من عظماء الأمة

من عظماء الأمة

الإمام مالك بن انس

 

 

ترجمة الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه

بشارة النبي صلى الله عليه و سلم به

ميلاده ونسبه و نشأته و طلبه للعلم

تفوقه العلمي وجلوسه للفتيا

ورعه وتخوّفه من الفتوى

الأجواء التي كانت سائدة في عصره وعلاقته بالخلفاء

عِلم الإمام مالك و أقوال بعض العلماء فيه

أهم مؤلفاته: الموطأ

منهجه العلمي

أصوله الاجتهادية

قاعدة : إن النص يُهَمِنُ على العُرف ولا يهيمن العرف على النص.

أسباب انتشار مذهب الإمام مالك

من أقواله

 

بشارة النبي صلى الله عليه و سلم به :عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ” يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة “، أخرجه الترمذي وهو حديث حسن صحيح. قال العلماء: وعالم المدينة هو مالك بن أنس وهو الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم.

 

ميلاده ونسبه و نشأته و طلبه للعلم: ولد مالك بن أنس عام 93 هجري و توفي عام 179 للهجرة. ولد في المدينة المنورة من أسرة أصلها من اليمن و كانت أسرته هذه أسرة علم، والده أنس كان عالماً و اسم جده مالك أبو عامر الأصبحي و كان مُحَدِّثاَ وراوياً سمع الحديث من أبي بكر وعمر وعثمان وكثير من الصحابة رضي الله عنهم. ولقد روى مالك الحديث عن أبيه وجده. ويروى أنه ذات ليلة وقد اجتمع أفراد أسرة مالك على عادتهم متحلقين حول الأب يسرد عليهم بعض وقائع أيامه وأحداثه، سأل الوالد أبناءه سؤالاً في الدين فأجابوه جميعاً إجابات سليمة صحيحة عدا مالك الذي عجز وتلجلج و كان في العاشرة من عمره قد حفظ القرآن الكريم وشيئاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنَّ عقله في مثل سنه لم يكن ليسمح له بالفهم والعلم ن فعجز عن الجواب فعنَّفه أبوه أنس ووبخه ونهره لانشغاله باللعب عن طلب العلم. وانفجر مالك بالبكاء و هو يأوي إلى صدر أمه، فضمَّته إليها وعانقته ولاطفته وخففت عنه ما به من حزن و ألم و في اليوم التالي شدَّت على رأسه عمامة جديدة وضمَّخته بأطيب العطر وأشارت عليه بإتيان مسجد الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم والجلوس إلى حلقات العلم المنتشرة هناك ودعت له بالخير وبالتفقه والفهم والحفظ . ومنذ ذلك اليوم لازمته عادة الاستحمام والتطيب كلما أتى مجلس العلم سواء كان متعلماً أو معلماً فيكون في أحسن سمت وأكمل مظهر وأرقى صورة، و دخل مالك بوابة العلم الكبرى ولم يغادرها حتى توفاه الله تعالى. و كان يجد نفسه بحاجة إلى مزيد علم، فقد كان يهمه أحياناً أمر علمي أو مسألة فبعد أن تنفضّ الحلقات ويأوي الشيوخ إلى دورهم فلا يجد مالك صبراً إلى الغد كي يسأل و يفهم لذا راح يسعى إلى الشيوخ في بيوتهم و مساكنهم وقد ينتظر أحدهم في الطريق الساعات الطوال ما يجد فيها ظل شجرة تقيه حرارة الشمس حتى إذا ما رآه يدخل داره ينتظر لحظات ثم يقرع الباب وكان في بعض الأحيان يحمل معه تمراً يهديه لجارية الفقيه لتمكِّنه من الدخول على العالم.

وتعلق بالعلم تعلقاَ جاداَ فلزم عبد الرحمن بن هرمز و هو عالم من أجلِّ علماء المدينة سبع سنوات لم يتخلَّف فيها إلى غيره وكان يأخذ عنه المسائل الإجتهادية وقضايا الفقه وكان بن هرمز مشهوراَ بقوة عارضته ودلائل الحق ويقول الإمام مالك عن نفسه أنه اتخذ لنفسه ما يشبه الطرّاحة الصغيرة، كان يأخذها معه فيجلس على صخرة أمام دار ابن هرمز و لم يكن يطرق بابه خوفاَ من أن يزعجه منتظراَ خروج الإمام يعني ابن هرمز إلى الصلاة، فإذا خرج اتبعه وذهب معه إلى المسجد.

