التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

العلوم القانونية و الادارية دروس و محاضرات في العلوم القانونية و الادارية

ر سالة ماجستير (الحريات العامة وحدود اجراءات الضبط الادارى)الباحث ابراهيم سالم الاخضر

المقدمــــــة تعتبر الحرية أسمى شيء في الوجود، ويسعى كل إنسان للتمتع بهذه الحرية التي وجدت بوجوده ، فمنذ القدم سعى الإنسان للحصول

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-27-2014, 11:51 AM #1
الاستاذ
المدير العام
 
الصورة الرمزية الاستاذ
 
تاريخ التسجيل: Aug 2013
العمر: 26
المشاركات: 36,585
المقدمــــــة






تعتبر الحرية أسمى شيء في الوجود، ويسعى كل إنسان للتمتع بهذه الحرية التي وجدت بوجوده ، فمنذ القدم سعى الإنسان للحصول على حريته والاستمتاع بها ، وقد دعت كل الشرائع السماوية إلى صيانتها والمحافظة عليها ، نظراً لتكريم بني الإنسان وجعله في مرتبة عالية عن بقية المخلوقات الأخرى ، ومنها الشريعة الإسلامية التي أولت اهتماماً بالغاً للحرية وتناولت كل تقسيماتها المعروفة حديثاً .
والحرية تكون في الأصل مطلقة من كل قيد ، فكل إنسان حر في تصرفاته ومعاملاته وفق إرادته ، إلا إن هذه الحرية المطلقة تقف عند حد حرية الآخرين ، وبذلك فإن تقييدها أو الانتقاص منها يعتبر شيئاً خطيراً لا تقبله العدالة والقواعد الطبيعية .
ومع تطور المجتمع وتدخل الدولة الحديثة في مختلف مناحي الحياة شغل موضوع الحريات العامة اهتمام الفكر القانوني والسياسي في مختلف النظم السياسية ذات المذاهب المختلفة ، وأصبح لزاماً على الإدارة أن تراعي حقوق وحريات الأفراد في كل تصرفاتها ، فظهرت الإعلانات والمواثيق التي تنادى بحماية حقوق الإنسان والحريات العامة وعدم انتهاكها ، وتبلور ذلك بأن قامت معظم الدول بتبني إعلان أو وثيقة تتعلق ببيان الحقوق والحريات العامة أو بالنص على حماية الحريات العامة في تشريعاتها سواء في متن الدساتير أو في قوانين خاصة ، وهذا يعني إلزاماً للإدارة بأن تتقيد بهذه التشريعات المنظمة للحريات العامة وعدم إساءة استعمال سلطاتها إزاء حقوق وحريات الأفراد .
ويقع على عاتق الإدارة مهمة المحافظة على النظام العام في الدولة ، وذلك بواسطة أجهزة متخصصة تنظم عملها قوانين أو لوائح وقرارات إدارية ، ومن ضمن هذه الأجهزة جهاز الشرطة الذي يقوم بدور رئيسي وهام في المحافظة على النظام العام ، وذلك باعتباره صاحب الاختصاص الأصيل بوظيفة الضبط الإداري . فالضبط الإداري ضرورة اجتماعية لا غنى عنها ، لأنه يحافظ على النظام العام ويكفل للإفراد تنظيم حرياتهم العامة . وترتب على ذلك اتصال وظيفة الضبط الإداري بالحريات العامة ، ووجود علاقة وثيقة بينهما ، لأن الحريات العامة تنظم بإجراءات مقيدة بحدود أبرزها تلك الحدود التي تفرضها مقتضيات إجراءات الضبط الإداري . إلا أن الإدارة قد تميل إلى الشطط في بعض الأحيان ، لأن تدخلها كثيراً ما يقيد الحريات العامة ، نظراً لما تملكه من وسائل الضبط إزاءها ، فهي تستطيع أن تلزم الأفراد بإرادتها المنفردة ، وأن تقوم بإصدار قرارات تكون نافدة دون توقفها على قبول الأفراد لها ، وقد تلجأ أحياناً إلى تنفيذ قراراتها بالقوة عند الاقتضاء .
فسلطة الإدارة وهى تقوم بحماية ممارسة الأفراد لحرياتهم ، فتمنع الآخرين مـن الاعتداء عليهم ، وتفرض العقوبات على هذا الاعتداء ، فإنها من جانب أخر تضع أكثر القيود مساساً
بالحريات ، وذلك بما تتخذه من إجراءات إدارية ، وبما يمارسه ممثلوها عند تطبيق القوانين واللوائح ، فيتعرضون لحريات الأفراد ، وهنا تثور المشكلة وهى مدى تحقق الحماية للحريات العامة إزاء تعرض السلطة لها بالقيود ، أي كيفية إيجاد التوازن بين حق الإدارة في ممارسة نشاطها بحماية المجتمع ، وبين تحقيق حماية الحريات العامة التي تتطلب من الإدارة التقيد بإجراءات معينة تهدف بها إلى حماية الحرية وهى بصدد ممارسة نشاطها .
ومهمة الضبط الإداري تقع على عاتق الشرطة ، فهي المخولة باستعمال سلطات الضبط الإداري للمحافظة على النظام العام في الدولة ، ويجب أن تكون إجراءاتها في إطار المشروعية واحترام حقوق وحريات الأفراد ، ومع ذلك فقد تقوم الشرطة عند ممارستها لإجراءاتها الضبطية بالمساس بالحريات العامة للأفراد ، لهذا نص المشرع على العديد من الضمانات لممارسة الأفراد لحرياتهم ، وفرض على رجال الشرطة قيوداً تتمثل في احترام سيادة القانون والخضوع لرقابة القضاء إلغاء وتعويضاً.
ـ إشكالية الدراسة :
تكمن إشكالية الدراسة في أن الإدارة تمارس وظائفها الإدارية وفق القوانين واللوائح والقرارات المختلفة ، لتحقيق النفع العام والمحافظة على النظام العام ، وخلال هذه الممارسة تفرض قيوداً على حرية الأفراد وتحد من حرياتهم .
وتأتى هذه الدراسة في محاولة لإيجاد التوازن بين حق المجتمع في البقاء آمناً ، وبين حق الفرد في عدم المساس بحقوقه وحرياته الأساسية ، فرغم وجود الحماية الكاملة لحقوق الفرد في متن الوثائق والدساتير والقوانين ، وأنه مناط بالسلطة التنفيذية المحافظة عليها وعدم إهدارها ، إلا أن هناك بعض التصرفات التي تقوم بها الإدارة قد تنال من تلك الحماية ، وفى الوجه الآخر نجد بعض الأفراد الذين يستغلون تلك الحريات في الإساءة إلى المجتمع ، لذلك سوف نحاول في هذه الدراسة أن نبحث عن الوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك التوازن بين أمن المجتمع وحريات الأفراد .
ـ أهمية الدراسة :
إن هذه الموضوع يحظى بأهمية كونه لم يلق ما يلزم من البحث ، وعدم تعمق الدراسات الموجودة في ليبيا حول هذا الموضوع ، مقارنة بما حظي به هذا الموضوع في الأنظمة القانونية المقارنة ، كما تبرز أهمية الموضوع في خطورة إجراءات الضبط الإداري عند تقييدها للحريات العامة ، وانعكاسها المباشر على حريات الأفراد ، حيث إن تدخل الإدارة بسلطات الضبط الإداري كثيراً ما يقيد الحقوق والحريات لما تملكه من وسائل الضبط ، لذلك يجب وضع الحدود والضوابط التي تلتزم بها سلطة الضبط في إجراءاتها حتى لا تهدد حقوق الأفراد وحرياتهم ، أي التوفيق بين مقتضيات حفظ النظام العام وبين متطلبات الحرية .
ومن هنا كانت أهمية دراسة الحريات العامة وحدود إجراءات الضبط الإداري ، وهو ما دعاني لاختيار هذا الموضوع ، وهدفي المساهمة ولو بشكل بسيط في إثراء ناحية من نواح القانون العام في ليبيا ، ومقارنتها بما وصل إليه القانون المقارن ، ومحاولاً كذلك سد الفراغ في مكتبتنا القانونية في مثل هذه الدراسات ، وهو ما لاحظته خلال مسيرتي مع هذه الدراسة .
ـ نطاق الدراسة :
نظراً للعلاقة بين تدابير الضبط الإداري والحريات العامة، فقد اهتمت هذه الدراسة ببيان العلاقة بين الإجراءات التي تقوم بها الإدارة في سبيل تحقيق أهدافها عن طريق الضبط الإداري وتأثيرها على الحريات العامة في المقابل ، حيث سيتم التعرض للإجراءات الضبطيــــة في الظروف العاديــــة ، وكذلك الاستثنائية والتي تتوسع فيها هذه الإجراءات ، ومدى انتهاك هذه الإجراءات لحريات الإنسان المختلفة ، ودور القضاء الإداري في تحقيق الرقابة القضائية على إجراءات الضبط الإداري المتخذة من قبل الإدارة ، وبالتطبيق على الشرطة في ليبيا .
ـ حدود الدراسة :
يكون مجال هذه الدراسة في نطاق التشريعات المنظمة للحريات العامة وإجراءات الضبط الإداري ، متضمناً المواثيق المحلية والدولية والدساتير الوضعية والقوانين الصادرة عن السلطة التشريعية ، وكذلك اللوائح والقرارات ذات العلاقة ، وآراء الفقه وأحكام القضاء في كل من ليبيا ومصر وفرنسا .
ـ منهج الدراسة :
اتجهت في هذه الدراسة إلى المنهج التحليلي الوصفي التاريخي المقارن ، سواء للنصوص الدستورية والقانونية ، أو لآراء الفقه وأحكام القضاء في كل من ليبيا ومصر وفرنسا .
ـ المصطلحات المستخدمة:
* الحريات العامة : هي مجموعة الحريات المكتسبة للإنسان والمنصوص عليها صراحة في الدساتير والقوانين الخاصة بالدولة .
* الضبط الإداري : مجموعة التدابير والإجراءات التي تتخذها الإدارة لغرض المحافظة على النظام العام في الدولة ، ويمثل قيداً على الحريات العامة للإفراد .
* النظام العام : هو عبارة عن مجموعة من القواعد القانونية التي تنظم المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وتهدف إلى المحافظة على الأسس والمبادئ التي يقوم عليها المجتمع .
ـ الدراسات السابقة :
عند قيامي بالبحث في العديد من المكتبات ، ومن خلال الإطلاع على الرسائل التي تناولت موضوع الدراسة ، لم أجد من تناول الموضوع بذاته ، وإنما هناك عدة دراسات تناولت أحد شقيه ، فهناك دراسات تناولت الحريات العامة ، وأخرى تناولت موضوع الضبط الإداري ، ونورد بعض هذه الدراسات على النحو التالي :
1 ـ دراسة دكتور عاشور سليمان شوايل بعنوان ( مسؤولية الدولة عن أعمال الضبط الإداري في القانون الليبي والمقارن ) دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2002ف .
تعتبر هذه الدراسة من أهم الدراسات في ليبيا التي تعنى بإجراءات الضبط الإداري ، حيث تعرض الباحث لمسؤولية الدولة عن إجراءات الضبط الإداري ، وبخاصة أن هذه الإجراءات الضبطية التي قد تكون غير مشروعة تستهدف الحريات العامة للمواطنين ، والتي ينبغي أن يتم تحقيق توازن بين هذه الحريات وبين مهمة سلطة الضبط في تحقيق النظام العام . مؤكداً ضرورة أن يأخذ التشريع والقضاء الليبي بما استقر عليه القضاء المقارن في شأن تحديد مسؤولية الدولة في كل ما يتعلق بأعمال الضبط الإداري غير المشروعة .
2 ـ دراسة منيب محمد ربيع بعنوان ( ضمانات الحرية في مواجهة سلطات الضبط الإداري ) رسالة دكتوراه ، كلية الحقوق ، جامعة عين شمس ، القاهرة ، 1981ف .
حيث كان هدف الباحث من هذه الدراسة ، محاولة الجمع بين طرفي نقيض في مجال واحد ، نظراً للتعارض القائم بين أهداف الضبط الإداري وبين إرادة الأفراد في ممارسة الحرية ،
3 ـ دراسة محمد أحمد فتح الباب بعنوان ( سلطات الضبط الإداري في مجال ممارسة حرية الاجتماعات ) رسالة دكتوراه ، كلية الحقوق ، جامعة عين شمس ، القاهرة ، 1993ف .
حيث خصصت هذه الدراسة للتعرف على الإجراءات الضبطية التي تقوم بها الإدارة في مواجهة حرية الاجتماعات ، التي هي أحد الحريات المصنفة ضمن الحريات السياسية .
4 ـ دراسة ممدوح عبد الحميد عبد المطلب بعنوان ( سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية ) رسالة دكتوراه ، كلية الدراسات العليا ، القاهرة ، 1991ف .
تعرض الباحث لدراسة إجراءات الضبط الإداري أثناء الظروف الاستثنائية ، وتأثيرها على الحريات العامة ، هادفاً من خلال هذه الدراسة إلى بيان القيود التي تفرض على الحريات العامة أثناء وجود الظروف الاستثنائية .
5 ـ دراسة صالح أحمد محمد الفرجانى بعنوان ( الحقوق والحريات العامة في الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان وضمانات تطبيقها) رسالة ماجستير ، جامعة الفاتح ، طرابلس ، 2005ف .
حيث تعرض الباحث للمقارنة بين الحريات العامة التي تناولتها المواثيق الدولية والقارية ، وما جاءت به الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان ، وانتهى الباحث إلى أن الوثيقة الخضراء قد احتوت على كل الحقوق والحريات المتعارف عليها ، وأضافت حقوقاً أخرى .
ـ خطة الدراسة:
ـ الفصـل الأول : الحريات العامة ، وقسم هذا الفصل إلى مبحثين ، الأول بعنوان مفهوم الحريات العامة والتطور التاريخي لها ، حيث قسم إلى ثلاث مطالب ، الأول مفهوم الحريات العامة ، والثاني التطور التاريخي للحريات العامة ، والثالث ضمانات الحريات العامة .
أما المبحث الثاني فهو بعنوان حماية الحريات العامة ، وقسم إلى ثلاث مطالب ، الأول بعنوان الاعتراف الدستوري بالحريات العامة ، والثاني التنظيم التشريعي للحريات العامة ، والثالث الإدارة وسلطتها في مجال تنظيم الحريات العامة .
ـ الفصل الثـاني : الضبط الإداري، وقسم هذا الفصل إلى مبحثين ، الأول بعنوان مفهوم وطبيعة الضبط الإداري وعلاقته بالأنظمة المشابهة له ، حيث قسم إلى ثلاث مطالب ، الأول ماهية الضبط الإداري ، والثاني طبيعة الضبط الإداري ، والثالث علاقة الضبط الإداري بالأنظمة المشابهة له .
أما المبحث الثاني فهو بعنوان أغراض ووسائل الضبط الإداري ، وقسم أيضا إلى ثلاث مطالب ، الأول أغراض الضبط الإداري ، والثاني التوسع في عناصر النظام العام ، والثالث هيئات ووسائل الضبط الإداري.
ـ الفصل الثـالث : حدود وتدابير إجراءات الضبط الإداري ، وقسم كذلك إلى مبحثين ، المبحث الأول بعنوان حدود سلطات الضبط الإداري ، وقُسم إلى ثلاث مطالب ، الأول حدود سلطات الضبط الإداري في الظروف العادية ، والثاني حدود سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية ، والثالث ضوابط وقيود الإجراءات الضبطية في الظروف الاستثنائية .
أما المبحث الثاني فهو بعنوان التدابير الضبطية للشرطة وعلاقتها بالحريات العامة ، وقُسم أيضا إلى ثلاث مطالب ، الأول أعمال الشرطة في مجال الضبط الإداري ، والثاني عيب الانحراف في الأداء الضبطى لرجال الشرطة ، والثالث الإجراءات الضبطية للشرطة وتأثيرها على الحريات العامة .



الفصل الأول
الحريــــات العــــامـــــــة







تمهيد وتقسيم ،،،
تعتبر حرية الإنسان قوام حياته وأعز ما يملك ، فمن أجلها يعيش ، ومنذ البداية يتطلع إلى أن تحترم كرامته الإنسانية وتصان حقوقه الأساسية . والباحث في علوم القانون يلاحظ انشغال الفكر القانوني بموضوع الحريات العامة ، فكثرت كتابات الفقه في هذا الموضوع ، وتضمنت العديد من الجوانب المختلفة له ، والجدل القائم حول حريات الإنسان الأساسية لم ينته في مواجهة السلطة التي تحكم المجتمع ، فالإنسان يطمح دائماً بأن تصان حرياته ولا تمس مـن قبل الحاكمين والذين يقومـون بدورهم بتقييد حريتـه بحجة تنظيم المجتمع ، وذلك بوضع قيود وضوابط تهدد أو تعطل هذه الحريات أحياناً .
وللحرية ارتباط وثيق بوظيفة الضبط الإداري ، فلا وجود لإحداهما دون الأخرى ، ويعكف المشرعون على وضع القواعد القانونية المنظمة للحريات العامة ، لغرض تمكين الأفراد من التمتع بها باعتبارها حقوقاً لصيقة بهم وولدت معهم ، ولا يمكن للسلطة أن تنال منها لأنها تعد مكسباً طبيعياً وحقيقياً للإنسان ، وهى سابقة على نشأة الدولة .
وكفاح الإنسانية من أجل الحصول على الحرية قديم قدم الإنسان ، وكان طموحاً لنيل حريته وعدم تقييدها من غيره ، وخاصة بعد ظهور الديانات السماوية التي حثت على كرامة الإنسان وحريته ، فالشريعة الإسلامية أولت اهتماماً بالغاً بحرية الإنسان ، وكفلت كل الضمانات من أجل تمتعه بحريته . ثم ظهرت المواثيق المحلية والدولية لتنظيم حقوق الإنسان وحرياته ، وأهمها إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي سنة1789ف ، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة سنة 1948ف، والوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير في ليبيا سنة 1988ف .
ومن ناحية أخرى فإن أهمية ومكانة الحرية ، جعلت المشرع يتولى عملية تنظيمها وتحديد الضمانات التشريعية المتصلة بممارستها .
ومن خلال هذا الفصل سنقوم بالتعرف على مفهوم الحريات العامة ، من حيث تعريفها وتقسيماتها وضماناتها ، ثم التطور التاريخي لها ، وكذلك التعرف على الحماية المقررة لها دستوريا وقانونيا وذلك على النحو التالي :
المبحث الأول / مفهوم الحريات العامة والتطور التاريخي لها
المبحث الثاني / حماية الحريات العامة


