قوانين عادية وبنفس المرتبة مع القوانين الأخرى . وكذلك تمكين الفقهاء والباحثين من توحيد المصدر التشريعي في كتاباتهم وأبحاثهم .
2 ـ أن يقوم المشرع الليبي ـ المؤتمرات الشعبية الأساسية ـ بإعطاء اللجنة الشعبية العامة حق إصدار اللوائح المختلفة صراحة ، وتحديد تلك اللوائح في القانون الأساسي ، وعدم اقتصار النص على اللوائح التنفيذية للقوانين فقط .
3 ـ إعادة النظر في القوانين المتعلقة بالظروف الاستثنائية في ليبيا ، وأن يتم النص في القانون الأساسي على وقت اللجوء إلى هذا القانون ، والجهة المخولة بالإعلان ، والأسباب التي تدعو إلى ذلك ، على أن يتم ترتيب أولوية اللجوء إلى القانون المنظم للحالة الاستثنائية ، حسب الخطورة المهددة للنظام العام .
4 ـ تفويض اللجنة الشعبية العامة إصدار لوائح الضرورة ، عندما توجد ظروف طارئة تستدعي ذلك ، على أن يتم وضع ضوابط تتمثل في عرض الأمر على المؤتمرات الشعبية الأساسية خلال فترة معينة ، وعدم تحصين قرار الإعلان من الرقابة القضائية ، وأن تتقيد اللجنة الشعبية العامة بما تتخذه جماهير المؤتمرات من قرارات حول إعلانها .
5 ـ انتقاء العناصر الجيدة من الذين يلتحقون بالأجهزة المناطة بها ممارسة إجراءات الضبط الإداري ، لتأدية المهام المكلفين بها على خير ما يرام ، وفق صحيح القانون ، حماية للأمن والنظام العام ، وصوناً لحريات الأفراد في ذات الوقت .
6 ، الأخذ بنظام ازدواج القضاء في ليبيا ، أسوة بدول القانون المقارن ، وذلك لتوفير رقابة قضائية فاعلة على جميع القرارات الإدارية ومن ضمنها قرارات الضبط الإداري .
7ـ التأكيد على تطبيق ما ورد في القانون رقم 5 لسنة 1991ف بشأن تطبيق مبادئ الوثيقة ، وبخاصة القوانين الصادرة قبل إعلان الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان .
وفي ختام هذه الدراسة نقول أنني لا أدعى لها الكمال ، فالكمال لله وحده ، وهي لا تعدو أن تكون محاولة تستهدف الإسهام ولو بقدر يسير في تكوين فكرة عامة عن الحريات العامة وإجراءات الضبط الإداري ، وأسال الله أن أكون قد وفقت فيما سعيت إليه ، فأن أصبت فله الخير والمنة ، وأن أخطأت فأنه منى ، والله الموفق .


الباحث
v shgm lh[sjdv (hgpvdhj hguhlm ,p],] h[vhxhj hgqf' hgh]hvn)hgfhpe hfvhidl shgl hghoqv > havht ] uha,v a,hdg 3 skm 2010l
  • الاستاذ غير متواجد حالياً
  • رد مع اقتباس
إضافة رد

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
رسالة ماجستير الحريات العامة وحدود اجراءات الضبط الادارى الباحث ابراهيم سالم الاخضر الاستاذ العلوم القانونية و الادارية 3 10-01-2016 07:57 PM
ر سالة ماجستير (الحريات العامة وحدود اجراءات الضبط الادارى)الباحث ابراهيم سالم الاخضر الاستاذ العلوم القانونية و الادارية 0 03-27-2014 11:51 AM
تاريخ ايداع ملفات مسابقات ماجستير الاقتصاد بجامعة الجزائر دالي ابراهيم الاستاذ مذكرات تخرج و رسائل جامعية في العلوم الاقتصادية 0 12-28-2013 10:16 AM
اسئلة مسابقات ماجستير جامعة عنابة في الاقتصاد الجزائري والمالية العامة الاستاذ مذكرات تخرج و رسائل جامعية في العلوم الاقتصادية 0 12-28-2013 10:09 AM
تجميعية دروس واسئلة ماجستير في المالية العامة والاسواق المالية والاقتصاد الكلي الاستاذ مذكرات تخرج و رسائل جامعية في العلوم الاقتصادية 0 12-28-2013 10:08 AM


الساعة الآن 04:21 PM


.Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
منتدى الشروق الجزائري