ثم بدأ يأخذ عن نافع مولى ( أي خادم ) عبد الله ابن عمر وكان من أحفظ علماء الحديث، كان حافظاَ وكان فقيهاَ، أخذ الفقه والحديث عن ابن عمر.

ثم أخذ مالك أيضاَ عن الزهري وكان يلازمه كما لازم ابن هرمز وكان يسير معه من بيته إلى المسجد. يقول الإمام مالك عن نفسه: كنت أخرج من وقت الظهيرة وليس للأشياء ظل أتيمم درساَ عند الزهري.

أخذ مالك الحديث عن الزهري مع قلة من إخوانه ويقال إن الزهري حدَّثه في يوم من الأيام نيفاَ وأربعين حديثاَ له ولبعض زملائه، فلما عادوا في اليوم التالي قال الزهري أستحضرتم كتاباَ لتسجلوا ما أُملي عليكم خيفة أن تنسوها؟

فقال قائل منهم ينبؤك عنها هذا الشاب الأشقر ( أي الإمام مالك )، فسأله الزهري فتلى عليه منها أربعين حديثاَ مع أسانيدها فقال الزهري: والله ظننتُ أنَّ أحداً يأتيها غيري (أي لا يحفظها).

وكان الإمام مالك إذا جلس لتلقي الحديث يسجل الحديث وهو جالس ولما سُئِلَ هل أخذتَ من عمرو بن دينار قال لم آخذ وذلك لأني ذهبتُ إلى مجلسه فرأيته يُحَدِّث والناس حوله واقفين يكتبون عنه فلم أحب أن أكتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قائم لأنه كان يرى في هذا منقصة لحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم.

و تلقى الإمام مالك الفقه عن شيخه الكبير ربيعه الذي كان يُلَقَّب ” بربيعة الرأي ” مع أنه كان من علماء أهل المدينة.

 

تفوقه العلمي وجلوسه للفتيا : تفوَّقت مكانة مالك العلمية على كل أرباب الحلقات في المسجد النبوي وعرف له الجميع هذه المكانة سواء كانوا من شيوخه السابقين أو من العلماء الذين عاصروه. جلس الإمام مالك للفتيا وكان عمره 25 سنة تقريباَ على أصحّ الروايات ويقول عن نفسه: لم أجلس للفتيا حتى أمرني بالفتيا قرابة سبعين عالماَ، وأصبح رأيه في أية قضية تُعرض أو فتواه فيها مقدَّماً على غيره مما جعل أصحاب الفتيا يتوقفون حتى قيل من غير حرج: لا يُفتى ومالك في المدينة! …

ومما اشتهر به مالك أنه كان يقول لجاريته إذا جاء الناس إلى بابه ليسمعوا العلم أن تسألهم: هل جئتم لسماع الحديث أم ابتغاء المسائل؟ فإن قالوا جئنا للمسائل خرج إليهم وسمع منهم و أفتاهم وإن قالوا جئنا لنسمع الحديث قالت الجارية تريثوا قليلاَ فتُدخلهم إلى الدار ويدخل مالك فيغتسل ويلبس أحسن ثيابه وتحديداَ البياض من الثياب ويتطيَّب ثم يدخل عليهم ليروي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان يبكي إذا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عاش مالك في المدينة المنورة ولم يبارحها (بخلاف كثير من العلماء) إلى أي جهة أخرى ليأخذ العلم من العلماء إذ إن المدينة هي دار هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وكان العلماء هم الذين يرحلون إليها من جميع أنحاء العالم إما للحج أو الزيارة أو مجالسة علماء المدينة. فكان أطيب الطِّيب عند مالك ما يفوح وينتشر من قبر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وأرقّ النسيم ما يهبُّ حاملاً ذكريات الماضي وذكريات الوحي والنبوة والجهاد والبطولة. وبالرغم من أنه لم يغادر المدينة إلا أنه اطلع على الظروف والبيئات المختلفة بسبب احتكاكه بالعلماء من جميع أنحاء العالم الذين كانوا إذا قدِموا المدينة زاروه وإن لم يزوروه قدِمَ هو إليهم، يلقاهم و يتناقش معهم، لذلك اتسعت آفاقه الفكرية ومداركه الاجتهادية و أقام للمصلحة التي هي محور الشريعة الإسلامية ميزاناَ دقيقاَ كما ستجد.