المبحث الأول
مفهوم الحريات العامة والتطور التاريخي لها
تمهيد ،،،
إن الحرية تعتبر من القيم القليلة التي لها عظيم الأثر في نفس الإنسان ، وقد اهتم بها حتى أصبحت من ضمن أولاوياته ، وشغلت بال المفكرين والفلاسفة والسياسيين وفقهاء القانون على مر العصور ، وتباينت آرائهم حولها . كذلك فإن الأديان السماوية اهتمت بالحريات وبخاصة الشريعة الإسلامية ، التي اعترفت بحرية الإنسان وكرامته وبحقوقه الأساسية ، ودعت إلى المساواة بين بني البشر ، وقد كان لها السبق في مجال إرساء أسس وقواعد حقوق الإنسان وحرياته الأساسية .
والحديث عن الحرية لن يتوقف ما دامت الحياة مستمرة ، وقد قام الفكر القانوني بالعديد من المحاولات لغرض تعريفها وبيان مضمونها ، ومع ذلك فإن المشكلات التي تتصل بمعنى الحرية وممارستها لن تنته بسهولة مادامت هناك سلطة لهـا قــوة وباستطاعتها تقييد الحرية .
وفى العصر الحديث تعالت نداءات المفكرين والمدافعين عن الحرية ، وظهرت عدة أفكار تمثلت في محاولات عدة لتأصيل الحرية تعريفاً ومضموناً ، بالنظر لكونها غاية فكرهم وباعتبارها إحدى أسس الحياة ، فظهرت الإعلانات والمواثيق الدولية والقارية والمحلية التي تعني بالحريــات العامة ، ونصت معظم الدول في دساتيرها على هذه الحريات .
وسنفصل في هذا المبحث مفهوم الحريات العامة وضماناتها وكذلك التطور التاريخي لها ، وذلك في المطالب الآتية :ـ
المطلب الأول / مفهوم الحريات العامة
المطلب الثاني / التطور التاريخي للحريات العامة
المطلب الثالث / ضمانات الحريات العامة







المطلب الأول
مفهوم الحريات العامة*
سنقوم بتوضيح التعريف اللغوي والفقهي للحريات العامة ، وتقسيماتها ، وكذلك بيان العلاقة بينها وبين حقوق الإنسان ، وذلك في ثلاثة فروع كالآتي :
الفرع الأول
تعريف الحريات العامة
أولاً ــ المعنى اللغوي للحرية :
الحرية في اللغة العربية تعني الخلاص من التقييد والعبودية والظلم والاستبداد ، فالحرية نقيض العبودية ، وقد جاء في المصباح المنير ( ... والحر من الرجال خلاف العبد ، مأخوذ من ذلك لأنه خلص من الرق ، وجمعه أحرار ، ورجل حر بيَن الحرية ، فيقال حررته تحريرا إذا اعتقه ، والأنثى حرة وجمعها حرائر)(1). أو هي الخلوص من الشوائب أو الرق أو اللؤم ، أوهي التمكن من المباح ونجد هذا اللفظ في القواميس العربية في بـاب حرر أي جعل بلا قيــد أو أعتق أو أطلق السراح ، ومن هذه اللفظة جاء الاسم أو المفرد حرية وجمعه حريات (2 ).
أما في اللغة الإنجليزية فالحرية(Fredoum) تعني : حالة كون الشخص حراً من القيود المتشددة الواردة على حياتـــه بواسطة سلطة حاكمة ، أو هي الحق أو الصلاحية في أن يفعل الشخص مـــا يريده ، وهذه هي الحرية التي يتمتع بها كل مواطن(3).
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ
* اختلفت آراء الفقه في متى توصف الحرية بأنها عامة ؟ فذهب البعض إلى أن الحرية توصف بأنها عامة عندما تترتب عليها واجبات يتعين على الدولة القيام بها ، وهذه الواجبات قد تكون واجبات سلبية أو واجبات إيجابية . وذهب البعض الأخر إلى القول بأن الذي يضفى على الحرية صفة العمومية هو كونها مقررة لجميع الأفراد وطنيين وأجانب ، دون تفرقة بينهم بسبب الجنس أو السن أو الكفاءة أو المركز الاجتماعي . وذهب الفريق الثالث إلى أن كلمة عامة التي تلحق بالحريات تشير إلى تدخل الدولة في تنظيم ممارسة الأفراد لحرياتهم في مواجهة السلطة أو في مواجهة بعضهم البعض ، وذلك حتى تستطيع الدولة فرض النظام عن طريق توقيع الجزاءات على من يخل بهذا النظام ، ولا شك أن ممارسة الأفراد لحرياتهم إذا تركت بدون تنظيم ، فإن ذلك يؤدى إلى أن تعم الفوضى ويسود الاضطراب .. والخلاصة إن تدخل السلطة لتنظيم الحرية والاعتراف بها وتهيئة الظروف المناسبة لممارستها هو الذي يضفى على الحرية صفة العمومية .
والرأي الثالث الذي نؤيده ، لأن مضمون الحرية يتحدد طبقا لما تقوم به السلطة بتحديده في مجالات تسمح للأفراد بممارسة حريات في إطارها ، لاسيما إذا كانت هذه الحريات تتصل بالنظام العام الذي تقوم على حمايته سلطات الضبط الإدارى ، ومن ثم لابد أن تتدخل هذه الأخيرة لتنظيم ممارسة هذه الحريات وإلا وقع الإخلال بالنظام العام . انظر في تفصيل ذلك : د عبد العليم عبد المجيد مشرف ، دور سلطات الضبط الإدارى في تحقيق النظام العام وأثره على الحريات العامة . دار النهضة العربية ، ب ط ، القاهرة . 1998ف . ص210 ــــ د عبد العظيم عبد السلام عبدالحميد ، حقوق الإنسان وحرياته العامة وفقا لأحدث الدساتير والمواثيق الدولية ، دار النهضة العربية ، ط 1 ، القاهرة ، 2005 ف ، ص45 ــــ هالة احمد سيد المغازى ، دور المحكمة الدستورية في حماية الحريات الشخصية ، رسالة دكتوراه ، كلية الحقوق ، جامعة الإسكندرية ، 2004ف ، ص22 .
1 ـ د عبدا لعليم عبدا لمجيد مشرف ، المرجع السابق ، ص208 .
2 ـ هالة المغازى ، المرجع السابق ، ص12 .
3 ـ المرجع السابق ، ص11 .
وفى اللغة الفرنسية فإن الحرية تعني : سلطة الشخص في القيام بعمل ، أو عدم القيام به ، أي أن يكون للإنسان الحق أو السلطة في القيام بعمل ما (1) .
ويمكن القول بأن المعنى اللغوي للحرية يستوعب هــذه المعاني جميعها من القدرة على الاختيار ، والخلاص من القيود وعدم الخضوع للعبودية وإمكانية الشخص في أن يفعل مــا يريد ، ووحدة المعنى اللغوي تعني أن الحرية فطرة كالوجود ذاته، فالجميع يشترك فيها بقدر واحد اعتقاداً وسلوكاً .
ثانياً ــ التعريف الفقهي للحريات العامة :
بما أن المشرع لم يتطرق لتعريف الحريات ، وترك أمر ذلك للفقه ، نستعرض تعريف الحرية في الفقه الغربي ، ثم تعريفها من قبل الفقه العربي ، وفق الآتي :ـ
1ـ الفقه الغربي :
يرى جمهور الفقه الغربي بأن الحريات العامة لا وجود لها إلا في الدولة القانونية التي يسود فيها مبدأ المشروعية ، ويعلو فيها شأن الحريات الفردية بضماناتها ، وتقييد سلطات الدولة اتجاهها، بحيث لا تبغي سلطة على سلطة ، ولا تبغي سلطة على فرد (2).
ومن تعريفات الفقه الغربي للحريات العامة ما يلي :
عرفها الفقيه"Montesquieu " بأنها (الحق فيما يسمح به القانون ، والمواطن الذي يبيح لنفسه ما لا يبيحه القانون لن يتمتع بحريته ، لأن باقي المواطنين سيكون لهم نفس القوة)(3).
وعرفها "Laski " بأنها ( انعدام أي قيود على وجود تلك الظروف الاجتماعية ، التي تمثل في المدينة الحديثة الضمانات الضرورية للسعادة الفردية )(4) وهذا يعنى أن يتحرر الفرد من أي قيود قد تفرض عليه ، وأن يسلك طريقة حياته الخاصة بدون تأثير أو قيد خارجي .
كما عرفها الفقيه "Loke " بأنها (الحق في فعل أي شيء تسمح به القوانين )(5) ، باعتبار أن الحرية حق شخصي لكل فرد أن يفعل ما يشاء ، وفق ما تسمح به التشريعــات النافدة .
وعرفها " Leibniz" بأنها ( قدرة المرء على فعل ما يريد ، ومن عنده وسائل أكثر عادة ما يكون أكثر حرية لعمل ما يريد )(6) .
ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ
1 ـ د عبد العظيم عبدا لسلام عبد الحميد ، المرجع السابق ، ص29 .
2 ـ المرجع السابق ، ص46 .
3ـ انظر: كريم يوسف احمد كشاكش ، الحريات العامة في الأنظمة السياسية المعاصرة ، رسالة دكتوراه ، كلية الحقوق ، جامعة القاهرة ،1987ف ، ص25 ــ د عبد العظيم عبد السلام ، المرجع السابق ص46 .
4 ـ د عبدا لحكيم دنون الغزال ، الحماية الجنائية للحريات الفردية ، منشاة المعارف ، ب ط ، الإسكندرية ، 2007 ف ، ص42 .
5 ـ كريم كشاكش ، المرجع السابق ص25 .
6. د نعيم عطيه ، في النظرية العامة للحريات الفردية، الدار القومية للطباعة والنشر ، ب ط ، القاهرة ، 1965 ف ، ص23 ــــ د عبد الحكيم دنون الغزال ، المرجع السابق ، ص40 .
ويقـــول " Volteur " بــأن الحرية هي ( إرادة واستطاعة ، وعندما أقــــــدر على مــــا أريد فتلك حريتي )(1) .
والحرية من خلال التعريفات السابقة ليست أمنية أو حلماً ، وإنما هي إرادة واستطاعة ، وعليه فالحرية تتأثر بالإمكانيات المتاحة للفرد ، وكلما زادت إمكانيات الفــــرد المادية والمعنوية كلمـا زادت حريته ، وخير مثال على ذلك أن حرية الصناعة والتجارة تتوقف ممارستها على الإمكانيات المادية المتاحة للفرد ، فكلما كانت هذه الإمكانيات كبيرة ومتوفرة ، فإن الفرد فرصته في ممارسة هذه الحرية تكون أكبر والعكس صحيح ، وكذلك الحال بالنسبة لحرية التعبير عن الرأي في القضايا الأساسية الهامة ، التي تمس مصالح الجماهير، حيث تتوقف ممارستها على الإمكانيات المعنوية المتاحة للفرد ، من تعليم وثقافة وشجاعة في أبداء الرأي ، ومن ثم فإن الفرد الذي تتوفر لديه هذه الإمكانيات سيمارس هذه الحرية بشكل إيجابي وفعال والعكس صحيح (2).
2ـ الفقه العربي :
تناول عدة تعريفات للحرية ، نذكر منها :
إن الحرية هي ( الملكة الخاصة التي تميز الإنسان من حيث هــو موجود عـاقل ، يصدر في أفعاله عن إرادته هو لا عن أي إرادة أخرى غريبة عنه)(3).
إن الحرية هي ( تأكيد كيان الفرد اتجاه سلطة الجماعة ، وهذا يعني الاعتراف للفرد بالإرادة الذاتية ، والاتجاه لتدعيم هذه الإرادة وتقويتها بما يحقق للإنسان سيطرته على مصيره )(4).
فالحرية هنا تعني إن الإنسان له إرادة ، وبهذه الإرادة يصدر أفعاله كما يشاء ، مع عدم وجود قسر خارجي يؤثر على هذه الإرادة .
وعرفت بأنها ( إمكانيات يتمتع بها الفرد بسب طبيعته البشرية ، وبسب عضويته في المجتمع ، وهذه الحريات كثيراً ما يطلق عليها الحريات الفردية ).
كما عرفت بأنها ( مجموعة من الوسائل القانونية التي تسمح للفرد بأن يوجه حياته الخاصة ، ويسهم في الحريات العامة الاجتماعية للبلاد )(5).
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
1 ـ محمد احمد فتح الباب ، سلطات الضبط الإدارى في مجال ممارسة حرية الاجتماعات العامة ، رسالة دكتوراه ، كلية الحقوق ،جامعة عين شمس ، القاهرة ، 1993 ف ، ص104 .
2 ـ د عبد العليم عبد المجيد مشرف ، المرجع السابق ، ص209 .
3 ـ د عبد الحكيم الغزال ، المرجع السابق ، ص44 ـ انظر أيضا كريم كشاكش ، المرجع السابق ، ص28 .
4 ـ محمد احمد فتح الباب ، المرجع السابق ، ص44 ـ انظر أيضا د عبد العظيم عبد السلام ، المرجع السابق ، ص31 .
5 ـ هالة المغازى ، المرجع السابق ، ص 22 .

وعرفت أيضا بأنها ( الحقوق والحريات الأساسية والمعترف بها دستورياً وتشريعياً ، والتي لا يستغني عنها الإنسان في حياته وتكفلها الدولة وتحميها وتنظمها )(1).
وعرفها آخــــــــر بأنها (القدرة على عمل أي شيء لا يضر بالآخــــــــرين ، ولا تحد ممــارسة الحقوق الطبيعية لكل إنسان إلا بالحقوق التي تؤمن للأعضاء الآخرين في المجتمع ، ولا يجوز أن تحدد هذه الحدود إلا بقانون )(2).
ومقتضى هذا التعريف أن لا يجبر أحد الأفراد على عمل شيء بدون إرادته أو رغبتـــه ، أو أن يعمل شيئاً لم يأمر به القانون أو يكون مخالفا له .
وعرفت بأنها ( قدرة الإنسان على اختيار سلوكه بنفسه ، في إطار مذهبي متوازن قادر على ضبط الحركة الاجتماعية بين الفرد والجماعة بلا إفــراط أو تفريط )(3).
ومن خلال سرد التعريفات السابقة لبعض الفقهاء ، فإن الباحث يلاحظ بأن الغالبية من هذه التعريفات أشارت إلى عنصر هام لكي يمارس الفرد حريته ، وهو عنصر القدرة والإمكانيات المتاحة لممارسة حرية من الحريات العامة ، وهذه القدرة تتنوع من فرد إلى آخر ، والمعنى أن الحرية تختلف بحسب قدرات الأفراد ، فالشخص المتعلم والحاصل على مستوى تعليمي عال ، والشجاع في إبداء الرأي والتعبير عن آرائه ، يكون ذا قدرة على ممارسة حرية الرأي والتعبير أكثر من سواه ، وأيضا الشخص صاحب الإمكانيات المادية يستطيع ممارسة حرية التجارة وحرية التنقل أكثر من غيره .
ومن هنا يمكن للباحث أن يعرف الحريات العامة بأنها ( قدرة وإمكانية الفرد في أن يفعل ما يشاء ، بما لا يتعارض مع حريات الآخرين ، و في إطار ما تسمح به القوانين السائدة).
الفرع الثاني
تقسيمات الحريات العامة
تهدف محاولات الفقهاء لتصنيف الحريات العامة إلى إلقاء الضوء على مفهومها وضمانات ممارستها ، بمعنى أنه يتعين ألا يفهم بأن الحريات العامـــة يمكن عزل بعضها عن البعض الآخر ، أو التمتع ببعضها دون البعض الآخر ، حيث إن الحريات العامة في حقيقة الأمر متكاملة ومتشابكة ويستند بعضها على الآخر ، وهذا يعني أن ممارسة حرية معينة قد يحتاج إلى ضمان مشروعية ممارسة حرية أخرى قد تندرج تحت تصنيف مختلف.
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ
1 ـ د عبد العظيم عبد السلام ، المرجع السابق ، ص 58 ـ
2 ـ د عبد الحكيم الغزال ، المرجع السابق ، ص45 .
3 ـ هالة المغازى ، المرجع السابق ، ص22 .

ومثال ذلك حرية الصحافة يستوجب ممارستها وجود حرية الرأي والفكر ، كما إن حرية التجارة تعتمد بشكل كبير على حرية التنقل (1) .
ويلاحظ بأن هذه التقسيمات ليست جامدة أو ثابتة ، بل إنها مرنة تتماشى مع الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي قد تطرأ على المجتمع .
ولم يتفق الفقه على تقسيم معين للحرية ، بل ذهب في تصنيفه للحريات العامة إلى عدة مذاهب ، فالبعض يصنفها من حيث قربها من الإنسان ، إلى حقــوق لصيقــــــة بالإنسان وحقوق اقتصادية واجتماعية ، وهناك مــن قسمها إلى قسمين ، المساواة المدنيـة وتشمل ( المساواة أمام القانون . المساواة أمام القضاء . المساواة في تولى الوظائف العامة . المساواة أمام الضرائب) والحريات الفردية التي تكون ذات مضمون مادي أو معنوي ، وفريق آخر رأى تقسيمها إلى حريات سلبية ، والتي تظهر في صورة قيود على سلطة الدولة ، وحريات إيجابية والتي تتضمن خدمات تقدمها الدولة للأفراد ، وذهب فريق آخر إلى تقسيم الحريات العامة من حيث أثرها على نشاط الحكم ، فهناك حريـــات الحدود وهي التي تضع قيـــوداً على نشاط الحكام ، وحريات المعارضة وهي التي تمكن الأفراد من معارضة الحكومة في المجال المحجوز لهم(2) . وجانب من الفقـه قسم الحقوق والحريـات العامـة إلى حريات تقليديــة وحريــات حديثة(3) والباحث وبعد اطلاعه على العديد من التقسيمات الفقهية للحريات العامــــة ، فإنــه يميل إلى تأييد التقسم الآتي :ـ
أولاً ــ الحريات التقليدية ويندرج تحتها :
1 ـ الحريات الشخصية وتشملر سالة ماجستير (الحريات العامة وحدود اجراءات الضبط الادارى)الباحث ابراهيم سالم الاخضر frown.gifحرية التنقل ، حق الأمن ، حرمة المسكن ،سرية المراسلات )
2 ـ حرية الفكر وتشمل : ( حرية العقيدة والديانة ، حرية التعليم ، حرية الصحافة ، حرية الرأي ، حرية المسرح والسينما والإذاعة )
3 ـ حرية التجمع وتشمل : (حرية الاجتماعات ، حرية تشكيل الجمعيات ، حريــة الانظمام إلى الجمعيات )
ثانياً ـ الحريات الحديثة ويندرج تحتها:
( حق العمل ، حق الإضراب ، حق تكوين النقابات، حق اشتراك العمال في إدارة المشروع ، حق الاستمتاع بأوقات الفراغ، حق التامين الاجتماعي ، حق التنمية العلمية والذهنية ).
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ
1 ـ هالة المغازى ، المرجع السابق ص22 .
2 ـ د فاروق عبد البر ، دور مجلس الدولة المصري في حماية الحقوق والحريات العامة ، ج 1 ، ب ن ، ب ط ، 1988ف ، ص190 .
3 ـ عبد الوهاب محمد عبده خليل ، الصراع بين السلطة والحرية ، رسالة دكتوراه ، كلية الحقوق ، جامعة القاهرة ، 2004ف ، ص249 ـــ و أيضا ، د عبد العليم مشرف، المرجع السابق ، ص316 ــــ د فاروق عبد البر ، دور مجلس الدولة المصري في حماية الحقوق والحريات العامة ، ج 1 ، المرجع السابق ، ص191.

كما أورد بعض الفقه (1) تقسيماً للحقوق والحريات في الفكر الإسلامى إلى ثلاثة أنواع : ـ
· النوع الأول الحرية الشخصية وتشمل : (حـق الأمـــن ، حـق السكن ، حـق التنقل )
· النوع الثاني ـ الحرية السياسية وتشمل : ( حريــة الرأي ، حريــــــة العقيدة ، حريـــة المشاركة السياسية ـ مبدأ الشورى ـ ، حق المعارضة في الإسلام )
· النوع الثالث ـ الحقوق الاجتماعية والاقتصادية وتشمل :
ـ الحقوق الاقتصادية ( حق الملكية )
ـ الحقوق الاجتماعية( حق العمل ، حق الرعاية الصحية ، التكافل الاجتماعي"فريضة الزكاة")
الفرع الثالث
العلاقة بين الحريات العامة وحقوق الإنسان
بالنظر إلى ما تنص عليه الدساتير والقوانين الوضعية في مختلف دول العالم بخصوص مرادف ( الحريات العامة وحقوق الإنسان) يلاحظ بأنهما تردان فيها بتنوع ، فتارة يشير المشرع إلى مرادف الحريات العامة ، وتارة أخرى يطلق عليها حقوق الإنسان ، الأمر الذي أحدث اختلافاً فقهياً في التفرقة فيما بين المصطلحين أو الدمج بينهما ، واعتبارهما مصطلحاً واحداً بحكم تلازمهما .
فأصحاب الاتجاه الرافض للخلط بين الحريات العامة وحقوق الإنسان يرون بان الحرية تظهر في شكل قدرة على عمل شي أو الامتناع عن عمله . أما بالنسبة للحقوق فهي تؤخذ من فكرة الحق ، والحق يأخذ معنى أوسع من الحرية بل إنه يشمل الحرية ، والدليل على ذلك أن هناك حقوقا لا يمكن القول إنها تشكل حرية ، كالحق في التأمين الاجتماعي(2).
وأغلب الفقه يرفض هذا الاتجاه ، ويؤكد أن كلمة الحق والحرية قد أصبحتا تعبيرين متلازمين ، سواء اعترفت الدولة بالحقوق والحريات ، وأصدرت تشريعاتها بما يتوافق ويتضمن كل الحقوق والحريات وضماناتها القانونية ، أو تجاهلت البعض منها .
ويقول رأي من الفقه في هذا الصدد ( ... إن التفــــرقة بين الحريــــات والحقـــوق ، إنمـــا هي
تفرقة شكلية جارينا فيها منطوق النصوص الدستورية نفسها ، حيث عبر عنها الدستور أحياناً
بلفظ حرية ، وعبر عنها أحياناً أخرى بلفظ حق )(3).
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
1 ـ كريم كشاكش ، المرجع السابق ، ص252 .
2 ـ د محمد صالح عبد البديع السيد ، الحماية الدستورية للحريات العامة بين المشرع والقضاء ، دار النهضة العربية ، ط2 ، القاهرة ، 2008ف ، ص38 ــــ أيضـا ، د عبد العظيم عبد السلام ، المرجع السابق ، ص32 .
3 ـ د عبد العظيم عبد السلام ، المرجع السابق ، ص34 .

ويذهب بعض الفقه إلى أن الحريات العامة هي حقوق طبيعية للإنسان ، يلتزم المشرع بعدم المساس بها بالإلغاء أو الانتقاص في تنظيماتها الواقعية ، كما أن الحريات العامة هي مجموعة من الحقوق التي يتمتع بها الأفراد وتفترض تدخلاً من الدولة ، وتفرض على الغير التزاماً سلبياً بالامتناع (1).
ويرى البعض الآخر أن المشرع والفقه قد اعتادوا على استخدام كلمة الحق وكلمة الحرية ، أو عبارة الحقوق والحريات العامة كمترادفين . وأن هذه العبارة وهى الأكثر شيوعــــــاً في كتب الفقه والدساتير الحديثة ، وذلك نظراً لمــا تضمنته هــذه الحقــــوق مـــن امتيازات للأفراد في مواجهة السلطة العامة ، وأنها ليست مجرد حقوق للأفراد في مواجهة بعضهم البعض(2) .
وإذا رجعنا إلى المواثيق الدولية والدساتير المعاصرة ، نجد أنها قد اعتادت على ذكر المرادفين حقوق الإنسان والحريات العامة ، ومثال ذلك ما نص عليه الدستور الليبي(3) ـ دستور المملكة الليبية المتحدة ـ كالحرية الشخصية مكفولة ... (م12) وحرية الاعتقاد مطلقة... (م14) وحق الاجتماع السلمي مكفول في حدود القانون (م25) . وكذلك الحال فإن الدستور المصري لسنة 1971ف(4) قد تضمن وجود المرادفين في باب الحريات والحقوق والواجبات العامة ، كحق العمل (م13) ، والتعليم حق تكفله الدولة ... (م18)) والحرية الشخصية حق طبيعي ... (م41) وحرية العقيدة وإقامة الشعائر الدينية... (م46) وحرية الرأي مكفولة ، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ...(م47) وحق المواطنين في الاجتماع الخاص في هــدوء .. (م54) ، فهذا الحق هو مظهر من مظاهر الحرية الشخصية .
كما إن إعلانات حقوق الإنسان العالمية قد تضمنت ذلك أيضا ، فالإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان ـ إعلان حقوق الإنسان والمواطن(5) ـ قد نص على أن الناس يولدون ويعيشون أحراراً
ومتساوون في الحقوق(م1) ، أيضا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان(6) قــد نص على يولد جميع الناس أحراراً متساوون في الكرامة والحقــوق(م1) ، و لكل فرد حق في حرية التنقل ...(م13) ، لكل فـــرد حق مغادرة أي بلد ...( م13/2 ).
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
1 ـ هالة المغازى ، المرجع السابق ، ص18 .
2 ـ د عبد العظيم عبد السلام ، المرجع السابق ، ص37 .
3 ـ دستورالمملكة الليبية المتحدة ، الجريدة الرسمية ، عدد خاص ، بتاريخ 8 .10 .1951ف ، ص28 .
4 ـ الدستور المصري : النشرة التشريعية لسنة 1971ف ، العدد التاسع ، سبتمبر 1971ف ، ص 3063 وما بعدها.
5 ـ د صالح بن عبد الله الراجحى ، حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ،مكتبة العبيكان ، ب ط ، الرياض ، 2004 ف، ص266 وما بعدها .
6 ـ المرجع السابق ، ص184 وما بعدها .

وفى الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير، الصادرة في مدينة البيضاء بتاريخ 12 .6 .1988ف(1)، قد نصت على أن أبناء المجتمع الجماهيري أحرار وقت السلم في التنقل والإقامة (م3) ، المجتمع الجماهيري يضمن حق التقاضي واستقلال القضاء... (م9) .
أما قانون تعزيز الحرية رقم 20 لسنة 1991ف(2) فقد نص على أن لكل مواطن الحق في ممارسة السلطة ... (م2) ، ولكل مواطن وقت السلم حرية التنقل ... (م20).
ومن خلال ما تقدم يؤيد الباحث رأي الفقه القائل بدمج كلمة الحرية والحق ، واعتبارهما وجهان لعملة واحدة ، أي أنهما كلمتان مترادفتان متلازمتان جاء النص عليهما في إعلانات الحقوق العالمية والدساتير الوضعية ، ويعطيان معنى واحداً .
















ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
1 ـ الجريدة الرسمية ، عدد خاص ، السنة السادسة والعشرون ، بتاريخ 1 .8 .1988 ف ، ص10 وما بعدها.
2 ـ الجريدة الرسمية ، العدد الثانى والعشرون ، السنة التاسعة والعشرون ، بتاريخ 9 .11 .1991ف ،ص726وما بعدها .


المطلب الثـــــــــــاني
التطــور التاريخي للحريـــــــــــات العامة
نتناول في هذا المطلب التطور التاريخي للحريات العامة ، حيث نخصص ثلاثة فروع ، تتضمن الحريات العامة في الإسلام والمواثيق والأعلانات ، والحريات العامة في مصر، والحريات العامة في ليبيا ، وذلك على النحو التالي :
الفــرع الأول
الحريات العامة في الإسلام والمواثيق والإعلانات
أولا ــ الحريات العامة في الإسلام :
قبل ظهور الإسلام ، ومنذ أن خلق الإنسان على وجه الأرض ، جعله الله بفطرته حراً طليقاً وأعطاه العقل ليميز بين الخير والشر ، وليسخر مخلوقات الله الأخرى لصالحه .
وبظهور الإسلام ساهم بشكل كبير في الكشف عن الحريــــات العامة وإقرارها منذ أربعــة عشر قرنــا تقريباً ، حيث قرر منذ بداية عهده أن للإنسان حقوقا ينبغي أن تراعى ، وأنها منحة من الله سبحانه وتعالى ،أي أنه لا فضل فيها لمخلوق يستبد بهـــــا ويتحكم فيهـــا ويمنحها لمن يشــاء ويمنعها عمن يشاء ، وبالتالي فإن الحريات في الإسلام ليست طبيعية ، كما يذهب لذلك أصحاب المذهب الفردي ،وإنما هي منحة من الله سبحانه وتعالى تستمد أحكامها من الشريعة الإسلامية ، التي أكسبتها قدراً من الهيبة والاحترام والقدسية ، والتي تشكل ضمانة أساسية ضد استبداد السلطات العامة بحريات الأفراد(1) .
ولم يرد لفظ الحرية في القران الكريم صراحة ، وإنما وردت ألفاظ عديدة واضحة الدلالة عليها ، نذكر منها قوله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(2) ، وقوله سبحانه وتعالى (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )(3) .
وعلى صعيد الحقوق والحريات العامة كرم الإسلام الإنسان وحرره وحقق له العدل ، ومن مظاهر هذا التكريم أن جعله خليفة في الأرض ، وخلقــه في أحسن تقويــم وفضله على سائـــر
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ
1 ـ د عبد العظيم عبد السلام ، المرجع السابق ، ص16 .
2 ـ سورة البقرة ، الآية رقم178 .
3 ـ سورة أل عمران ، الآية رقم 35 .
مخلوقاته(1) قال تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَــاهُم مّـنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)(2)
وبهذا جعل الإسلام تحرير الإنسان والرفع من شأنه ، والعمل على أن يوفر له كل أسباب العزة والكرامة من أهم أهدافه ، بصرف النظر عن عقيدته أو جنسه أو لغته .
ونظراً لأن الإسلام يعد تشريعاً إلهياً ، فــإن الحريـــــات بالتالي تعــد منحــاً إلهية ، حيث إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ومنحه حقوقاً وحريات ثابتة ، وجعلــه مسؤولاً عمــا يفعل ويترك بإرادته المسخرة له ، والحرية جعلها الله لكل إنسان وقيدها بحدود الشرع ، ليزيد مـن ضماناتها ، فهي مقررة من الله العلى القدير وحمايتها واجب على الجميع أفراداً وجماعة .
والحريات العامة في الإسلام ظهرت كاملة خلال فترة التشريع من حياة الرسول عليه الصلاة والسلام ، فكل الحريات العامة التي عرفت حديثاً ، ونصت عليها المواثيق الدوليــــة والدساتير الوضعية المعاصرة ، إنما اكتمل تشريعها خلال فترة التشريع في عهد الرسالة والبالغ ثلاثة وعشرين سنة فقط . ومن ناحية أخرى فإن صفة الكمال للحريات مستمدة من خصائص الشريعة الإسلامية التي تتصف بالكمال ، لأن مشرعها هو الله سبحانه وتعالى ومن صفاته الكمال ، وبالتالي لا يتصور أن تكون الشريعة ناقصة ، ولأن شريعته كاملة فإن كل ما جاء فيها كامل أيضا ، ولأنها قررت الحريات العامة للإنسان فهي جزء منها ، فهي كاملة ابتداء (3).
إن الإسلام دين الحرية ، حيث جعل حرية الإنسان وكرامته هي اللبنة الأولى لبناء المجتمع وتحقيق ازدهاره وتقدمه ،وخلصه الإسلام من قيد العبودية ، فالعبودية لله سبحانه وتعالى .
وقد كفلت الشريعة الإسلامية للفرد حرياته الشخصية في المسكن والإقامة والتنقل ، ولم تفرض أي قيود إلا في ظروف معينة لتحقيق مصلحة عامة ، ومثالها منع الانتقال من مكان إلى آخر في حالة انتشار الأوبئة حماية لأرواح المسلمين (4).
فحرمة المسكن مصانة في الإسلام ، قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(5).
وكفلت الشريعــــــة الإسلامية للأفـــــراد حـــرية الانتقال مــن مكـــــان إلى آخـــر ، والانتشار فـــي الأرض والسير فــــي أرجائهــــــا ، قــــال تعــالى (قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
1 ـ د إبراهيم على بدوى الشيخ ، الميثاق العربي لحقوق الإنسان ، دار النهضة العربية ، ب ط ، القاهرة ، 2004ف ، ص6 .
2 ـ سورة الإسراء ، الآية رقم 70 .
3 ـ د عبد الحكيم الغزال ، المرجع السابق ،ص88 .
4 ـ عبد الوهاب خليل ، المرجع السابق ، ص212 .
5 ـ سورة النور ، الآية رقم 27 .

كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)(1).
كما اهتم الإسلام بحرية العقيدة ، قال تعالى (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(2) وقال تعالى (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)(3).
واهتم الإسلام أيضا بحرية الرأي والفكر ، قال تعالى (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(4).
كما حرص نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام على ترسيخ الحقوق والحريات التي منحها الخالق لعباده ، دون تمييز بسبب اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين ، حيث جاء في خطبة حجة الوداع التي اعتبرها المؤرخون دستورا للمسلمين من بعده ، قال الرسول عليه الصلاة والسلام موجهاً كلامه للناس كافة ( أيها الناس إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، كلكم لآدم وآدم من تراب ، إن أكرمكم عندا لله اتقاكم ، وليس لعربي على أعجمي ولا أبيض على أسود فضل إلا بالتقوى)(5).
ومنح الإسلام للفرد كافة الحقوق والحريات ، قبل أن يعرفها العالم الغربي الذي يدعى التحرر والديمقراطية ، وأرسى مبادئ كلية تعتمد عليها هذه الحريات ، ومنها المساواة والشورى(6) . فالشورى في الإسلام تعد من أهم مبادئه الدستورية التي يقــوم عليها نظـــــام الحكم في الإسلام ، وأساسها الحرية التامة في إبداء الرأي من أهل الرأي ما لم يمس أصلا من أصول العقيدة أو العبادة . قال تعالى (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)(7)
أما المساواة ، فقد ساوى الإسلام بين الأفراد في جميع المجالات ، فالناس سواسية على اختلاف أجناسهم وألوانهم وشعوبهم ، لا فرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى .
قال تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (8).
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ
1 ـ سورة الأنعام ، الآية رقم11 .
2ـ سورة البقرة ، الآية رقم 256 .
3 سورة الكافرون ، الآية رقم 6 .
4ـ سورة أل عمران ، الآية رقم 104 .
5ـ د صالح بن عبدالله الراجحى ، المرجع السابق ، ص61 .
6ـ عبد الوهاب الخليل ، المرجع السابق ، ص208 .
7ـ سورة الشورى ، الآية رقم 38 .
8ـ سورة الحجرات ، الآية رقم 13 .

ثانيا ــ الحريات العامة في المواثيق والإعلانات:
تعددت محاولات البشرية في تقنين الحريات العامة للإنسان في نصوص مكتوبة وردت في المواثيق الوطنية والمعاهدات والإعلانات الدولية . فالحقوق والحريات العامة المعروفة في الوقت الحاضر ، إنما عرفت على مراحل ، حيث بدأت بالإعلانات المحلية ، كوثيقة الحقوق والحريات بإنجلترا سنة 1215ف ، وإعلان حقـــوق الإنسان الأمريكي لسنة 1776 ف ، وإعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي لسنة 1789 ف ، وإعلان حقوق العمال والكادحين الذي أصدرته الثورة البلشفية سنة 1917 ف (1). ثم توالت الإعلانات الدولية والإقليمية المنادية بتكريس وتدعيم حقوق الإنسان دولياً وإقليمياً ومحلياً ، فأعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في سنة 1948ف عن إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وعن الدول الأوربية الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية لسنة 1950ف ، وعن مؤتمر منظمة الوحدة الأفريقية صدر الإعلان الأفريقى لحقوق الإنسان والشعوب سنة 1981ف ، وعن المؤتمر الإسلامي المنعقد في القاهرة صدر إعلان حقوق الإنسان في الإسلام لعام 1990ف(2) وفى ليبيا صدرت الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير سنة 1988ف وغيرها من الاتفاقيات الدولية والقارية والإقليمية.
وقد أقرت معظم هذه الإعلانات الحقوق والحريات العامة للإنسان ، وأصبحت مرجعاً لكل دساتير الدول ، حيث إن كل الدول تفصح في ديباجة دساتيرها أو في متنها أنها تحترم حقوق وحريات الإنسان وفق ما نصت عليه الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان .
فقد أشار القانون رقم 20 لسنة 1991ف بشأن تعزيز الحرية في مقدمته ( بعد الاطلاع على ...الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير، وعلى المواثيق والعهود الدولية لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية...)(3)
والدستور اللبناني أورد في مقدمته ( ب ـ لبنان عربي الهوية ...وعامل في الأمم المتحدة وملتزم بمواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ...)
أما الدستور الموريتاني فقد أورد في ديباجته ( كما يعلن ... تمسكه بالدين الأسلامــى الحنيف
وبمبادئ الديمقراطية الوارد تحديدها في الإعلان العالمي لحقــــوق الإنسان والميثاق الأفريقي