واختار دار الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود سكناً له وكأنه يريد أن يشعر على الدوام بنبضات عصر النبوة تخفق مع خفقات قلبه وتتردد مع أنفاسه ويعيش يومه كله في عبق كريم وهذا التواصل الوجداني بين مالك وبين حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم جعله في عقله وحسه يتَّخذ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أساساً ومحوراً لعلمه وفقهه.

كان مالك في صدر حياته فقيراَ وكان والده صانعاَ، وتفرَّغ مالك للعلم فأورثه ذلك شيئاَ من الفقر و لم تكن يومها تنفق الدولة على طلبة العلم (ثم لما كان ذلك ارتاح العلماء وازدهر العلم كثيراً)، لكنه بعد ذلك استغنى إذ كان له أخ يعمل بالتجارة فكان مالك إذا تجمع له مال يعطيه لأخيه ليتاجر له به ثم فتح الله عليه واستغنى فكان كثير العطاء لطلبة العلم. وكان يحب أن يظهر أثر نعمة الله عز وجل عليه في ملبسه وفي مطعمه ومسكنه وصار متجملاَ في مظهره وكان الذين يغشون داره من الضيوف يجدون في أطرافها المخدات للإتكاء والجلوس ويجدون كل أسباب الراحة والنظافة والمظهر الأنيق في داره ولم يكن هذا عن حب للمال بل كان ينفق معظم ماله في طرق الخير تماماَ كأبي حنيفة والشافعي رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

ويروى عنه في الأثر المشهور أنه قال: ” ما أحب لامرىء أنعم الله عليه أن يُري أثر نعمته عليه و خاصة أهل العلم “.

ويروي الشافعي أنه في إحدى زياراته لبيت الإمام مالك رأى على الباب هدايا من خيل و بغال أعجبته فقال لمالك بعد أن دخل عليه: ما أحسن هذه الأفراس والبغال. فرد عليه مالك يقول: هي لك فخذها جميعاً. قال الشافعي: ألا تبقي لك منها دابة تركبها؟ فقال مالك: إني لأستحي من الله تعالى أن أطأ تربة فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم بحافر دابة !. إلى هذا الحد من الحساسية المفرطة في الحب والتقديس بلغ العشق في قلب مالك للمدينة التي تضم أطهر الأجساد وأعظم خلق الله وأكرم الناس عليه أفضل الصلاة و أزكى السلام.

 

ورعه وتخوّفه من الفتوى: إشتُهِرَ عن الإمام مالك كثرة ترداده لكلمة ” لا أدري ” وما كان عليه شيء أسهل من هذه الكلمة و لم يكن يشعر أن في هذا منقصة له بل كان إذا سُئِلَ عن مسألة قال للسائل أنظرني حتى أفكر، وربما يأتيه في الغد فيجيبه وربما يقول له أيضاَ أنظرني. و يُروى أنَّ رجلاَ جاءه من أقصى المغرب فسأله عن موضوع وقال: جئتك من مسيرة ستة أشهر من المغرب و حُمِّلتُ هذا السؤال، فقال له مالك: قل لمن أرسلك إنه لا يدري. قال فمن الذي يعلم؟ قال: الذي علَّمه الله ولم يجبه و لكن قال له إن شئتَ عد غداَ ريثما أفكر بها وأقرأ ما يمكن أن يتصل بها، حتى إذا جاء الغد جاءه الرجل فقال له مالك: فكرت بها ملياَ ولا أدري ما الجواب! و لقد عوتب مالك في ذلك فبكى وقال: إني أخاف أن يكون لي في المسائل يوم وأي يوم. وقال لهؤلاء المنتقدين: من أحبَّ أن يجيب عن مسألة فليعرض على نفسه الجنة والنار و ليتصور موقفه من الله غداً. فلننظر جميعاَ إلى هذا الرجل الذي هان عليه أن يظهر جهله وهو العالِم الذي يوثق بعلمه أين نحن اليوم من موقفه هذا حيث الواحد منا إذا ما سُئِلَ اعتصر دماغه وذهنه وقد يصل به الأمر إلى أن يلفق جواباَ خوفاَ من أن يقول عنه الناس إنه جاهل!!! وهذا الأمر وللأسف الشديد كثيراَ ما يحدث مع علمائنا اليوم الذين يسارعون بالفتوى، الأمر الذي يوضح لنا الفرق بين هذا العصر وذلك العصر ولعل هذه المقارنة توضح لنا أيضاَ الفرق بين قرب أولئك الأئمة من رحمة الله تعالى وبعدنا نحن عنها، أضف إلى ذلك كله سمو أهدافهم و مقاصدهم حيث كان همُّهم الأكبر هو مرضاة الله سبحانه وتعالى نسأل الله عز وجل العفو والعافية وأن يرزقنا الإخلاص وأن نحيا محياهم وأن نُحشر معهم إن شاء الله تعالى.