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
1 ـ د صالح بن عبد الله الراجحى ، المرجع السابق ، ص19 وما بعدها ـــ د محمد صلاح عبد البديع ، المرجع السابق ، 109 وما بعدها .
2 ـ د عبد العظيم عبد السلام ، المرجع السابق ، ص16 وما بعدها .
3 ـ الجريدة الرسمية ، العدد الثاني والعشرون ، السنة التاسعة والعشرون ، المرجع السابق ، ص726 .
لحقوق الإنسان والشعوب ..)(1).
وفى الدستور المصري جاء النص على الحريات العامة في متنه في عدة مواد منها ، (م41) التي نصت على الحرية الشخصية حق طبيعي وهى مصونة لا تمس ... (2) ، وفى الدستور الإيطالي ، تعترف الجمهورية بحقوق الإنسان (م2) ، كما جاء في الدستور الفرنسي لسنة 1958ف ، شعار الجمهورية هو الحرية ـ المساواة والإخاء (م1) (3).
الفرع الثاني
الحريات العامـــة في مصر
تعددت الدساتير التي صدرت في مصر ، فمنها مـا صدر قبل قيــام الثورة ، والبعض الآخر بعدها ، ونعرض بإيجاز لهذه الدساتير وفق الآتي :ـ
* مرحلة ما قبل الثورة :
تعتبر مصر من أقدم الدول العربية التي وضعت دستوراً ، ففي سنة 1882ف وضع أول دستور لمصر الذي اعترف بسلطات الدولة ، وأوجد مبدأ الفصل بين السلطات. وفى سنة 1923ف صدر أول دستور لمصر المستقلة ، ونص على سيادة الأمة ، وتعرض لأول مرة للحقوق والحريات العامة للمواطنين ، فقد كفل الدستور بعض الحريات التقليدية ،ولم يتعرض للحريات الاقتصادية والاجتماعية نظراً لعدم نضج مفهومها في ذلك الوقت(4) . حيث جاء النص على الحريات العامة في الباب الثاني منه تحت عنوان ( في حقوق المصريين وواجباتهم)
· مرحلة ما بعد الثورة :
ـ الدستور المؤقت 1953ف . بعد تفجر ثورة 23 يوليو ، وإطاحتها بالنظام الملكي ، رأى قادة الثورة ضرورة إصدار دستور جديد يتمشى مع الأهداف والغايـات التي تفجرت من أجلهـا الثورة ، وبالفعل صدر الإعلان الدستوري المؤقت في 10 .2 .1953ف ، وهو أقصر الدساتير المصرية ، حيث نظم بعض الحقوق والحريات العامة ، فنص على المساواة أمام القانون وعلى الحرية الشخصية ، وحرية الرأي والعقيدة.
ـ دستور سنة 1956 ف . نظراً لأن الدستور الذي وضعته الثورة كان مؤقتاً ، فقد كانت هنالك
ضرورة لإصــدار دستـــور جــديد ، وبالفعل اعـد مشروع دستور ، وعرض على الشعب في
استفتاء عام ، وذلــــــــك في 23 .7 .1956 ف وتم إصداره .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
1 ـ شبكة المعلومات الدولية ( ركن الدساتير العربية ) www.tashreaat.com-dostoor-، تاريخ الإطلاع 12 .5 .2008ف .
2ـ النشرة التشريعية لسنة 1971ف ، المرجع السابق ، ص 3067 .
3 ــ منيب محمد ربيع ، ضمانات الحرية في مواجهة سلطات الضبط الإدارى ، رسالة دكتوراه ، جامعة عين شمس ، القاهرة ، 1981م ، ص233 (الهامش).
4 ـ د رمزي طه الشاعر ، د عمر حلمي فهمي ، النظام الدستوري المصري ، ب ن ، ب ط ، ب م ، 2005 ف ، ص 71 .
ـ دستور 1958 ف . نظراً لقيام الوحدة بين مصر وسوريا ، واستجابة الشعبين وإقرارهما للوحدة في الاستفتاء الذي أجري بالخصوص في 21 .2 .1958 ف ، صدر دستور مؤقت للجمهورية العربية المتحدة . وخصص الباب الثالث منه لحقوق المواطنين وواجباتهم .
ـ دستور 1964 ف . لم تدم الوحدة بين مصر وسوريا طويلاً ، فسرعان ما انفصل البلدان ، واستمر العمل بدستور 1958ف حتى صدور الدستور الجديد بتاريخ 25 .3 .1964 ف(1).
ـ دستور 1971 ف . رأى الساسة ضرورة وضع دستور دائم لمصر ليعبر عن إرادة التصحيح، وعن طبيعة المرحلة التي تتطلب صيانة الوحدة الوطنية وتدعيم سيادة القانون ، وتعميق إيمان المواطن المصري بالاشتراكية والديمقراطية ، وعلى أثر ذلك تمت الدعوة لوضع المبادئ الأساسية للدستور المصري(2) فتم عرض مشروع الدستور على الشعب في استفتاء عام ، فأقره الشعب ، وصدر في 9.11 .1971ف موضحا النظام السياسي ونظم السلطات العامة وأقر مجموعة من الحقوق والحريات ، وعدل هذا الدستور في سنة 1980ف ، وفى سنة 2005ف ، وكذلك في سنة 2007ف ، وشمل التعديل الأخير وضع الأساس الدستوري لقانون الإرهاب(3).
ووجه الدستور عناية بالغة بالحقوق والحريات العامة ، فخصص الباب الثالث لها تحت عنوان الحريات والحقوق والواجبات العامة ، حيث استهل الدستور هذا الباب بمبدأ عام ، هو مبدأ المساواة ، فهو مبدأ أصيل يرتقى إلى جميع الحريات التي قررت للأفراد فيه ، كما كفل دستور سنة 1971ف جميع الحريات العامة التقليدية والحديثة ( الاقتصادية والاجتماعية ).
وقد قسم بعض الفقه الحريات العامة في الدستور المصري 1971ف إلى(4) :
1 ـ الحريات الشخصية وتشمل (حق الأمن ، حرية التنقل ، حرمة المسكن ، حرية المراسلات ، احترام السلامة الذهنية للإنسان )
2ـ الحريات السياسية وتشمل( حرية الرأي ، حرية العقيدة ، حرية الاجتماع ، حرية الصحافة)
3 ـ الحريات الاقتصادية والاجتماعية وتشمل : الحريات الاقتصادية ( حق الملكية ، حرية التملك) ـ الحريات الاجتماعية ( حق العمل ، حق التعليم ، حق التضامن الاجتماعي )
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
1 ـ د فاروق عبد البر ، دور مجلس الدولة المصري في حماية الحقوق والحريات العامة ج2 ، ب ن ، ب ط ، ب م ،1991ف ، ص12 وما بعدها ــــ أيضا كريم كشاكش ، المرجع السابق ، ص195 وما بعدها .
2 ـ د رمزي طه الشاعر ، دكتور عمر حلمي فهمي ، المرجع السابق ، ص 71 .
3 ـ شبكة المعلومات الدولية ، موقع ويكبيديا الموسوعة الحرة ـ تاريخ دستور مصر ـ تاريخ الاطلاع 6 .7 .2008 ف .
ــــ تنص المادة 179 من الدستور المصري بعد تعديلها بتاريخ 26 .3 .2007 ف على ( تعمل الدولة على حماية الأمن والنظام العام في مواجهة أخطار الإرهاب ، وينظم القانون أحكاما خاصة بإجراءات الاستدلال والتحقيق التي تقتضيها ضرورة مواجهة هذه الأخطار ، وبحيث لا يحول الإجراء المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة 41 والمادة 44 والمادة 45/2 من الدستور دون تلك المواجهة وذلك كله تحت رقابة القضاء ، ولرئيس الجمهورية أن يحيل أية جريمة من جرائم الإرهاب إلى اى جهة قضاء منصوص عليها في الدستور أو القانون ) .
4 ـ كريم كشاكش ، المرجع السابق ، ص199 .

الفرع الثالث
الحريات العامــــة في ليبيا
نستعرض تطور الحريات العامة في ليبيا خــلال فترة مــا بعد الاستقلال ، وكذلك الفترة بعد قيام الثورة ، وذلك على النحو التالي :ـ
أولاً ـ من فترة الاستقلال حتى قيام الثورة :
كانت ليبيا محتلة من قبل إيطاليا ، وبانتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة دول المحور لها ـ ومن ضمنها إيطاليا ـ وعلى إثر ذلك فقدت إيطاليا مستعمراتها ، وتداولت القضية الليبية في أروقة الأمم المتحدة ، بين الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية ، وبعد عدة محاولات سياسية في شأن استقلال ليبيا أو وضعها تحت الوصاية الدولية ، جاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 .11 .1949ف والذي نص على أن تصبح ليبيا دولة مستقلة ذات سيادة في موعد أقصاه الأول من يناير 1952 ف ويكون لها دستور . وعلى أثر ذلك أنشئت الجمعية الوطنية التأسيسية وكلفت بوضع الدستور ، وبالفعل صدر الدستور في 7 .10 .1951 ف(1).
وبالإطلاع على الدستور الليبي والذي يتكون من اثني عشر فصلا ، و213 مادة ، حيث بيّن الفصل الأول شكل الدولة ونظام الحكم الملكي ذو الاتجاه الليبرالي . وفى الفصل الثاني ـ موضوع اهتمامنا ـ والذي جاء تحت عنوان(حقوق الشعب) وتضمن المواد (8 ـ 35 ) نصت معظمها على الحقوق والحريات العامة التي تضمنها الدستور . فنص على إن الليبيين لدى القانون سواء ، وهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية(م11) ،والحرية الشخصية مكفولة(م12) ، ونص على حرمة المسكن(م19) ، وحرية الاعتقاد مطلقة (م21) وحرية الفكر(م22) ، وحق تكوين الجمعيات(م26) ، والحق في التعليم(م28) ، وحــــق الملكية( م31) ، وحق العمل (م34)(2).
والملاحظ أن الحريات العامة الوارد النص عليها في الدستور الليبي معظمها حريات تقليدية حرصت معظم الدساتير الموجودة آنذاك على النص عليها ، حيث اقتبست هذه الحريات وتم النص عليها مجاراة واقتداء بالدساتير الأخرى وبخاصة دساتير الدول الغربية .


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
1 ـ د خليفة صالح أحواس ، القانون الدستوري الليبي والنظم السياسية والإدارية ، منشورات جامعة التحدي ، ب ط ، 2004 ف ، ص13 وما بعدها ــــ د محمد عبد الله الحراري ، أصول القانون الإدارى الليبي ج1 ، تنظيم الإدارة الشعبية ووظائفها ، المركز القومي للبحوث والدراسات التعليمية ، طرابلس ، ط 5 ، 2003ف ، ص195 .
2 ـ دستور المملكة الليبية المتحدة ، الجريدة الرسمية ، عدد خاص ، المرجع السابق ، ص33 وما بعدها .
ثانياً ـ بعد قيام الثورة:
نقسم هذه المرحلة إلى :
1 ـ قبل الأعلان عن قيام سلطة الشعب
في سبتمبر 1969 ف قامت ثورة وأطاحت بالنظام الملكي ،وكــان من الضروري إصدار دستور يتمشى مع مبادئ وأهداف الثـــــورة ، وفعــلا في 11 .12 .1969 ف صدر عن مجلس قيادة الثورة إعلان دستوري ، جاء هذا الإعلان موجزاً حيث احتوى على (37) مادة ، بينت نظام الحكم ومؤسساته والحقوق والحريات العامة للأفراد . وقد خصص الإعلان الدستوري (15) مادة بالإضافة إلى المقدمة للتأكيد على الحريات العامة ، ومن ضمنها المواطنون جميعا سواء أمـــام القانون ، والإسلام دين الدولة ... وتحمى الدولة حرية القيام بشعائر الأديــان طبقا للعادات المرعية ، الملكيــة العامـة للشعب أساس تطوير المجتمع .. والملكية الخاصة مصونة ولا تنزع إلا وفقا للقانون ، وللمنازل حرمة ... وحرية الرأي مكفولة في حدود مصلحة الشعب ومبادئ الثورة ، والتعليم حق... والرعاية الصحية تكفلها الدولة(1) .
والإعلان الدستوري بما احتواه إنما يهدف إلى تعزيز حريات المواطن ، وهي مهما توسع فيها يكون سرده لها على سبيل المثال لا الحصر ، فهي لا تعدو أن تكون نصوصاً كاشفة لا منشئة لمبادئ وقواعد سابقة على وجود الدولة نفسها ، لأنها مبادئ تجد مصدرها الحقيقي أما في المثل العليا وقواعد القانون الطبيعي ، وإما في حقائق الحياة الاجتماعية(2) .
2ـ بعد الأعلان عن قيام سلطة الشعب وحتى الآن :
في الثاني من مارس 1977 ف أعلن في ليبيا عن قيام سلطة الشعب ، وصدر إعلان عن مؤتمر الشعب العام تضمن ديباجة وأربع مواد رئيسية وهي(3) :
أولاً ـ يكون الاسم الرسمي لليبيا الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية .
ثانياً ـ القرآن الكريم هو شريعة المجتمع في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية .
ثالثاً ـ السلطة الشعبية المباشرة هي أساس النظــــام السياسي فــي الجماهيريــة العربية الليبية الشعبية الاشتراكية ، فالسلطة للشعب ولا سلطـــة لسواه ويمارس الشعب سلطتـــه عــن طريق


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
1 ـ الجريدة الرسمية ، عدد خاص ، السنة السابعة ، بتاريخ 15 .12 .1969ف ، ص4 وما بعدها
2 ـ د خليفة صالح أحواس ، المرجع السابق ، ص114 .
3 ـ الجريدة الرسمية ، العدد 1 ، السنة الخامسة عشر ، بتاريخ 15 .3 .1977ف ، ص65 وما بعدها .
المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية والنقابـات والاتحاديات والروابط المهنية ومؤتمر الشعب العام ويحدد القانون نظام عملها .
رابعاً ـ الدفاع عن الوطن مسؤولية كل مواطن ومواطنة ، وعــن طريق التدريب العسكري العـام
يتم تدريب الشعب وتسليحه وينظم القانون طريقة إعداد الإطارات الحربية والتدريب العسكري العام .
لقد خرج إعلان سلطة الشعب عن الأساليب المتعارف عليها بين دول العالم في نشأة الدساتير، فكان الشعب الليبي هو أداة إنشاء وإشهار هذا الإعــلان ، وذلك عن طريق تبنى النظام الجماهيري ، والذي يكون فيه الشعب بأكمله هو صاحب السلطة سواء التأسيسية أو التشريعية أو التنفيذية .
ويقول بعض الفقه (... ومن ثم اتجه إعلان قيام سلطة الشعب الذي يحتوى على الكثير من المبادئ الأساسية إلى أن يكون دستوراً منهاجاً يملك القدرة على ذلك بقدر ما يتضمن بحد ذاته الإحالة ليس لتنظيم السلطات العامة فحسب ، بل إلى البنية الاقتصادية والفلسفة الاجتماعية والسياسية للنظام التي تشكل جوهر الدستور المنهاج ، بل إنه وفقاً لذلك فإن تسمية الإعلان هي تسمية مقصودة ، يراد من ورائها التأكيد على أن هذه الوثيقة بقدر مـا تمثل منهاجـــا ، فإنها تأتى لتعلن عن المبادئ المعتمدة في الجماهيرية في ضو النظرية العالمية الثالثة) (1).
وبخصوص التكييف القانوني لوثيقة إعلان سلطة الشعب وموقعها من الهرم القانوني ، وفاعلية الإعلان الدستوري 1969ف عند البدء في تنفيذ أحكامها وسريانها ، فقد اختلف الفقه الليبي في هذا الشأن ، حيث يقول البعض(2) لا مبرر لوجود تدرج تشريعي في ليبيا بالنظر إلى إناطة السلطة بالكامل للشعب ، وبالتالي تعد القوانين الصادرة عنه في مرتبة الدساتير ، وذلك لأن النظام الجماهيري لا يعرف التمايز العضوي ما بين السلطة التأسيسية والسلطة التشريعية ، بل يعرف جهة واحدة هي السلطة الشعبية .
أما الفريق الثاني(3) فيذهب إلى إعطاء قيمة دستورية لوثيقـــة إعلان قيـــام سلطة الشعب ،
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
1 ـ د خليفة صالح أحواس ، المرجع السابق ، ص289 .
2 ـ يقول د عبد السلام المز وغى (إن التشريعات كافة تصدر من الشعب مباشرة ، وبالتالي فهي متساوية القيمة أو المرتبة ، وتعد في مرتبة الدساتير) . ـ أما د مصطفى عياد فيقول (إن القانون العادي الصادر من مؤتمر الشعب العام يعد هو القانون الأسمى في البلاد ، لأنه صادر عن الشعب مباشرة ويعبر تعبيرا حقيقيا عن الإرادة العامة الغالبة للشعب) د خليفة صالح أحواس ، المرجع السابق ص296 .
3 ـ يقول د عبد القادر شهاب (إن وثيقة إعلان سلطة الشعب التي تضمنت عدة مبادئ أساسية للنظام الجماهيري ، لا يمكن اعتبارها تشريعا عاديا ، ويمكن تكييفها من الناحية الموضوعية على إنها وثيقة ذات طبيعة دستورية ) د خليفة صالح أحواس ، المرجع السابق ص296
أما د الكوني عبودة فيرى (إن وثيقة إعلان سلطة الشعب تضمنت الكثير من المبادئ التي توحي بأنها ذات طبيعة دستورية ) . كما يرى د الصديق الشيبانى ( بان هناك شبه إجماع على علوية وثيقة إعلان قيام سلطة الشعب في النظام القانوني الليبي النافذ ، فإنها تمثل ذات المرتبة التي تمثلها الدساتير في الأنظمة المقارنة ) . أما د معتوق (فيرى إن الفقه والقضاء والمشرع متفق على إن وثيقة إعلان سلطة الشعب ، والوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان ، تتمتعان بقوة إلزامية تعادل قوة الدستور في الأنظمة المقارنة ).
ـ د محمود عمر معتوق ، مبدأ المشروعية وتطبيقاته في النظام الجماهيري ،دراسة مقارنة ، مطابع العدل ، ط1 ، طرابلس ، 2005ف ، ص 81 وما بعدها .
ويجعلها على قمة الهرم التشريعي انطلاقاً من المعيار الموضوعي ، وما يؤكد ذلك تنصيص كل القوانين في ديباجتها ( بعد الاطلاع على إعلان قيام سلطة الشعب )(1).
وبدراسة هذا الإعلان يتضح للباحث بأنه حدثت عدة تغييرات على المواد الواردة بالإعلان الدستوري المؤقت ، حيث أصبح اسم الدولـــة الجماهيريـة العربية الليبية الشعبية الاشتراكيـــة
كما نص الإعلان ضمنياً على انتقــــال السلطة من مجلس قيــادة الثـــــورة إلى الشعب ، وبذلك انتقلت كل صلاحيات مجلس قيــــــــــادة الثورة المنصوص عليها في الإعلان الدستوري إلى مؤتمر الشعب العام وتم إلغاؤها ضمنيا ، كما تعطلت عدة مواد في الإعلان الدستوري لعدم تمشيها مع ما نص عليه إعلان قيام سلطة الشعب .
ويقول رأي من الفقه في هذا الخصوص ( ..... إن أداة الحكم التي كانت تتجسد في مجلس قيادة الثورة بموجب الإعلان الدستوري ، أصبحت تتجسد في الشعب كل الشعب .... ويضيف .... وبإلغاء ما جاء في الإعلان الدستوري كون مجلس قيادة الثورة هو أداة الحكم ليصبح الشعب كله هو هذه الأداة من خلال المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية )(2).
أما بالنسبة للحقوق والحريات العامة فإنها بقت على حالها ، حيث لم ينص عليها في إعلان قيام سلطة الشعب ، وبالتالي لم يتم إلغائها صراحة أو ضمنا ، فكل الحقوق والحريات العامة المنصوص عليها بالإعلان الدستوري استمر العمل بها ، بل تعززت بما تناولته ديباجة إعلان قيام سلطة الشعب .
ويضيف نفس الرأي ( ...إن الإعلان الدستوري لم يلغ إلا جزئيا وبشكل ضمني من إلغاء أداة الحكم النائبة عن الشعب في ممارسة السلطة ، وعودة هذه السلطة إلى صاحبها الأصلي وهي كل الجماهير .....أما بخصوص مبادئ وأسس الحرية والمساواة وإلغاء كافة مظاهر الظلم والاستغلال ، إلى غير ذلك من الأسس التي يتضمنها الإعلان الدستوري وكشف عن بعضها البيان الأول للثورة ، فإن هذه المبادئ وتلك الأسس التي تعتبر بمثابة الأحكام العامة الواجبة التطبيق ، ولو لم تنص عليها وثيقة إعلان سلطة الشعب ، باعتبار أن تلك الأسس والمبادئ غير ملغاة لا صراحة ولا ضمنا ، حيث يستمر العمل بها ولا تعارض في ذلك مع تطبيق الأحكام الخاصة بالنظام الجماهيري ، الذي ترسيه وثيقة إعلان سلطة الشعب )(3).

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
1 ـ د خليفة أحواس ، المرجع السابق ، ص296وما بعدها .
2 ـ د عبد السلام على المز وغى ، النظرية العامة لعلم القانون ـ نظرية القانون ـ منشورات الجامعة المفتوحة ، ط 2 ، طرابلس ،1996 ف ، ص434 .
3 ـ نفس المرجع السابق ، ص 433 وما بعدها .
ومن خلال ما تقدم يرى الباحث بأن الإعلان الدستوري 1969ف لم يتم إلغاؤه كلية ، وإنما ألغيت المواد المتعلقة بنظام الدولة والسلطات الموكولة لمجلس قيادة الثورة ، وبقت المواد المتعلقة بالحريات العامة على حالها حتى صدور الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير .
وتعزيزاً لسلطة الشعب وإرساء لمبادئ الديمقراطية المباشرة في المجتمع الجماهيري ، عرض على جماهير المؤتمرات الشعبية مشروع وثيقة تعنى بالحقوق والحريات العامــة فــي المجتمع الجماهيري ، وتم إصدار هذه الوثيقة في جلسة مؤتمر الشعب العام بتاريخ 12 .6 .1988ف(1)، حيث بدأت بديباجة أشارت إلى ما جاء في البيان الأول للثورة ، وإعلان قيام سلطة الشعب ، وبنــاء على قرارات المؤتمرات الشعبيـة بالخصوص صدرت هذه الوثيقة متضمنة 37 بنداً خاصة بالحقوق والحريات العامة . فنصت على معظم الحقوق والحريات المعروفة عالمياً ، والتي نصت عليها كل الإعلانات والمواثيق الدولية والدساتير المعاصرة ، وأضافت عدة حقوق وحريات جديدة لــــم تتضمنها المواثيق الدولية ولا الدساتير المعاصرة ، ومنها تأكيد ممارسة السلطة الشعبية المباشرة من قبل الشعب ، المناداة بحماية الحرية عالمياً ، المناداة بالسلام بين الأمم ، وإلغاء كافة أسلحة الدمار الشامل(2).
ويذهب جانب من الفقه إلى إن الوثيقة تحظي بمكانة تعلو القوانين العادية ، وخاصة بعد أن قام المشرع الليبي بوضع بنودها في قوانين ، نص في متنها على أنها قوانين أساسية ولا يجوز مخالفتها . فيرى البعض بأن إعلان قيام سلطة الشعب والوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان والقانون المنظم لسلطة الشعب ، تشكل في مجموعها كتلة من المبادئ والقواعد الأساسية " الدستورية"(3) وتكًون القانون الأساسي الليبي.
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
1 ـ الجريدة الرسمية ، عدد خاص ، السنة السادسة والعشرون ، المرجع السابق ،ص10 .
2 ـ قسم بعض الفقه الحريات العامة في الوثيقة الخضراء لحقوق الإنسان على النحو التالي :
ا ـ الحقوق الشخصية وتشمل ، حق الحرية وعدم تقييدها والعمل على حمايتها ، حق الإنسان في الحياة ، حرية العلاقات الشخصية ، حق التقاضي ، حق الجنسية ، حرية التنقل والإقامة، وحق تكوين الأسرة .
ب ـ الحقوق السياسية وتشمل ، الحق في إدارة شؤون البلاد بطريقة مباشرة عن طريق المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية ، حرية الراى التعبير ، حرية العقيدة .
ج ـ الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتشمل ، حق العمل ، قدسية الحياة الخاصة ، حق الإنسان في مسكن لائق ، حق تكوين الاتحادات والنقابات ، حق التعليم ، حق التضامن الاجتماعي .
د ـ الحقوق الجديدة الواردة بالوثيقة وتشمل ، الدفاع عن الحرية في كل مكان من العالم ، تحريم ظاهرة خدم المنازل ، حق الشعوب في تقرير مصيرها ، الدعوة إلى استقرار الأمن والسلام عن طريق القضاء على الأسلحة الفتاكة وأسلحة المار الشامل . انظر في تفصيل ذلك ، د ساسى سالم الحاج ، المفاهيم القانونية لحقوق الإنسان عبر الزمان والمكان ، منشورات الجامعة المفتوحة ، ط 2 ، طرابلس ، 1998ف ، ص410 وما بعدها .
3 ـ د عبد الرحمن محمد أبو توتة ، بحث بعنوان " القيمة القانونية للوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان وطرق كفالة احترامها ، 2008ف ، منشور بشبكة المعلومات الدولية ، موقع المحكمة العليا الليبية ـ دراسات وأبحاث قانونية ـ تاريخ الإطلاع 25 .2 . 2009ف .
ويقول رأي آخر إن الوثيقة جاءت لتسد الفجوة التي تركها اقتضاب إعلان قيام سلطة الشعب ، وبالتالي فإن الوثيقة تتساوى في القيمة مع القيمة القانونية لإعلان قيام سلطة الشعب ، وكل منهما يكمل الآخر(1).
ويضيف رأي آخر من جانبه أن الوثيقة تلقى شبه إجماع على قيمتها الدستورية ، وأنها تعد من أهم مصادر المشروعية في ليبيا ، استناداً إلى نص ( م26) من نفس الوثيقة(2) وهو ما أكــده المشرع بإصداره لعدة قوانين تعتبر تطبيقاً عملياً لما ورد في الوثيقة من مبادئ.
ومن خلال ما تقدم نرى بأن الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير هي التي تنظم الحريات العامة في ليبيا ، ولتطبيق ما في الوثيقة من مبادئ(3) قام المشرع الليبي بإصدار عدة قوانين تهتم بتفسير وتطبيق مبادئ الوثيقة ، فأصدر القانون رقم 5 لسنة 1991ف بشأن تطبيق مبادئ الوثيقة (4)، والقانون رقم 20 لسنة 1991ف بشأن تعزيز الحرية (5) ووثيقة حقوق المرأة في المجتمع الجماهيري الصادرة في 29 .12 .1424 ميلادية (1995ف) (6) والقانون رقم5 لسنة1427ميلادية(1998ف) بشأن حماية الطفولة (7).
وبصدور هذه الوثيقة إضافة إلى وثيقة إعلان قيام سلطة الشعب ، فإن اغلب الفقه يتفق على أن الوثيقتين تكونان القانون الأساسي في ليبيا ، فإعلان قيام سلطة الشعب كشف عن شكل الدولة وتوجهاتها ونظام الحكم بها ، والوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير تضمنت الحقوق والحريات العامة التقليدية منها والحديثة ، والتي جسدها المشرع في القوانين المشار إليها .



ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ
1 ـ صالح أحمد الفرجانى ، الحقوق والحريات العامة في الوثيقة الخضراء وضمانات تطبيقها ، رسالة ماجستير ، جامعة الفاتح ، طرابلس ، 2005ف ، ص21 .
2 ـ د محمود عمر معتوق ، المرجع السابق ، ص82 .
3 ـ اختلف الفقه في تحديد معاملة بنود الوثيقة ، ومدى التزام القاضي بهذه المبادئ من عدمه ، ويرى جانب من الفقه أنها عبارة عن وثيقة فلسفية عقائدية تتضمن جملة من المبادئ الأساسية التي يجب مراعاتها عند صياغة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي ، وهو ما قام به المشرع الليبي من خلال إصداره للقوانين المتعلقة بالحريات العامة المشار إليها . في حين يذهب جانب آخر من الفقه إلى التمييز ما بين مبادئ الوثيقة ، فما جاء في صورة مجملة أوضحته القوانين التالية لصدور الوثيقة ، والقاضي هنا ملزم بأتباع ما نصت عليه هذه القوانين ، أما النصوص الواردة في الوثيقة والقابلة للتطبيق بذاتها دون تدخل المشرع لتفصيل أحكامها ، ففي هذه الحالة القاضي ملزم بأعمال أحكامها وتطبيقها على الدعاوى التي تعرض عليه . أشار إلى ذلك صالح الفرجانى ، المرجع السابق ، ص19 وما بعدها .
4ـ الجريدة الرسمية ، العددالعشرون ، السنة التاسعة والعشرون ، بتاريخ 12 .10 .1991ف ، ص726.
5 ـ الجريدة الرسمية ، العدد الثانى والعشرون ، السنة التاسعة والعشرون ، المرجع السابق ، ص726ومابعدها .
6 ـ شبكة المعلومات الدولية ، موقع مؤتمر الشعب العام ، تاريخ الإطلاع 12 . 10 . 2008ف .
7 ـ الجريدة الرسمية ، العدد1 ، السنة السادسة والثلاثون ، بتاريخ 7 .3 .1428ور (1998ف) ، ص73 .

المطلب الثالث
ضمانات الحريات العامة
أحياناً لا يكفى أن يتم النص على الحريات العامة في الدساتير أو القوانين حتى يقال بـــأن هناك حريات تمارس فعليــــاً من قبل الأفراد ، فالإدارة قد تطغى وتهدد هذه الحريات ، وبالتالي استوجب الأمر إيجاد ضمانـــات لممارسة الحريات العامـــة ، تحول دون اعتداء جهـــــــة الإدارة ـ سلطات الضبط ـ عليها ، وتكفل ممارسة الأفراد لحرياتهم .
وتوجد العديد من ضمانات الحريات العامة ، اقتصر الباحث على ثلاث منها فقط ، نتناولها بالتفصيل في ثلاثة فروع ، الأول دور القضاء في حماية الحريات العامة ، والثاني دور الراى العام في حماية الحريات العامة ، والثالث مبدأ الفصل بين السلطات وحماية الحريات العامة وذلك كالآتي :
الفرع الأول
دور القضاء في حماية الحريات العامة
يعد القضاء من الأهمية بمكان في حماية الحريات العامة ، خاصة إذا كانت السلطة القضائية تتمتع باستقلالها عن السلطتين التشريعية والتنفيذية ، كما هو المفترض في الديمقراطيات الحديثة ، لأن مبدأ استقلال القضاء يعتبر أحد المبادئ الهامة للديمقراطية الحديثة .
وتظهر أهمية الرقابة على أعمال الإدارة العامة نظراً لاتساع نشاطها وتنوعه في العصر الحديث ، وكذلك لما تتمتع به الإدارة من امتيازات وسلطات استثنائية ، يسمح لها بأن تعسف بالحريات العامة للأفراد إذا لم تخضع أعمالها لرقابة فعالة ، وزاد من تأكيد هذه الرقابة الانتشار الواسع للأفكار الديمقراطية التي لا ترى في تلك السلطات الاستثنائية امتيازاً ذاتياً للإدارة ، وإنما تعدها من قبيل الاختصاص الذي يجب أن يمارس في حدود القانون ابتغاء للمصلحة العامة(1).
والرقابة القضائية هي تلك التي تباشرها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها على إعمال الإدارة سواء كانت تصرفات قانونية أو أعمالا مادية ، وذلك بناء على دعوى ترفع إلى المحكمة المختصة من ذوى الشأن(2) .
وتبدو أهمية الرقابة القضائية في اعتبارها من أهــم الضمانات على ممارسة الحريات العامــة
فالقضاة تكـــون لديهم الدرايــة بالشؤون القانونيــــة ووسائل المنازعـــــات والخبرة والحيـــدة
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
1 ـ د محمود عاطف البنا ، الوسيط في القضاء الإداري، ب ن ، ط 2 ، ب م ، 1999م ، ص75 .
2 ـ د عبد العليم عبد المجيد ، المرجع السابق ، ص 315 .
والنزاهـة ، بحيث يؤدي القاضي عمله في استقلال تـــام عن أطراف النزاع ودون خوف أو إكراه ، ولا يخضع في أدائه لعمله إلا لضميره والقانون(1)، وقد نصت معظم الدساتير المعاصرة على استقلال القضاء ، ولا سلطان عليهم في قضائهم إلا للقانون .
وحماية الحريات العامة تمثل مطلباً جوهرياً لتحقيق مبدأ المشروعية الذي تقوم عليه الدولة القانونية في المجتمع المعاصر ، لأن القضاء يمثل الحارس الطبيعي لهذه الحريات ، إذ لا يكفى مجرد إعلان مبادئ الحريات وتنظيمها دستورياً وقانونياً ، إنما يتعين أن يمتلك أصحابها الوسائل الكفيلة باحترامها ، عندما يتهددها خطر الاعتداء عليها ، وبذلك فالرقابة القضائية من أكثر الضمانات فاعلية لحماية الحقوق والحريات ، بواسطة قضاء محايد ومستقل يمكنه أن يعلي كلمة الحرية في مواجهة السلطة (2) .
وقد جاء في حكم للمحكمة الدستورية العليا المصرية ( ... ولأن الدولة القانونية هي التي يتوافر فيها لكل مواطن الضمانة الأولية لحماية حقوقه وحرياته وتنظيم السلطة وممارستها في إطار من المشروعية... والقضاء دعامة الدولة القانونية من خلال استقلاله وحصانته لتكون القاعدة القانونية محوراً لكل تنظيم ، وحداً لكل سلطة ، ورادعاً ضد العدوان)(3).
ومع التسليم بأهمية وظيفـة الضبط الإداري وضرورتها للمحافظـة على أمـن وسلامـــة المجتمع ، فإنه يبقى واضحا أن نشاط الإدارة في هذا الخصوص وما يتضمنه من تنظيم وتقييد لحريات الأفراد ينبغي أن يخضع لرقابة قضائية واسعة ، تضمن أن تلتزم الإدارة في هذا المجال البالغ الأهمية بالضوابط التي يجب عليها احترامها حماية لحقوق الأفراد وحرياتهم العامة ، وبخاصة بعد اتساع نشاط سلطات الضبط الإداري ، ووصولها للتدخل في مجريات الحياة اليومية لكل مواطن (4).
والرقابة القضائية على أعمال الإدارة تتميز على الرقابات الأخرى ، من حيث إنهـــا رقابة لاحقة ، لا تمارسها المحاكم تلقائياً ، وإنما بناء على رفع دعوى من ذوي الشأن ، كما إن مهمة القاضي الإداري تكمن في إلغــــاء القرار الإداري المطعون فيــــه ، عندما تثبت عدم مشروعيته ، فهو بذلك لا يستطيع أن يحل محل الإدارة في اتخاذ قرار أو تعديله .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
1 ـ عميد محمد ماجد ياقوت ، الإجراءات والضمانات في تأديب ضباط الشرطة ، منشاة المعارف ، ط 2 ، الإسكندرية ، 1996ف ، ص162 ـــ د عبد العليم مشرف ، المرجع السابق ، ص315 .
2 ـ د ثروت عبد العال احمد ، الحماية القانونية للحريات العامة، دار النهضة العربية ، ب ط ،القاهرة ، 1998 ف ، ص 115 .
3 ـ القضية رقم 22 / 8 ق ، بتاريخ 4 .1 .1992ف ، المحكمة الدستورية العليا ،ج5 ،المجلد الأول ، الأحكام التي اصدرتها المحكمة من أول يوليو 1991ف إلى أخر يونيو 1992ف . ص89، قاعدة رقم 14.
4 ـ د محمد عبيد القحطانى ، الضبط الإدارى في دولة الإمارات العربية المتحدة ، دار أبو المجد للطباعة ، ب ط ، القاهرة ، 2005 ف، ص501 .
ومن خلال ما تقدم نخلص إلى أن دور القضاء في حماية الحريات العامة ، يعتبر ضمانة هامة وأساسية لحماية حريات المواطنين ، وإلزام الإدارة بالخضوع لحكم القانون ومبدأ المشروعية، فالسلطات التي منحها القانون للإدارة في مجال الضبط الإداري ليست مطلقة من كل قيد ، وإنما تباشر بقصد حماية الحريات العامة لأفراد المجتمع(1).
الفرع الثاني
دور الرأي العام في حماية الحريات العامة
للرأي العــام أهمية بالغة في عالمنا المعاصر ، حيث أصبح قيداً حقيقياً على ممارسة السلطــة ، وبالتالي يعد ضمانة هامة من ضمانات ممارسة الحريات العامة ، حتى إن بعض الفقه اعتبره سلطة رابعة (الصحافة) بالإضافة إلى السلطات الأخرى المعروفة في الدولة(2).
وإذا كانت وظيفة الدولة هي إدارة المجتمع وتنظيم شؤونه ، فإن الوقوف على أراء المواطنين وميولهم هي إحدى أبرز الوسائل التي تمكنها من هذه الوظيفة ، لذلك أصبحت جل الدول وأنظمتها السياسية تعطي للرأي العام مكانة خاصة ، بأن أقامت مراكز خاصة وفاعلة لدراسة الرأي العام وتوظيفه للحفاظ على استقرارها السياسي والاجتماعي .
وتحرص معظم الدساتير المعاصرة على النص صراحة على أن حرية الرأي مكفولة لكل المواطنين وتشمل حرية الصحافة والاجتماعات وتكوين الجمعيات والنقابات وتشكيل الأحزاب ، فبهذه الحرية يستطيع الأفراد الحد من تسلط السلطات العامة وضمان الحقوق والحريات .
والرأي العام يقوم بدور هام وكبير في حسم العديد من المشكلات والقضايا السياسية ، كما أنـه يقوم بدور فعال في الرقابة على أعمال السلطات العامة بالدولة ، ولذا اعتبر الرأي العام ضمانة أساسية وهامة للحريات العامة . وتسعى الحكومات دائما للتعرف على اتجاهات الرأي العام في المجتمع ، وتعمل على الملاءمة بين هذه الاتجاهات وسياستها وخططها لكي تضمن ثقة الشعب بها ، الأمر الذي يعود عليها إيجاباً وذلك باستمرارها في موقع السلطة .
ولــذا فإن الرأي العــام في النظم الديمقراطية يقوم بدور هــام في مراقبة أعمال السلطات العامــة ، سواء بتعدد الجهات السياسية ( الأحزاب )أو وجود وسائل إعلام مختلفة كالإذاعات المرئية ( الفضائيات) والمسموعة ، والتي انتشرت انتشاراً واسعاً بسبب التطـور العلمي الــذي
تشهده ثورة الاتصالات ، وهـــذه الوسائل الإعلامية ساهمت بشكل كبير في نقل صورة واضحة
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ
1 ـ د محمد عبيد سيف ، دور الشرطة في المحافظة على مبدأ المشروعية ، ب ن ، ب ط ، ب م ، 2009 ف ، ص253 .
2 ـ شبكة المعلومات الدولية ، موقع الراية ، بحث بعنوان ضمانات الحريات العامة ، الإطلاع بتاريخ 7 .7 .2008ف .