وجاء في ترتيب المدارك للقاضي عياض: ” قال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تغيَّر لونه وانحنى حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يوماً في ذلك، فقال: لو رأيتم لما أنكرتم عليّ ما ترون، كنت آتي محمد بن المنكدر وكان سيد القرّاء (أي سيد العلماء) لا نكاد نسأله عن حديث إلا بكى حتى نرحمه. ولقد كنتُ آتي جعفر بن محمد (أي جعفر الصادق) وكان كثير المزاح والتبسم، فإذا ذُكِرَ عنده النبي صلى الله تعالى عليه وسلم اخضرَّ واصفرَّ وكنتُ كلما أجد في قلبي قسوة آتي محمد بن المنكدر فأنظر إليه نظرة فأتَّعِظ بنفسي أياماً.

 

الأجواء التي كانت سائدة في عصره وعلاقته بالخلفاء: عاش مالك في الخلافة الأموية و العباسية في عصر تسوده الفتن وكان موقفه كموقف الحسن البصري وسعيد بن المسيب الذين كانا قبله و هو موقف استنكار الفتن والدعوة إلى الابتعاد عنها وكان إذا سُئِلَ عن تلك الفتن نصح بالإبتعاد عنها وبعدم الولوج فيها. وقد صح أن الحسن البصري كان ينهى عن الدعاء على أمثال الحجاج وغيره وكان ينهى عن مد اللسان في قول السوء في حقهم على الرغم من أنه لو شققنا صدر الحسن البصري لرأيناه يستنكر الكثير من أعمالهم. وقد سمع مرة الحسن البصري رجلاَ يسب الحجاج فقال له: لا تفعل يرحمك الله إنكم من أنفسكم أوتيتم، إننا نخاف إن عُزِلَ الحجاج أو مات أن تليكم القردة والخنازير. وروى البصري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله المشهور: ” عمّالكم عملكم وكما تكونوا يُوَلّى عليكم “، عمالكم أي رؤساؤكم هم أعمالكم أي انعكاس لأعمالكم.

وكان الإمام مالك ممن يغشى مجالس الخلفاء و لم يكن يبتعد عنها وذلك للنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوصية بالخير فما كان يوفر جهداً ليوصي الخليفة أو ينصحه عندما تسنح الفرصة وقد عوتب في ذلك فقال: لولا أني أتيتهم ما رأيتُ للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه المدينة سنَّة معمول بها، فكان إذا أتاهم نصحهم لكي يحيوا سنة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وخاصة في المدينة المنورة وكانوا يستجيبون لنصيحته.

ولكنه كان إلى جانب ذلك يحترم نفسه في مجالس الخليفة و الولاة وكان يفرض سلطانه عليهم. وكان إلى جانب كونه مهاباَ كان يحافظ على عزة نفسه في هذه المجالس على خلاف عادته في المساجد حيث كان إذا دخل المسجد يقف في آخر الصف ولا يأبى أن يتقدم وإن أصرّوا على تقديمه ويجلس حيث ينتهي به المجلس وكان كثير التواضع ولكن إذا غشي مجلس الخلفاء أو الولاة فرض عزته على المجلس كله.