عن الرأي العام للجهات الإدارية المختصة .
ويرى جانب من الفقه أن الرأي العام يشكل ضمانة كبرى للحريات العامة في الدول ذات النظم الديمقراطية ، وأن الفرد في هذه الدول يستطيع أن يعبر عن رأيه بحرية تامة وبكل وسائل التعبير المتاحة ، لأنه يعرف مسبقاً أن السلطة حريصة على معرفة آراء المواطنين في الأمور والمسائل التي تهمهم ، حتى تأتى قراراتها متفقة مع اتجاهاتهم ورغباتهم ، الأمر الــذي يضمن لها البقاء مدة أكثر في السلطة ، كما أن ارتفاع مستوى معيشة الفرد في هذه الدول تجعله يساهم ويشارك في الاهتمام بالشؤون والمسائل العامة ومتابعة ما يدور حوله من شؤون الحكم(1). أما بالنسبة للدول النامية فالأمر على عكس ما تقدم ، حيث إن دور الرأي العام في هذه الدول يكون مسخرا لمساندة السلطة الحاكمة ، باستخدام ما تملكه من وسائل إعلام مختلفة لكي تضلل الرأي العام وتؤثر في اتجاهه بما يتوافق مع أهدافها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، والمحافظة على النظام القائم . فالحريات العامة في هذه الدول رغم النص عليها دستورياً ، إلا أنها غير مصانة ومقيدة ، وبالتالي فإن الرأي العام في هذه الدول يوصف بالسلبية لعدم تأثيره على السلطة الحاكمة ، ولا يؤدي دوره كاملاً في الرقابة على السلطات العامة وحماية الحريات العامة ، والسبب في ذلك يرجع إلى ضعف مستوى المعيشة للأفراد ، وانصرافهم عن المشاركة في المسائل العامة .
كما أن محدودية دور الأحزاب السياسية في هذه الدول ، ووسائل الأعلام المختلفة يؤدى إلى عدم ظهور الرأي العام بدوره كاملاً ، فسيطرة الحكومة على وسائل الأعلام وتسخيرها للتأثير على الرأي العام ، والسير به نحو الاتجاه الذي ترغبه يجعلها ذات دور غير مؤثر .
ومن خلال ما تقدم يرى الباحث أن الرأي العام يعتبر ضمانة قوية للحريات العامة ، وبخاصة في الدول التي تتمتع نظمها السياسية بالديمقراطية ، حيث تسخر كافة وسائل الإعلام لخدمة الرأي العام ، والتعبير عن الآراء بحرية وشفافية ، وذلك من خلال الانتشار الواسع للصحف الحرة والقنوات الإعلامية المختلفة ـ الفضائيات ـ واستخدامات شبكة المعلومات الدولية ، الأمر الذي أدى إلى انتشار ونمو الوعي نحو إبداء رأي عام سليم ، يساعد الجهات الإدارية المختصة في معرفة ما يدور في المجتمع ، ورسم وتقييم السياسات على أساس هذا الرأي .
وفى ليبيا نلاحظ وجود العديد من القنوات الفضائية ، والصحف المحلية وكذلك الانتشار الواسع للإذاعات المحلية بكل شعبية تقريباً ، كل ذلك يساعد فــي نقل صورة واضحة عـن الرأي العـــام في المجتمع ، عندما تسخر هــذه الوسائل فعلاً فـي خدمة المواطن . كمـا ساهمت
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ
1 ـ د عبد العليم عبد المجيد مشرف ، المرجع السابق ، ص355 .
شبكة المعلومات الدولية مساهمة فعالة في توسع رقابة الرأي العام ، حيث أصبحت معظم الأمانات والأجهزة والمصالح التنفيذية لها مواقع الكترونية ، متاح لكل الأفراد زيارتها وإبداء الآراء والملاحظات والانتقادات حول سير العمل بها .
ومن هنا يرى الباحث بأن الرأي العام تطور تطوراً كبيراً ، وفسح له المجال ليكون قيداً حقيقياً على الإدارة ، عند ممارستها لأوجه نشاطها وبخاصة عند مساسها بالحريات العامة للأفراد .
الفرع الثــــالث
مبدأ الفصل بين السلطات وحماية الحريات العامة
هو مبدأ سياسي للحكم ظهر في القرن الثامن عشر ، ونادى به الفقيه الفرنسي مونتسيكو في كتابه روح القوانين عام 1748ف ، إلا أنه لم يكن أول من قال بهذا المبدأ ـ ارسطو تعرض لذلك في كتاباته ـ ولكن دوره الأساسي كان توضيح المبدأ وشرحه وتدعيمه مما انتهى إلى ارتباطه باسمه (1) ، ويستند هذا المبدأ على فصل السلطات الثلاث في الدولة الحديثة ـ السلطة التشريعية ، السلطة التنفيذية ، السلطة القضائية ـ ويعتبر من أهم المبادئ الدستورية لضمان الحقوق والحريات العامة للإنسان ، وقد ظهر المبدأ كرد فعل ضد السلطات المطلقة التي كان يتمتع بها الملوك في تلك الفترة . إن هذا المبدأ أحد ضمانات حقوق وحريات الإنسان ، ويمنع استبداد وتعسف السلطة ، لأن وضع السلطات في يد واحدة يؤدي إلى انتهاكات هذه الحقوق حتى ولو كانت السلطة منتخبة من الشعب(2).وفى هذا قضت المحكمة العليا الليبية في حكم لها بأن ( ...مبدأ الفصل بين السلطات ومقتضاه أن تقوم في الدولة ثلاث هيئات تختص كل منها بوظيفة مستقلة فتتولى السلطة التشريعية مهمة التشريع وتتولى السلطة التنفيذية مهام إدارة شؤون الدولة ومصالحها ، وتتولى السلطة القضائية الفصل في المنازعات بإصدار ...)(3)
وبالـرغم من إبراز مبدأ الفصل بين السلطات في الدساتير، وتحديد اختصاصات كــل سلطة في الدولة ، إلا أنه في الواقع العملي لا يمكن تطبيقه ، حيث يستوجب في أغلب الحــالات التنسيق فيما بين هذه السلطات لغرض التعاون ، وتنفيذ السياسة العامة للدولة في حدود القانون . ولا يفهم من ذلك إقامة سياج مادي يفصل فصلا تــاما بين سلطــــات الحكـــم ويحول دون مباشرة كل منها لوظيفتها بحجة المساس بالأخرى ، بــل يتطلب الأمر التعاون وأن يكون لكل منها رقابة على الأخرى في نطاق اختصاصها .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ
1 ـ صالح احمد الفرجانى ، المرجع السابق ، ص109 .
2 ـ حسن مصطفى البحري ، الرقابة المتبادلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية كضمان لنفاذ القاعدة الدستورية ، رسالة دكتوراه ، جامعة عين شمس ، القاهرة ، 2006 ف ـ منشور جزء منها على شبكة المعلومات الدولية ( شبكة البرونزية ، www.broonzy.net ) تاريخ الإطلاع 25 .4 .2009ف ، ص2 من 22 .
3 ـ طعن إداري رقم 1 / 1 ق ، بتاريخ 5 .4 .1954ف، أشار إليه امهيدى محمد امهيدى الشيبانى ، السلطة اللائحية للإدارة في مجال تنفيذ القوانين ، رسالة ماجستير ، أكاديمية الدراسات العليا ، فرع بنغازي ، 2004ف ، ص54 .
ويرتكز مبدأ الفصل بين السلطات على فكرة مؤداها أن كل من يحوز سلطة يميل بالطبيعة إلى التعسف فيها والاستبداد بها ، إلى أن تقوم في مواجهته سلطة أخرى تقيده ، فالسلطة تحد السلطة ، وبذلك اعترفت الدساتير بوجود ثلاث سلطات ومنحت كل واحدة منها أسلحة متنوعة لاستعمالها في مواجهة السلطتين الأخــريين(1). وقــــد جـاء في حكم للمحكمة الدستورية في مصر بــأن ( ...وأذ كان الدستورقد حدد لكل من السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية وظائفها وصلاحياتها ، فإنه بذلك يكون قد عين لكل منها التخوم والقيود الضابطة لولايتها بما يحول ودون تدخل إحداها في أعمال السلطة الأخرى ...)(2).
كما أن محكمة القضاء الإداري في مصر تعرضت لهذه الفكرة في احد أحكامها بقولها ( ... إذ انه ليس لجهة الإدارة أن تتناول بالتعقيب الأحكام الجنائية النهائية الصادرة بالبراءة وتهدر حجيتها الواجبة الاحترام من الكافة والتي أصبحت عنوان الحقيقة بإصدار قـــرار إداري بالاعتقال من جديد يقـــوم على ذات الأسباب المنهارة بمقولة إن المدعى أفلت من يد العدالة بطريقة غير شريفة ومقتضى ذلك القول افتئات السلطة التنفيذية على أعمال السلطة القضائية مما يتعارض مــع مبدأ انفصال السلطتين واستقلال كل منهما عن الأخر وقد كفلت ذلك المبدأ كافة الدساتير ...)(3)والمحكمة من جهتها رأت انه إذا كان القرار الإدارى المطعون فيه قد استند إلى وقائع سبق أن قضى بعدم صحتها حكم قضائي ، فان القرار في هذه الحالة يكون قد تخلفت أسبابه ، وان الإدارة قد اعتدت على السلطة القضائية وأهدرت أحكامها ، وهو أمر يتنافى مع مبدأ الفصل بين السلطات.
ويوضح مبدأ الفصل بين السلطات التمييز بين وظيفة سن القوانين ووظيفة تنفيذهــــا ، بحيث
يقتضي الأمر أن تسند كل وظيفة إلى جهاز أو هيئة مستقلة ، تتوازن سلطاتها مع سلطات الهيئة الأخرى . وبالتطبيق الفعلي لا يعني الفصل بين السلطات الاستقلال القاطع ، والتفرقـــــة
التامة بين السلطتين بالقدر الذي يجعل كــل سلطة مجرد مانع ورقيب فــي علاقتهــا بالسلطــة
الأخرى ، ولكن ينبغي أن يكون بالقدر الذي يحدد ويمنع ارتداء السلطة طابعاً استبدادياً ، وهـذا
يعني أن السلطات الثلاث عليها أن تتعاون وتسير معاً بانسجام لتحقيق الصالح العام ، وبذلك
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ
1 ـ د محمد عبد الله الحراري ، أصول القانون الإداري الليبي ج1 ، المرجع السابق ، ص169 .
ـ ويقول رأي آخر بان مبدأ الفصل بين السلطات يعنى توزيع وظائف الدولة الثلاث ، التشريعية ومهمتها إصدار قواعد قانونية عامة ومجردة هي القوانين ، والتنفيذية تقوم بتنفيذ القوانين عن طريق إصدار قرارات لائحية أو فردية ، والقضائية تختص بإنزال حكم القانون على المنازعـــات التي تعرض عليها ، أي إن الهــــــدف من مبدأ فصل السلطات هو عدم تركيز كل السلطات في قبضة شخص واحد أو هيئة واحدة ، ذلك أن السلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة ، ومنعا لاستبداد شخص أو هيئة بالسلطة ، فإنه يتعين توزيع السلطات بين هيئات مختلفة ، حتى تراقب كل منها الأخرى ، وتحول بينها وبين إساءة استعمال سلطتها . د فاروق عبد البر ، دور مجلس الدولة في حماية الحريات العامة ج2، المرجع السابق ، ص9 .
2ـ القضية رقم 25 /8 ق بتاريخ 16 .5 .1992ف ، المحكمة الدستورية العليا المصرية ، ج5، المجلد الأول ، الأحكام التي أصدرتها المحكمة من أول يوليو1991ف إلى أخر يونيو 1992ف ،ص324 ، قاعدةرقم35 .
3 ـ قضية رقم 199 لسنة 16ق بتاريخ 8 .1 .1963ف ، مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها محكمة القضاء الإدارى في خمس سنوات ، ص148 ، بند16 .

ففصل السلطات يجب أن يكون مرنا بالقدر الذي يحقق التعاون والتنسيق بين السلطات .
وأشارت إلى هذه المعاني محكمة القضاء الإداري ، حيث قضت ( إن قاعدة الفصل بين السلطات وفقا لما أجمع عليه فقهاء القانون العام في العصر الحديث ، وطبقاً لأسس النظام الديمقراطي والمبادئ الدستورية ... تتمثل في فصل السلطات فصلاً محدوداً ... بحيث تتداخل الاختصاصات بينها أحياناً بما يحقق الصالح العام ...)(1)
ولمبدأ الفصل بين السلطات عدة مبررات تتلخص في(2):ـ
1 ـ منع الاستبداد وصيانة الحريات : إن الغاية الأساسية من فصل السلطات هي تفادى إساءة استخدام السلطة ، وحمايـــة حقـــوق المواطنين وحرياتهم ، وإن المناداة بفصل السلطات يعتبر وسيلة لتفتيت السلطة ومنع تركيزها في يد واحدة على نحو يهدد الحريات وحقوق الأفراد ويعرضها للخطر ، وحتى توقف كل سلطة عند حدها بواسطة غيرها ، يتوجب أن لا تكون هناك سلطة واحدة في الدولة ، بل سلطات مستقلة حتى تقاوم إحداهما الأخرى(3).
2 ـ تأكيد مبدأ المشروعية في الدولة : يعتبر مبدأ الفصل بين السلطات من الضمانات المهمة التي تكفل قيام دولة القانون باحترام مبدأ المشروعية ، فهو وسيلة فعالة لكفالة احترام القوانين وتطبيقها تطبيقاً عادلاً وسليماً . وقد أكدت أحكام القضاء الإداري الضوابط التي تتقيد بها السلطات في أداء وظائفها بالدولة ، حيث ذهبت المحكمة الإدارية العليا المصرية في حكم لها إلى أن ( ... مبدأ المشروعية لم يعد مجرد احترام القواعد القانونية الصادرة عن السلطة التشريعية ، بل أصبح يشمل أيضا القواعد الصادرة عن السلطة التنفيذية سواء أكان مصدرها لوائح عامة أو قرارات فردية ، وذلك تأكيداً لمبدأ الفصل بين السلطات) (4).
أما في ليبيا فأن الأمر يختلف ، فلا وجود لتطبيق نظرية مبدأ الفصل بين السلطات ، وذلك لعدم وجود سلطات متعددة في النظام الجماهيري ، بل سلطة واحدة متمثلة في الشعب ، فهو صاحب السلطة طبقاً لما نص عليه إعلان قيام سلطة الشعب في المادة الثالثة منه . ولذلك فإن النظرية التي يقوم عليها النظام السياسي الليبي تسمى ( نظرية جماعية السلطة ) فهي لا تقبل الفصل ولا تقبل الوحدة المجسدة في جسم وسيط (5).
وبهذا انتهى المبحث الأول ، ونتقل لدراسة المبحث الثاني المتعلق بحماية الحريات العامة .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ
1 ـ القضية رقم 4081 / 7ق بتاريخ 20 .12 .1954ف ، مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها محكمة القضاء الإداري ، السنة التاسعة ، ص152 ، بند119.
2 ـ حسن مصطفى البحري ، المرجع السابق ، ص 14 من 22 .
3 ـ د إبراهيم أبوخزام ، شرح القانون الدستوري الليبي ، الكتاب الثاني ، مكتبة طرابلس العلمية العالمية ، ط1 ، 1997ف ، طرابلس ، ص313 .
4 ـ المحكمة الإدارية العليا طعن 1261 لسنة 42ق بتاريخ 19 .1 .2002ف ، أشار إليه د طارق الجيار ، الملائمة الأمنية ومشروعية قرارات الضبط الإداري ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، ط1 ، 2009 ف ، ص363 .
5 ـ د إبراهيم أبوخزام ، المرجع السابق ، ص328 .

المبحث الثـــــاني
حماية الحريات العامة
تمهيد ,,,
تحتل الحريات العامة مركز الصدارة في الدول الديمقراطية ، ومبادئها تعلو مبادئ الديمقراطية الحديثة ، وتغلب على المبادئ الديمقراطية في حالة التعارض ، لأن مبادئ الديمقراطية وسائل لغاية أساسية هي كفالة الحرية للفرد والجماعة ، ولهذا لا يجوز مخالفتها أو تقييدها ، فالحريات العامة أسمى القواعد القانونية التي على السلطة احترامها ، لذلك تقررت لها حماية قانونية تكمن في وضع قواعد دستورية وقانونية تكفل احترام الحريات في مواجهة الدولة ، ويصبح احترامها قيداً قانونياً على سلطات الحكم ، وبالتالي على سلطات الضبط التي يفرض عليها الدستور والقانون قيوداً لصالح الحريات العامة لا تتحلل منها إلا في الظروف الاستثنائية(1).
ويلاحظ أن الأساليب المتبعة في تعزيز الحريات العامة وإضفاء حماية دستورية أو قانونية عليها تختلف من دولة لأخرى ، ويعود ذلك إلى اختلاف الأصول الفلسفية والسياسية التي تقوم عليها نظم الحكم ، وكذلك اختلاف الظروف التاريخية التي صاغت النصوص الدستورية(2).

ولكي تتم الإحاطة بموضوع الحماية الدستورية والقانونية للحريات العامة ، نتناولها في المطالب التالية :
المطلب الأول / الاعتراف الدستوري بالحريات العامة
المطلب الثاني / التنظيم التشريعي للحريات العامة
المطلب الثالث / الإدارة وسلطتها في مجال الحريات العامة







ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ
1 ـ د محمد عبيد القحطانى ، الضبط الإداري في الإمارات العربية المتحدة ،المرجع السابق ، ص379 وما بعدها .
2 ـ دكتور عــادل السعيد أبو الخير ـ القانون الإدارى ، ب ن ، ب ط ، ب م ،2007ف ، ص492 .


المطلب الأول
الاعتراف الدستوري بالحريات العامة
لقد أثمرت الجهود الدولية التي بذلت من أجل الاعتراف بالحريات العامة ثمارها ، باعتراف وتقرير الوثائق الدستورية لها ، بحيث أصبح النص عليها في الدساتير والقوانين الوضعية ضماناً هاماً لهذه الحريات . ونتناول ذلك في ثلاثة فروع ، حيث نخصص الأول لدراسة تقرير الحريات العام دستورياً ، وفى الثاني ندرس القيمة القانونية للنص على الحريات العامة ، وفى الفرع الثالث نتكلم عن النتائج المترتبة على إيراد الحريات دستورياً .
الفرع الأول
تقرير الحريات العامة دستورياً
بعد نجاح الشعوب وتحقق حلمها في الاعتراف لها بالحرية بحيث أصبح النص عليها في المواثيق والدساتير المعاصرة يعتبر ضماناً هاماً لها ، اختلفت نظرة واضعي هذه الدساتير في شان النص على الحرية ، فقد يتم الاعتراف بالحرية في ديباجة أو مقدمة الدستور أو وثيقة إعلانه ، وقد يكون هذا الاعتراف في صلب الوثيقة الدستورية ويمكن تفصيل ذلك وفق الآتي :ـ
1 ـ الاعتراف بالحريات العامة في ديباجة أو مقدمة الدستور أو وثيقة إعلانه :
إن معظم الدساتير تحرص بأن تكون في مستهلها ديباجة أو مقدمة أو وثيقة إعلان ، تتناول المبادئ التي يحرص عليها المجتمع ، وبصفة أساسية ما يحرص عليه الشعب من حقوق وحريات(1). ويعد تناول الدساتير المعاصرة لحريات الإنسان في الديباجة أو المقدمة مظهراً لإيمان السلطة التأسيسية التي تولت إعداد مشروع الدستور بحقوق الإنسان وحرياته ، وهو انعكاس طبيعي لرغبة الشعوب وعزمها حماية حرياتها ، وهو ما يجعل احترام هذه الحقوق أمراً ملزماً لجميع السلطات العامة(2).
فالدستور الفرنسي لسنة 1958ف أوضح في مقدمته تمسك الشعب الفرنسي بصفة رسمية بحقوق الإنسان التي حددها إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر في سنة 1789ف . وكذلك
تضمن الدستور المصري الصادر في 1971ف وثيقة إعلان تضمنت المبادئ التي تنص عليها مقدمات الدساتير ، فنصت على أهداف النظام الأساسي الذي بينه الدستور وبرامج عامة تهدف الدولة إلي تحقيقها(3).
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ
1 ـ د عادل السعيد ،المرجع السابق ، ص 493 وما بعدها .
2 ـ د محمد عبيد القحطانى ، الضبط الإداري في الإمارات العربية المتحدة ، المرجع السابق ، ص348 وما بعدها .
3 ـ د عادل السعيد ، المرجع السابق ، ص494 ــــ د رمزي طه الشاعر ، دكتور عمر حلمي فهمي ، المرجع السابق ، ص 71 .
كما تضمنت مقدمة الإعلان الدستوري الليبي لسنة 1969ف النص على الحرية ، باعتبارها أحد الأهداف التي قامت من أجلها الثورة . أيضا جاء في مقدمة الوثيقة الخضراء الكبرى ( إن الشعب العربي الليبي ... مسترشداً بقول عمر بن الخطاب " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً " كأول إعلان في تاريخ البشرية للحرية وحقوق الإنسان ...)
2 ـ الاعتراف بالحريات العامة في إعلانات الحقوق :
قد تعلن المبادئ العامة للحقوق والحريات العامة في وثيقة مستقلة ، توضح فيها الدولة فلسفة المجتمع والأسس التي يجب أن تقوم عليها ، تسمى إعلانات الحقوق ، وتمثل تأكيداً للحرية في مواجهة الدولة ، ومن أشهر هذه الإعلانات إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي الصادر سنة 1789ف ، وقد تضمنت معظم الدساتير الفرنسية المتعاقبة في مقدمتها وصلبها النص على الحقوق والحريات الواردة فيه(1).
وفى ليبيا توجد الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير ، متضمنة كل الحقوق والحريات التي سبق لإعلانات الحقوق تناولها ، بالإضافة إلى العديد من الحقوق والحريات الجديدة وبفلسفة مغايرة ، ونظراً لعدم وجود وثيقة دستورية بالمفهوم الشكلي في ليبيا ، فإن هذه الوثيقة تعتبر ذات قيمة تسمو على كل القوانين ، وهى المرجع الأساسي للمشرع الليبي ـ المؤتمرات الشعبية الأساسية ـ في تنظيمه للحريات العامة والالتزام بما ورد فيها من مبادئ ، عملا بنص القانون رقم 5 لسنة 1991ف بشأن تطبيق مبادئ الوثيقة (2).
3 ـ الاعتراف بالحريات العامة في متن الدساتير :
يعتبر الدستور الوثيقة الرئيسية في الأنظمة الديمقراطية المعاصرة ، وله سمو وقدسية على سائر القواعد القانونية في الدولة ، فهو يتناول المبادئ العامة والفلسفة السياسية والاقتصادية التي يتعين على السلطات العامة في الدولة انتهاجها ، وهو المصدر الرئيسي والمباشر لقيام المؤسسات الدستورية وتحديد اختصاصها(3). ونظراً لأن الحرية تمثل أغلى القيم المرتبطة بالإنسان ، فمن الطبيعي أن يتم النص عليها في متن الدساتير ، وهو ما انتهجته معظم الدول في دساتيرها الوضعية .
ويرى الفقه ضرورة أن يكون التنظيم الدستوري للحريات هو الأساس ، حتى لا يترك أمر هذه الحريات تحت رحمة التشريع ، فكلما كــــــان الدستور شاملاً في تنظيمه للحريات كلما استقرت
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ
1 ـ د عادل السعيد ، المرجع السابق ، ص495 .
2 ـ تنص (م1) من القانون رقم 5 لسنة 1991ف بشان تطبيق مبادئ الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير على ( تعدل التشريعات المعمول بها قبل صدور الوثيقة ... بما يتفق ومبادئ هذه الوثيقة ...) الجريدة الرسمية ، العدد العشرون ن ، السنة التاسعة والعشرون ،المرجع السابق ، ص727 .
3 ـ د عادل السعيد ، المرجع السابق ، ص496 .
هذه الحريات وأصبحت مصانة مــن المساس بها أو انتقاصها(1) . والــرأي مستقر على أن تنظيم الحريات العامة يمثل مجالاً محجوزاً للمشرع ـ الشعب ـ على سبيل الانفراد والاستقلال ، فلا تشاركه في هذا المجال أي سلطة أخرى ، كما لا يجوز له النزول عنه أو التفويض فيه(2).
والمشرع له تنظيم الحريات العامة عندما ينص الدستور على ذلك ، فهناك حريات لا يمكن أن توضع موضع التنفيذ بمقتضى النص الدستوري وحده ، بل يتطلب الأمر ضرورة تدخل المشرع لتحقيق ذلك ، ولهذا فإن غالبية الدساتير تترك طريقة ممارسة الحريات وتنظيم ضماناتها للقانون العادي ، بشرط ألا يترتب على هذا التنظيم مخالفة القواعد العامة والمبادئ الأساسية المنصوص عليها في الدستور(3). وإذا كان النص الدستوري يعد أحدى الضمانات الجوهرية للحرية ، فإن إغفال النص عليها وإحالة تنظيمها للنص التشريعي لتحديد قواعد الضمان وحدود التنظيم لها ، فهذا لا يقلل من أهميتها لعدم إمكانية انفراد الدستور وحده بالنص على الحريات وضماناتها وقواعد تنظيم ممارستها لتعقد إجراءاتها وتنوعها ، والنص التشريعي العادي ضروري لاستبيان الحدود التي يقف عندها تنظيم الحرية ، وكذلك يفرض على السلطة احترام الحرية باعتبارها أسمى القيم القانونية(4).
ويتم النص في الدستور على نوعين من الحريات ، النوع الأول تكفله نصوص مطلقة ، وغير محال فيها إلى القانون ، و لا يجوز المساس بها حتى من جانب المشرع العادي ، أما النوع الثاني من الحريات فهو الذي يتم النص على تنظيمه بواسطة قانون يصدر عن السلطة التشريعية(5). ومثال النوع الأول ما نص عليه الدستور المصري بأن المصريين متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة (م40) ، وتكفل الدولة حرية العقيدة ...(م46)(6).
وجاء في الإعلان الدستوري الليبي المواطنون جميعا سواء أمام القانون(م5) والوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الأنسان أن ابناء المجتمع الجماهيرى متساوون رجالاًونساءً(م21).
أما الفئة الثانية فإن الدستور المصري قد نص في متنه على عدة حريات يجب تنظيمها من قبل المشرع ، منها للمساكن حرمة فلا يجوز دخولها ولا تفتيشها إلا بأمر قضائي مسبب وفقا لأحكام القانون (م44)(7).
وفي الوثيقة الخضراء أبناء المجتمع الجماهيرى احرار وقت السلم في التنقل والأقامة (م3) .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــ
1 ـ د محمد عبيد القحطانى ، الضبط الإداري في الإمارات العربية المتحدة ، المرجع السابق ، ص388 .
2 ـ د ثروت عبد العال ، المرجع السابق ، ص112 .
3 ـ د محمد عبيد القحطانى ، الضبط الإداري في الإمارات العربية المتحدة ، المرجع السابق ، ص388 .
4 ـ منيب ربيع ، المرجع السابق ، ص 332 .
5 ـ د محمد صلاح عبد البديع السيد ، المرجع السابق ، ص60 .
6 ـ النشرة التشريعية لسنة 1971ف ، المرجع السابق ، 3067 وما بعدها .
7 ـ المرجع السابق ، ص3068 وما بعدها .

الفرع الثــــــــــاني
القيمة القانونية للنص على الحريات العامة في الدستور
تحرص النظم السياسية المعاصرة على أن يتم النص على الحريات العامة في متن الدساتير ، وهو الأسلوب الشائع حالياً ومعظم الدول أصبحت تدرج الحريات في متن دساتيرها منذ صدور إعلانات الحقوق ، الأمر الذي أكسبها حماية قانونية يعبر عنها بالحماية الدستورية للحريات ، وهو ما يعني عدم جواز تعديل هذه النصوص بالتغيير أو الانتقاص منها ، إلا وفقاً لقواعد وإجراءات ينص عليها الدستور نفسه ، ويترتب على هذه الحماية أثرها في تقييد سلطة المشرع من خلال الرقابة الدستورية ، وذلك بمراقبة التشريعات الصادرة في شأن الحريات العامة ، وإلغاء التشريعات التي تصدر بإهدار أو مصادرة الحريات ، فتقييد الحريات العامة من قبل السلطة التشريعية هو أشد وطأة وخطراً من تقييدها من قبل السلطة التنفيذية ، نظراً لِكون هذا العدوان في صورة تشريعية .
وقد أكد القضاء الإداري المصري حرصه على صيانة الحقوق والحريات العامة ، حيث ورد في حكم له بأن ( الحرية لا تقيد إلا بتشريع ، فتكون معصومة لا سلطان للمشرع عليها إلا إذا أجاز الدستور ذلك ، وفى هذه الحالة يجب أن تكون القيود الواردة عليها قيوداً تقررها القوانين)(1).
وأثناء الظروف الاستثنائية تفرض قيوداً على الحقوق والحريات العامة ، بهدف المحافظة على النظام العام ، مع ما يستتبعه ذلك من اعتداء وعصف بالحريات العامة ، ومع ذلك فإنه لا يمكن تجريد الحماية الدستورية للحريات العامة من قيمتها القانونية ، بدعوى أن المشرع قد يحد منها أو أن السلطة التنفيذية تستهدف غايات سياسية متذرعة بفكرة الظروف الاستثنائية ، فإن هذه الرقابة تساهم إلي حد كبير في التخفيف من وطأة التعدي على الحريات العامة باعتبار أن الظروف الاستثنائية لا تستغرق كل حياة الشعوب(2).
ولهذا لا تقوم الإدارة بتنظيم الحرية ، فهذا المجال محجوز للمشرع ، وأية حرية أجاز المشرع تنظيمها بقانون ولم تنظم تكون ممارستها مطلقة إلى حين صدور قانون ينظمها .

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ
1 ـ د طارق الجيار ، المرجع السابق ، ص280 .
2 ـ د محمد عبيد القحطانى ، الضبط الإداري في الإمارات العربية المتحدة ، المرجع السابق ، ص390 ــــ أيضا د عادل السعيد ، المرجع السابق ، ص498 وما بعدها .

الفرع الثــــــــــالث
النتائج المترتبة على إيراد الحريات دستوريا
عرفنا أن للحريات العامة عدة تقسيمات ، وأن الدستور قد اشتمل كل هذه الحريات بالنص عليها في متنه ، وأضفى عليها قيمة قانونية ملزمة شأن باقي نصوص الدستور ، وهذه النصوص المتعلقة بالحريات العامة تكون قابلة للتنفيذ دون حاجة لتدخل المشرع لتنظيمها ، ومثالها حق المساواة ، وحرية العقيدة ، وحق المواطن في عدم جواز إبعاده عن وطنه ، فهي وإن كانت لا تستجيب لتدخل المشرع العادي ، فمن باب أولى عدم قبولها لتدخل سلطات الضبط الإداري بغية تقييدها والحد منها ، وهناك حريات أخرى تستوجب تدخل المشرع العادي لتنظيم ممارستها ، نظراً لما يتطلبه تنفيذها من قيام الدولة بنشاط ايجابي توفر بمقتضاه الوسائل المادية لممارستها(1).
وقد تضمن الدستور المصري في متنه بعض الحريات غير القابلة للتنظيم من قبل المشرع العادي ، كحرية المساواة (م40) ، وإبعاد المواطن عن بلده (م51). في حين أن هناك العديد من النصوص الدستورية المنظمة للحرية أشارت إلى اختصاص المشرع العادي بتنظيمها ، ومنها للمواطنين حق الهجرة الدائمة أو المؤقتة إلى الخارج وينظم القانون هذا الحق ...(م52) وللمواطنين حق الاجتماع في هدوء.... في حدود القانون (م54)(2) وغيرها .
وفى ليبيا فأن الإعلان الدستوري نص على المواطنين سواء أمام القانون (م5) (3) ، ووردت عدة بنود بالوثيقة الخضراء الكبرى لحقــوق الإنسان ، تكون قابلة للتنفيذ دون تدخل المشرع العادي ، مثل الاحتكام إلى شريعة مقدسة (بند10) والحق في المساواة (بند21) (4). ، وفى قانون تعزيز الحرية رقم 20 لسنة 1991ف المواطنون في الجماهيرية العظمى ـ ذكوراً وإناثاً ـ أحرار متساوون في الحقوق ، لا يجوز المساس بحقوقهم (م1).
وهناك نصوص أخرى تتطلب التدخل من المشرع لتنظيمها مثل ، سرية المراسلات مكفولة ، فلا يجوز مراقبتها إلا في أحوال ضيقة تقتضيها ضرورات أمن المجتمع ، وبعد الحصول على إذن بذلك من جهة قضائية (م15) (5).
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ
1 ـ د محمد عبيد القحطانى ، الضبط الإداري في الإمارات العربية المتحدة ، المرجع السابق ، ص393وما بعدها .
2 ـ النشرة التشريعية لسنة 1971ف ، المرج السابق ، 3067 وما بعدها .
3 ـ الجريدة الرسمية ، عدد خاص ، السنة السابعة ، المرجع السابق ، ص4 وما بعدها .
4 ـ الجريدة الرسمية ، عدد خاص ، السنة السادسة والعشرون ، المرجع السابق ، ص 12 وما بعدها .
5 ـ الجريدة الرسمية ، العدد الثانى والعشرون ، السنة التاسعة والعشرون ، المرجع السابق ، ص726ومابعدها .


المطلب الثــــــــاني
التنظيم التشريعي للحريــــــــات
لقد درجت معظم النظم السياسية في العالم على أن المكان الطبيعي للحريات العامة هو في متن الدساتير ، إلا أن الدستور لا يتسع لتفصيلات تنظيم الحريات العامة ، وبذلك قد يعهد الدستور بهذه المهمة إلى المشرع العادي عن طريق إصداره لقوانين تنظم ممارسة هذه الحريات ، على أن لا يترتب على هذا التنظيم مخالفة المبادئ الأساسية المنصوص عليها في الدستور ، وأن يكون هذا التنظيم قاصراً على التنظيم المباح واللازم للممارسة الصحيحة من جانب الأفراد ، دون أن يصل الأمر إلى حد وضع قيود تعسفية تؤدي إلى الانتقاص من الحريات العامة(1).
واختصاص الإدارة في هذا المجال هو تنفيذ القوانين ووضعها موضع التنفيذ وعدم مخالفتها ، مع الأخذ في الاعتبار أن الحرية هي الأصل وتقييدها يكون لأمر عارض ، وضرورة ملحة تحقيقا لغايات الصالح العام .
وندرس التنظيم التشريعي للحريات العامة في ثلاثة فروع ، نخصص الأول للتشريع وكفالته للحريات ، والثاني لسلطة تنظيم الحريات ، والثالث لحدود التنظيم التشريعي للحريات .
الفــــــرع الأول
التشريع وكفــــالته للحريـــات
إن تنظيم بعض الحريات يجب أن يكون بقانون وفق ما نص عليه الدستور ، وتلتزم كافة سلطات الدولة باحترامه ، ولا يجوز لأي منها أن تفرض على الأفراد قيوداً ليس لها أي سند في القانون . وتعزى أهمية التنظيم التشريعي للحريات العامة إلى عدة اعتبارات ، جعلت من التشريع خير وسيلة لحماية الحرية وتتمثل في(2):ـ
1 ـ عملية إصدار القانون : حيث إنها تمر بمراحل عديدة وإجراءات شكلية ، وتصاحبها مناقشات واسعة تدور في جو من العلانية ، تسمح برقابة الرأي العام على أعمال السلطة التشريعية ، الأمر الذي يجعلها تنطوي على ضمانات فعالة للحريات العامة تقلل من فرص التحيف عليها أو الانتقاص منها .
2 ـ عمومية التشريع : نظراً لأن التشريع يقرر قواعد موضوعية توضع مقدماً ولا تواجه حالات معينة بذاتها ولا أفراداً معينين بذواتهم ، فأن هذا التشريع يتصف العمومية ويطبق على
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
1 ـ د عادل السعيد ، المرجع السابق ، ص 502 .
2 ـ د ثروت عبد العال ، المرجع السابق ، ص110وما بعدها .
كافة الحالات وعلى كل الأشخاص الذين تتوافر فيهم شروط تطبيقها .
3 ـ عدم رجعية القوانين : وهو ما يعنى بأن القانون لا يطبق على الوقائع التي حدثت في الماضي ، بل يكون تطبيقه على الوقائع اللاحقة على تاريخ صدوره ، وقاعدة عدم رجعية القوانين تفرض نفسها على سلطة المشرع ، كأصل تقتضيه طبيعة الأشياء وتفرضه اعتبارات المنطق وقواعد العدالة ، لما تؤدى إليه من كفالة حقوق وحريات الأفراد وتوفير الأمن والاستقرار في المجتمع . وتحرص معظم الدول على هذا المبدأ لأهميته في حماية واحترام الحريات العامة . فالدستور المصري نص على لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون ... ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون (م66)(1).
الفــــرع الثــــاني
سلطــة تنظيم الحريـــات العامة
إن تنظيم الحريات العامة يعتبر مجالا ًمحجوزاً للمشرع ، فهو وحده المختص بتنظيمه ، فالتشريع الصادر عن الإرادة العامة وتحت رقابة الرأي العام هو أقدر على تحقيق التوازن بين الحريات في إطار من النظام العام(2).
وكما سبقت الإشارة فإن هناك حريات تكون مهمة تنظيم ممارستها من اختصاص المشرع العادي ، حيث يشير الدستور في متنه إلى الحرية وينص على ضرورة تنظيمها بقانون ، ففي فرنسا يختص البرلمان بوضع القيود التي ترد على ممارسة الحريات بشرط عدم المساس بالحريات الأصلية التي قررها الدستور للأفراد ، ويختص المجلس الدستوري بالفصل في المنازعات التي قد تثار بين الحكومة والبرلمان بصدد اختصاصاتهما التشريعية ، كما إن لمجلس الدولة الفرنسي دوراً هاماً في صيانة حقوق الإفراد وضماناتهم الأساسية في ممارسة الحريات العامة باعتباره حامي المشروعية ضد اعتداءات جهة الإدارة ، فقد ألغي أمراً تفويضيا أصدرته الحكومة يجيز لها عن طريق المراسيم تعديل بعض قواعد حالة العاملين بمرفق البوليس(3).
وفى مصر أيضا يطبق مبدأ اختصاص المشرع بتنظيم الحريات العامة ، حيث يتولى مجلس الشعب المصري إصدار القوانين التي تنظم الحريات حسب ما أشار إليه الدستور في العديد من مواده . كحرية الراى والتعبير (م47) ، وحق الاجتماع (م54)(4).
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ
1 ـ النشرة التشريعية لسنة 1971ف ، المرج السابق ، 3072 وما بعدها . .
2 ـ د محمد عبيد القحطانى ، الضبط الإداري في الإمارات العربية المتحدة ، المرجع السابق ، ص402 .
3 ـ د عادل السعيد ، المرجع السابق ، ص 507 .
4 ـ النشرة التشريعية لسنة 1971ف ، المرج السابق ، 3068 وما بعدها ..
وأيد القضاء بدوره هذا الاتجاه المنظم للحريات من قبل السلطة التشريعية ، حيث قضت محكمة القضاء الإداري بقولها (أن الحريات العامة في مصر، إذ أجاز الدستور تقييدها ، لا تقيد إلا بتشريع ، وهذا هو المبدأ الذي انعقد عليه إجماع رجال الفقه الدستوري ، فقد قرروا أن "ضمانات الحقوق" هي نصوص دستورية تكفل لأبناء البلاد تمتعهم بحقوقهم الفردية ، وهى تسمو إلى مرتبة القوانين الدستورية ، فتكون معصومة لا سلطان للمشرع عليها إلا إذا أجاز الدستور تنظيمها بنص خاص ، وفي هذه الحالة يتعين أن تكون القيود التي ترد عليها قيوداً تقررها القوانين)(1)
وفى ليبيا تمر عملية إصدار مختلف القوانين بعدة مراحل ، حيث إنها تقترح من قبل المؤتمرات الشعبية الأساسية أو اللجنة الشعبية العامة ، وتقوم المؤتمرات الشعبية الأساسية بمناقشتها وصياغتها ، ثم تجمع كل الصياغات بمؤتمر الشعب العام ليتم إصدار القانون .