جاء المهدي مرة إلى المدينة واجتمع إليه الناس والعلماء وذهب مالك ليزوره فلما وصل وجد المجلس مزدحماَ والتفت الناس ينظرون أين سيجلس مالك يا ترى وما سيكون موقفه. فقال الإمام مالك للمهدي: يا أمير المؤمنين أين يجلس شيخك مالك؟ فتضامَّ المهدي وصغَّر من جلسته و قال: ههنا يا أبا عبد الله إلى جانبي، فوسع له ودخل مالك وتعالى ودينه أن يُهان في شخصه، الإمام مالك كان سمته سمة علم وإسلام وسمة المحافظة على الشرع لذا ينبغي لهذه السمة أن تكون هي المهيمنة وأن تكون هي العزيزة في كل مكان، فالله تبارك وتعالى بالقدر الذي نهانا عن الكِبر أمرنا أن نعتز بالإسلام وبالقدر الذي أمرنا بالتواضع نهانا في الوقت نفسه عن الذل وجاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أعوذ بك من الذل إلا إليك. وأي إنسان صاحب ذوق دقيق يستطيع أن يفرِّق بين التواضع والذل المرفوض.

ولما زار الرشيد المدينة وأراد لقاء مالك و كان قد سمع عن علمه الكثير، طلب أن يأتيه حيث نزل فقال مالك لرسول الخليفة: قل له إنَّ طالب العلم يُسعى إليه والعلم لا يسعى إلى أحد! فجاءه الخليفة زائراً معتذراً.

ولقد روى الإمام مالك ذات مرة حديث ” ليس على مستكره يمين ” وشرحه لتلامذته في المسجد وراح يبيِّن للناس أنَّ من طلَّق امرأته مُكرَهاً لا يقع منه طلاق … ولقد كان لهذا الحديث أثر كبير وحافز قوي لثورة أحد أحفاد الحسين بن علي وهو النفس الزكية على السلطة العباسية وكان الخليفة وقتها المنصور. كان محمد يرى بأن أبا جعفر قد أخذ البيعة لنفسه غصباً وإكراهاً فليس له في رقاب الناس يمين ولا عهد، وكان محمد يستند إلى فتوى مالك في أنه ليس على مستكره يمين. أحسَّ والي المدينة بخطورة الموقف فأرسل إلى مالك أن يكفَّ عن الكلام في هذا الحديث و أن يكتمه على الناس. أبى مالك أن يكتم الحديث أو أن يتراجع عن فتواه فضُرِبَ أسواطاً على مرأى الناس وجُذِبَ جذباً غليظاً من يديه وجُرَّ منها حتى انخلع أحد كتفيه وحُمِلَ إلى داره وهو بين الحياة والموت وألزموه الإقامة في الدار إقامة جبرية في عزلة وحبس. فزع الناس في المدينة والتجأوا إلى الله تعالى يشكون الظلم والظالمين واشتد سخطهم على الوالي وعلى الخليفة وغضب العلماء والفقهاء في كل الأمصار والأقطار. ورأى المنصور أنه لا بد من تصرُّف يمتص غضب الناس يزيح التهمة عن نفسه فأمر والي المدينة بإطلاق مالك ثم جاء المنصور بنفسه إلى الحجاز في موسم الحج والتقى بالإمام مالك واعتذر إليه وقال: أنا ما أمرتُ بالذي كان ولا علمته وإنه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم. وأمر بإحضار الوالي مهاناً وبضربه وحبسِهِ إلا أنَّ مالكاً عفى عنه.

 

عِلم الإمام مالك و أقوال بعض العلماء فيه: أجمع المؤرخون والمترجمون أن الإمام مالك بلغ الذروة في معرفة السنَّة و الحديث والفقه وقلما نال عالم مثلما نال مالك من المدح وأقرَّ له علماء الرأي في العراق وعلماء الحديث في الحجاز بأنه إمام في كلٍ منهما (أي الحديث والفقه). قال عنه سفيان بن عُيَينَة وكان معاصراَ له: كان لا يبلغ من الحديث إلا صحيحاَ ولا يحدِّث إلا عن ثقة للناس وما أدري المدينة إلا ستخرب بعد موت مالك.

قال عنه الشافعي: إذا جاءك الأثر عن مالك فشُدَّ به ( أي تمسَّك به ) وهو صحيح. ويقول إذا ذُكِرَ العلماء فمالك هو النجم فيهم .

 

أهم مؤلفاته: الموطأ:

طلب المنصور من مالكأن يضع كتاباً يتضمَّن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقضية الصحابة وفتاوي ليكون قانوناً تطبِّقه الدولة في كل أقطارها وديارها. تردد مالك ثم ألحَّ عليه المنصور فقبِلَ. و راح مالك يعمل عملاً متقناً جداً خلال سنين عدة راح خلالها طائفة من العلماء يعملون ويحاولون أن ينافسوا مالكاً طمعاً في كسب رضا الخليفة. و كان أصحاب مالك يأتونه و يقولون له بأنَّ تأخره في الإنجاز قد أتاح للآخرين أن يسبقوه فقال مالك: “لا يرتفع إلا ما أُريد به وجه الله تعالى“، ولقد كتب كثير من معاصريه كتباً كالموطأ وقُدِّمَت إلى الخليفة، وكلما سئل مالك أن يستعجل كتابه فقد سبقه الناس كان يقول: ” ما كان لله يبقى “، حقيقة هكذا كان. و ظلَّ الإمام مالك عاكفاً على عمله الضخم سنوات توفي خلالها المنصور حتى كان تمام العمل في زمن هارون الرشيد الذي تقبَّله بقَبول حسن و تقدير عظيم وأراد أن يعلِّق الموطأ في الكعبة و لكن مالكاً أبى ذلك. و يُعتَبَر اليوم كتاب الموطأ من أهم كتب السنَّة و يكاد لا تخلو منه مكتبة إسلامية، أما تلك الكتب التي كتبها منافسوه فلم يبقَ لها أثر وكما يقول العلماء لولا هذه الحادثة مع الإمام مالك لما علمنا أصلاً أنه ألِّفَت هكذا كتب، فتأمل يرحمنا الله و إياك و لنتَّعِظ من هذا و لنتيقن إن كل عمل لا يُبتَغى به وجه الله تعالى لا يبقى، {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، قيل في تفسير هذه الآية، كل شيء هالك إلا ما ابتغي به وجه الله تعالى.

 

منهجه العلمي: الإمام مالك شأنه كشأن الإمام أبي حنيفة لم يدوِّن منهجاً و لكن هذه القواعد أُخذَت و جُمِّعَت من خلال عباراته في كتبه و في مقدمة ذلك الموطأ فمن خلال كلامه نجد أنه يأخذ بالحديث المُرسَل و هو الحديث الذي رواه التابعي رأساً عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إن كان هذا التابعي ثقة.

 

أصوله الاجتهادية:

أولاً: إذا وجد في القرآن نصاً بعبارة صريحة قاطعة واضحة على مبدأ أو حكم ثم وجد حديثاً مروياً عن طريق الآحاد يعارض هذا الخبر فإنَّ مالك يأخذ بصريح القرآن و يدع الآحاد.

قال مالك وهو يفسر قوله تعالى: ” قل لا أجد في ما أوحي إليَّ محرَّماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير أو أُهِلَّ لغير الله به … ” إلى آخر الآية، هذا نص صريح و واضح بعدم تحريم غير ما ذُكِر. و في المقابل رُوِيَ في خبر الآحاد الصحيح: عن رسول الله صلى الله عليه و سلم يرويه أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطيور. فرجَّح مالك النص على الآحاد فيجوز عنده أكل كل ذي ناب من السباع و ذي مخلب من الطيور و إن كان جمهور الفقهاء على الحرمة.

ملاحظة: الإمام مالك كغيره من العلماء يأخذ بالحديث الآحاد إن كان صحيحاً وهو عنده حجة و لكن إذا تعارض مع نص من كتاب الله تعالى أو مع حديث متواتر ولم يُمكن الجمع بينهما، قدَّم النص من كتاب الله عز وجل أو الحديث المتواتر ولم يجعل حديث الآحاد يخصص النص القرآني أو الحديث المتواتر كما فعل غيره من الفقهاء كالشافعي مثلاً.