الفرع الثالث
حدود التنظيم التشريعي للحريات
إن الدستور عند تنظيمه للحريات العامة قد يفرض قيوداً معينة على الحريات ، فيجب على المشرع العادي مراعاتها واحترامها ، وإلا اعتبر القانون معيباً لمخالفته للدستور ، أما عند عدم فرضه لأية قيود ، فإن المشرع أمامه قيد واحد وهو عدم إلغاء أو سلب الحرية ، والدستور عندما يخول المشرع حق تنظيم حرية من الحريات دون فرض قيود معينة ، فإن المشرع يملك سلطة واسعة في تنظيم الحرية وتقييدها ، والمشرع من مهامه تنظيم نصوص القانون وبخاصة تلك المتصلة بالحريات ، ويستوجب أن يتوافر في التشريع المنظم للحرية والضابط لحدودها عدة شروط ، تهدف أساساً إلى تحديد إطار العمل وإطار الممارسة لكل من السلطة والفرد وهي(2):
1 ـ أن يقوم التشريع المنظم للحرية على أسس من دعم الحرية وكفالتها .
باعتبار إن التشريع هو المصدر الرئيسي لتنظيم الحريات ، فهو يهدف إلى تحديد إطار العمل وإطار الممارسة لكل من السلطة والفرد ، وذلك بإيضاح كافة جوانب التحديد اللازم لبيان ماهية الحرية ووسيلة تنظيمها والضمانات المقررة لها ، وحتى يحقق التشريع تنظيم الحرية ويكون
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ
1 ـ حكم محكمة القضاء الإدارى في القضية رقم 587 لسنة 5 ق بتاريخ 26 .5 .1951ف ، مجموعة مجلس الدولة لأحكام القضاء الإداري ، السنة الخامسة ، ص1099 ، بند357 .
2 ـ د عادل السعيد ، المرجع السابق ، ص510 .

أميناً في هذا المجال يجب أن يقوم في أسبابه وأسسه على دعم الحرية لا الحد منها أو القضاء عليها ، بحيث يصبح تنظيم الحرية هو الكافل لممارستها .
فالمشرع يجب أن يتجه إلى فرض وإقرار ضمان الحرية اتجاه السلطة ـ سلطة الضبط ـ واتجاه الإفراد ، ذلك أن المشرع وهو يقوم بوضع القانون يجب أن يتجه إلى تدعيم وجود الحرية والتقليل من استغلال سلطات الضبط للثغرات التشريعية ، ويحمي الفرد من تسلط أجهزتها ، فإذا لم يحقق ذلك أصبح لا جدوى في تشريعه للحريات . كما إن للمشرع أن يصبغ على الحرية
القوة التي تتمتع بها النصوص الدستورية المنظمة لها ، ويراعي المشرع عند صياغته القيود
المتعلقة بالحريات العامة ، وكذلك يجب أن ينص التشريع على كفالة حق المواطنين في الالتجاء إلى جهات الإدارة سواء بالشكوى أو التظلم من الإجراءات الخارجة عن مقتضى أحكام القانون الضبطي .
2 ـ أن يكون التشريع المنظم للحرية مقرراً لضماناتها .
يجب أن يكون التشريع المنظم للحرية كافلاً لها ، بحيث يتم ردع أي اعتداء أو انتهاك لها ، ويتحقق ذلك عند توافر الآتي :
· يجب أن يكون التشريع المنظم للحرية متفقاً وأحكام الشرعية .
بحيث يكون صادراً عن سلطة خولها الدستور ذلك ، وأيضا يجب أن تكون هذه التشريعات مستمدة من مصادرها المعترف بها ، ومتفقة مع المبادئ العليا التي تعارف عليها المجتمع .
· أن يكفل التشريع المنظم للحرية حق التقاضي .
يجب النص في الدستور والتشريعات المنظمة للحرية على حق التقاضي ، لأنه يعتبر أحد مصادر الوصول إلى الحق في حالة الاعتداء عليه ، فإذا قيد هذا الحق ضاع القانون من أساسه وضاعت الحرية تبعاً له .
· أن ينص التشريع المنظم للحرية على الجزاءات اللازمة في حالة مخالفة نصوصه .
أن يتضمن القانون نصوصاً يقصد بها تعريف القائم بالإجراء الماس بالحرية المسؤولية من نتائج الخروج عن القواعد المحددة بالنص ، فالتهديد بالجزاءات عند مخالفة الإجراء يمكن أن يؤدي إلى زيادة الاهتمام باتباع الضمانات المقررة بشأن حماية الحرية .





المطلب الثالث
الإدارة وسلطتها في مجال تنظيم الحريـات العامة
بما أن المشرع هو المناط به أمر تنظيم الحريات العامة ، وهو أيضا المختص بتحديد المجال الذي تتم فيه ممارسة الحقوق والحريـــات ، ونظراً لأن الإدارة مكلفــة بمهـــام المحافظة على النظــام العــــام ، فإن الأمر يستلزم منحها سلطات تمكنها مــن القيـام بوظائفها والتي تختلف في الظروف العاديـــة عنها في الظروف الاستثنائية . ونبحث ذلك في فـــرعين ، الأول سلطة الإدارة في الظروف العادية ، والثاني سلطة الإدارة في الظروف غير العادية.
الفــرع الأول
سلطة الإدارة في الظروف العادية
للإدارة بما لها من سلطة عامة في كفالة حسن سير النظام العام أن تتدخل في مجال أي حرية من الحريات ، إلا إن سلطتها في مواجهة الحريات تختلف عند وجود نصوص تشريعية أو عدم وجودها .
أولاً ـ حالة وجود نصوص تشريعية :
في هذه الحالــة تلتزم جهة الإدارة بما تقتضيه هــذه النصوص الخاصة بتنظيم ممارسة الحريــة ، وتكون كل إجراءاتها في حدود هذه القيود وعدم تجاوزها ، حتى لا توصف إجراءاتها بإساءة استعمال السلطة .
فالإدارة تتقيد بما ورد في النص القانوني من حيث الغرض المستهدف منه ، فإذا جاء القانون صريحاً في بيان الغرض المستهدف التزمت الإدارة في تطبيقها للقانون بذلك الغرض ، وكل مجاوزة أو انحراف عنه يعرض قرارها للإبطال ، وهناك حالات قد لا ينص القانون على الغرض الذي يستهدفه المشرع من إصداره ، وهذا لا يعني أن السلطة التي تكون لجهة الإدارة سلطة مطلقة ، لأن نشاط الإدارة دائما يخضع لفكرة الصالح العام ، كما أن النصوص الدستورية المنظمة للحريـــات العامــة توسع سلطات الإدارة في مواجهة حريــة مــن الحريــات ، مع تخويل الأفراد ضمانات مقابلة لهذا التوسع ، وبالتالي تكون سلطة الإدارة مقيدة بمراعاة الضمانات المقررة(1).
ثانياً ـ حالة عدم وجود نصوص تشريعية :
تختلف سلطة الإدارة في تقييدها للحريـات العامـة تبعـــاً للظروف الزمانيـة والمكانيـة المحيطـة بالحرية ، من حيث كون القيد الـوارد على الحريـة مؤقتاً أو دائماً ، فإذا كــــان دائماً
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
1 ـ د نعيم عطيه ، المرجع السابق ، ص192ومابعدها .
فيجب أن يكون أخف وطأة على الحرية مما يكون عليه متى كان المقصود به أن يكون مؤقتاً ، كما تختلف القيود الواردة على ممارسة الحرية شدة تبعاً لمكان ممارسة الحرية ، إن كانت الحرية تمارس في الطريق العام أو في محل عام ، أو تمارس في محل خاص ، ولهذا تميل سلطات الإدارة إلى الاتساع إزاء تصرفات الأفراد على الأملاك العامة كالطريق العام والميادين والمنتزهات ، وتضيق في الأملاك الخاصة(1).
وهناك عدة قواعد يتحقق من خلالها ضمان ممارسة الحرية وعدم تضييقها إلا في أضيق نطاق وتتمثل هذه القواعد في(2) :
1 ـ إن سلطة الضبط في تنظيمها للحرية لا تعني مصادرتها أو إطلاق يدها في تنظيمها إلى حد التحريم المطلق ، لأن تحريم ممارسة الحرية من اختصاص السلطة التشريعية ، وليس للسلطة التنفيذية سوى تقييد ممارستها لتحقيق الهدف ، وهو المحافظة على النظام العام وإعادته إلى ما كان عليه إذا حدث به خلل ، فالإدارة لا تملك تعطيل ممارسة الحرية إلا في حالة عدم وجود وسيلة أخرى لضمان النظام ، ويكون ذلك الإجراء بصورة مؤقتة ، فسلطة الإدارة تنظيمية وليست تحريمية . وعليه فإن هدف الإدارة ليس كيف تحافظ على النظام العام ؟ بل كيف تسمح بممارسة الحرية به دون أن يتهدد النظام العام ؟ فالإدارة يجب عليها أن تحافظ على النظام العام والحرية معا ، وما المحافظة على النظام العام إلا وسيلة للمحافظة على ممارسة الحرية .
2 ـ حرية الأفراد في اختيار وسيلة المحافظة على النظام العام وأسلوب ممارسة الحرية .
أي إنه على سلطة الضبط أن تعطي الحرية للأفراد طالما أنه ليس هناك خطر ، ولها أن تحدد ماهية الاضطراب وحدوده ، وعلى الأفراد ممارسة حرياتهم خارج هذا النظام .
3ـ وجوب التناسب بين احتمال الاضطراب وتقييد الحرية . بحيث يكون الإجراء المتخذ من جانب الإدارة متناسب مع مدى الإخلال المحتمل بالنظام العام ، وبما لا يتعدى هذا الإخلال وإعادته إلى حالته قبل الإخلال به .
وفى هذا الخصوص جــاء في حكم للمحكمة الإدارية العليا انه (لئن كان الأصل أنه لا يجوز للقرار الإداري أن يعطل تنفيذ حكـم قضائي ، وإلا كــان مخالفاً للقانون ، إلا أنه إذا كان يترتب على تنفيذه فوراً إخــلال خطير بالصالح العـــام ، فإنه يتعطل تنفيذه تفضيلاً لهذا الصالح العام على الصالح الخاص ، ولكن بمراعاة أن تقدر الضرورة بقدرها ، وان يعوض صاحب الشأن إذا كان له مقتضى )(3).
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ
1 ـ نفس المرجع السابق ، ص193ومابعدها (الهامش) .
2 ـ منيب ربيع ، المرجع السابق ، ص267 وما بعدها ـــ د نعيم عطبه ، المرجع السابق ، ص194 وما بعدها .
3 ـ قضية رقم 724/ 3ق بتاريخ 10 .4 . 1959ف ، مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة الإدارية العليا ، السنة الرابعة ، ص533 ، بند42 ، أشار أليه منيب ربيع ، المرجع السابق ، ص269 .
الفرع الثاني
سلطة الإدارة في الظروف الاستثنائية
يختلف وضع الحرية في الظروف العادية عنه في حالة الظروف الاستثنائية ، فقد تمر الدولة بظروف استثنائية غير متوقعة ، كالحروب أو وقوع اضطرابات داخلية أو حدوث كوارث طبيعية وغيرها ، وهذه الظروف تتسم بالفجائية وتختص بالخطورة وعدم الاستمرار .
وهذه الظروف تطرأ على الدولة فتحدث خللاً في نظامها واستقرارها وأمنها ، وتكون أمام اعتبارين يجب مراعاتهما وهما(1):
1 ـ إن حياة الدولة وسلامتها تعلو على ما سواها من اعتبارات وتضعف أمام هذه السلامة حريات الأفراد ، ومن ثم تسخر كافة الإجراءات للعمل على عودة الأمور إلى طبيعتها والنظام إلى وضعه العادي .
2 ـ يجب أن تكون الإجراءات منبثقة من نصوص الدستور والقوانين المنظمة لهذه الحالات الطارئة ، لأنها متوقعة في حياة كل دولة .
وفى هذا قضت المحكمة الإدارية العليا بأن ( النصوص التشريعية إنما وضعت لتحكم الظروف العادية ، فإذا طرأت ظروف استثنائية ثم أجبرت الإدارة على تطبيق النصوص العادية فإن ذلك يؤدي حتما إلى نتائج غير مستساغة تتعارض حتى ونية واضعي تلك النصوص العادية ، فالقوانين تنص على الإجراءات التي تتخذ في الأحوال العادية وما دام أنه لا يوجد فيها نص على ما يجب إجراؤه في حالة الخطر العاجل تعين عندئذ تمكين السلطة الإدارية من اتخاذ الإجراءات العاجلة التي لم تعمل لغاية سوى المصلحة العامة دون غيرها ... فعناية مبدأ المشروعية يتطلب أولاً وقبل كل شيء العمل على بقاء الدولة الأمر الذي يستتبع تخويل الحكومة استثناء وفى حالة الضرورة من السلطات ما يسمح لها باتخاذ الإجراءات التي يتطلبها الموقف ولو خالفت في ذلك القانون في مدلوله اللفظي مادامت تبغي الصالح العام ...)(2).
والمشرع الدستوري في معظم الدول يقوم بوضع النصوص التي تخول الإدارة اتخاذ إجراءات في حالة قيام هذه الظروف الاستثنائية ، والتي للإدارة تقييد الحريات العامة بموجب هذه النصوص والقوانين المتضمنة ذلك ـ كقانون الطوارئ وقانون التعبئة.
ويهدف نظام حالة الطوارئ إلى منح السلطات التنفيذية سلطات استثنائية خاصة ، تحد بها من الحريات العامة حتى تستطيع مجابهة الظروف الطارئة بهدف حماية النظام العام ، وفى ظل ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ
1 ـ انظر ، منيب ربيع ، المرجع السابق ، ص245 وما بعدها .
2 ـ القضيتان رقما 956 و958 لستة 5 ق ، بتاريخ 14 .4 .1962ف ، مجموعة المبادئ القانونية التي قررتهاالمحكمة الإدارية العليا ، السنة السابعة ، العدد الثاني ، ص601 ، بند61 .
نظام حالة الطوارئ يقوم نظام قانوني استثنائي تضيق في ظله الحريات العامـــة وكذلك الضمانات الدستورية المقررة لهــا ، وتمنح السلطة القائمة على حالة الطوارئ سلطات استثنائية لا تملك ممارستها أثناء الظروف العادية ، فيكون لهذه السلطات تعطيل حكم القانون مؤقتاً والتغول على الحريات العامة بالقدر الذي يجيزه قانون الطوارئ وبالحد الذي يكون لازماً لمواجهة الضرورة(1).
وفى كل الأحوال فإنه لا يمكن تعطيل الحريات العامة أو فرض قيود عليها ، إلا في النطاق المحدد واللازم بالضرورة لحفظ النظام العام ومواجهة أخطار الإخلال به وإعادته إلى ما كان عليه .
وبهذا انتهت دراسة الفصل الأول والذي خصص للحريات العامة ، من حيث ماهيتها وطبيعتها والتطور التاريخي لها ، ثم الحماية الدستورية والقانونية المقررة لها ، وننتقل لدراسة الفصل الثاني المتعلق بالضبط الإداري .















ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 ـ د محمد صلاح عبد البديع ، المرجع السابق ، ص70 .
v shgm lh[sjdv (hgpvdhj hguhlm ,p],] h[vhxhj hgqf' hgh]hvn)hgfhpe hfvhidl shgl hghoqv > havht ] uha,v a,hdg
  • الاستاذ غير متواجد حالياً
  • رد مع اقتباس
إضافة رد

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مذكرة تخرج ليسانس بعنوان: اجراءات تنفيذ عمليات الميزانية الاستاذ مذكرات تخرج و رسائل جامعية في العلوم الاقتصادية 3 11-08-2015 10:48 AM
تاريخ ايداع ملفات مسابقات ماجستير الاقتصاد بجامعة الجزائر دالي ابراهيم الاستاذ مذكرات تخرج و رسائل جامعية في العلوم الاقتصادية 0 12-28-2013 10:16 AM
اسئلة مسابقات ماجستير جامعة عنابة في الاقتصاد الجزائري والمالية العامة الاستاذ مذكرات تخرج و رسائل جامعية في العلوم الاقتصادية 0 12-28-2013 10:09 AM
تجميعية دروس واسئلة ماجستير في المالية العامة والاسواق المالية والاقتصاد الكلي الاستاذ مذكرات تخرج و رسائل جامعية في العلوم الاقتصادية 0 12-28-2013 10:08 AM
بحث حول الضبط الاداري الاستاذ العلوم القانونية و الادارية 0 11-13-2013 03:05 PM


الساعة الآن 08:12 AM


.Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
منتدى الشروق الجزائري