ثانياً: مالك يعيش في المدينة وبصمات رسول الله صلى الله عليه وسلم واضحة في هذه البلاد فعادات أهل المدينة وما يتفق عليه علماء أهل المدينة في عصره والعصر الذي قبله كلها من مخلفات النبوة لأن العهد ما بَعُدَ بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، بناءً على ذلك إذا وجد حديث آحاد مروياً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسند ووجد عمل أهل المدينة على خلاف ذلك الحديث يرجِّح مالك عمل أهل المدينة على ذلك الحديث، لا لأنه يرفض الحديث و لكن لأنه يعتقد أن ما أجمع عليه علماء المدينة ما أخذوه من عند أنفسهم وإنما هي وراثة ورثوها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول الإمام مالك في رسالة للَّيث بن سعد: ” إنَّ أهل المدينة هم من الذين قال الله تعالى عنهم: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} [التوبة: 100]، وأوضح الله تعالى أنَّ هؤلاء السابقون من المهاجرين والأنصار الذين استقر بهم المقام في المدينة المنورة ينبغي أن يُتَّبعوا وأن نهتدي بهديهم “.

مثال ذلك، الحديث الصحيح الأتي: ” المتبايعان بالخيار ما لم يتفرَّقا “. الشافعي عنده التفرق هو تفرق الأبدان وعند الحنفية هو تفرق موضوع الكلام ولكن مالك يقول عمل أهل المدينة على خلاف هذا، فعلماء المدينة السبعة وعامة الناس يقولون إن العقد إذا تمَّ بالإيجاب والقَبول كان العقد لازماً.

مثال آخر، الحديث المشهور: ” البيِّنة على المُدَّعي و اليمين على من أنكر”. قال مالك نأخذ بهذا الحديث و لكن يخَصِّصه ويُفَسَّره عمل أهل المدينة وهو أنَّ هذا الحديث يُطَبَّق بشرط أن ينظر القاضي فيجد أنَّ بين المدَّعي والمُدَّعى عليه علاقة ما إمّا جوار أو قرابة أو شركة … فإن لم يجد القاضي مثل هذه الصلة فله أن لا يسمع الدعوى وذلك لكي لا يتلاعب السفهاء بالوجهاء فيأخذوا منهم أموالهم خشية تشويه سمعتهم، مثال ذلك أن يدَّعي سفيه على أحد الوجهاء دعوى باطلة ، فلو أخذ بها القاضي لاضطر ذلك الوجيه إلى الذهاب إلى القاضي وعندها قد يدفع الوجيه شيئاً من المال للسفيه الذي ادعى عليه تلك الدعوى الباطلة وذلك لكي لا تُشوَّه سمعته بالامتثال بين يدي القاضي .

ثالثاً: إذا ثبت قانون شرعي وقاعدة شرعية عامة مثل: ” ولا تزر وازرة وِزر أخرى “، يقول الإمام مالك: إذا وجدنا بين هذه القاعدة الضخمة الكبيرة وبين جزئيات الأدلة تناقضًا، نأخذ بالقاعدة ونترك هذه الجزئيات.

مثال ذلك: الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: ” إنَّ الميِّت لَيُعَذَّب ببكاء أهله عليه “. قال مالك هذا يتناقض مع القاعدة التي مرَّت معنا سابقاَ (و لا تزر وازرة وزر أخرى)، و بناءً على ذلك فلا ذنب للميت إن بكى أهله عليه فلم يأخذ بالحديث. ولكن الشافعي مثلاَ وهو تلميذ مالك أخذ بالحديث و قال إنَّ عذاب الميت في قبره هنا هو عذاب نفسي وليس عقاباَ من الله عز وجل وإنما هو عقاب خاص يأتي نتيجة لتصرفات أهله، فهو يتألم من فعل أولاده و يتمنى لهم الصلاح لأن الله تعالى يُطلعه على أفعالهم التي قد لا تخلو من معاصي وأمور مختلفة تكون سبباً لغضب الله تعالى عليهم.

مثال آخر: الإمام مالك وحده يفتي بعدم نجاسة لعاب الكلب و كذا رشحه ولكن الحديث الصحيح يقول: ” إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه وليغسله سبعاً إحداهن بالتراب “. قال مالك من المتفق عليه أنه يجوز استعمال الكلب في الصيد و الكلب إذا اصطاد لا بد أن يمسك الطريدة بفمه ويصيبه من لعابه لذلك أخذ بالقاعدة العامة التي تفيد جواز صيد الكلب، ثم قال عن هذا الحديث انه مضطرب وهذا دليل ضعف فقد ورد الحديث بعدة روايات (أولهن-أخراهن- إحداهن بالتراب) .

رابعاً: الأخذ بالاستحسان وهو عبارة عن جزئية صغيرة اقتضتها مصلحة دينية ثابتة في كتاب الله وإن عارضت هذه الجزئية مبدأ كلياً و يؤخَذ به استثناءً.

مثال ذلك قاعدة أن الأخ الميت إذا مات و ترك أخاً شقيقاً أي لأب وأم هذا يُسمَّى عصبة و يأخذ كل ما تبقى من المال مثلا إذا كان الميت ليس له إلا أخ يأخذ كل الأموال وإذا مات و ليس له إلا أخ أو أخ شقيق، الأم تأخذ السدس والأخ أو الأخوة الأشقاء يأخذون الباقي. إن مات رجلٌ وترك زوجاً وأمّاً وإخوة لأم و أخاً شقيقاً، الزوج يأخذ النصف والأم تأخذ السدس والأخوة لأم يأخذون من الثلث لم يبقى للأخ الشقيق شيء إن طبَّقنا هذه القاعدة.

هنا الإمام مالك وغيره عادوا فوجدوا أنَّ الأمر قد رُفِعَ إلى سيدنا عمر رضي الله عنه فحَكَمَ أنه ليس للأخوة الأشقاء شيء فقال الأخوة الأشقاء هب أننا إخوةلأم فقط ألا يكون لنا؟ قال: نعم، ثم جعل الإخوة للأم والأخ الشقيق يشتركون معاً في الباقي. القاعدة على خلاف ذلك و لكن هذه الجزئية هي لمصلحة الشريعة لأن الشريعة تقتضي هذا الاستثناء.

فائدة: الحقيقة أنه ليس بين الأئمة خلاف في الأصول الشرعية فإنهم متفقون على حوالي سبعين بالمئة منها وإنما هناك خلاف في العناوين يتعلق بالفروع الجزئية ويُشَكِّلُ حوالي ثلاثين بالمئة فقط وذلك رحمة بالأمة وتوسيعاً عليها، فالحمد لله أولاً وآخِراً الذي وفقهم أن يجتمعوا على ما اجتمعوا عليه فإن اجتماعهم هذا خير للأمَّة والحمد لله الذي ألهمهم أن يختلفوا فيما اختلفوا فيه فإن اختلافهم أيضاً رحمة للأمة.

خامساً: مبدأ سد الذرائع: وهذا المبدأ مأخوذ من قوله تعالى: ” ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم “، الأئمة كلهم يأخذون بهذا المبدأ ولكنهم يختلفون بالمقدار الذي ينبغي أن يأخذوا به، مثال ذلك سب المؤمن لدين كافر أو لمن يتخذه إلهاً بزعمه أصلُهُ مباح ولكن إذا كان هذا العمل المباح ينتج عنه عمل محرَّم فيسب الكافر الله تعالى عندها يصبح هذا العمل المباح في أصله محرماً لا لذاته ولكن لما قد ينتج عنه وهذا ما يُسمَّى بمبدأ سد الذرائع.

و مثال ذلك أيضاً، إطالة السهر مباح أيضاً ولكن إن كان هذا سيمنعك عن أن تستيقظ لصلاة الصبح تحوَّل المباح إلى محرَّم وهذا باتفاق الأئمة.

مثال آخر، بيع السلاح في أصله مباح ولكن إذا علمت أنَّ هذا يأخذ منك سلاحاً ليؤذي به الآخرين أو كان وقت الفتنة فلا يجوز.

سادساً: المصالح المُرسَلة: رائدها في الشريعة الإمام مالك.

جاءت الشريعة لتحقيق خمسة أنواع من المصالح وهي على هذا الترتيب: الدين، الحياة، العقل، النسل أو العرض والمال. كل الأئمة الأربعة أخذوا بها.

المصالح المرسلة هي أن يرى العالِم الفقيه أمامه مصلحة حديثة العهد طارئة، لم تكن موجودة من قبل تقتضي حكماً شرعياً ولكن هذا الفقيه لا يجد عليه (أي على الحكم الشرعي) دليلاً من القرآن أو السُنَّة ولا يجد دليلاً على حكم يشبهه للقياس لا سلباً ولا إيجاباً، فما العمل؟ يقول مالك: أنا أعود بهذه المسألة في الحكم إلى جنس هذه المصلحة التي يحققها الحكم، ننظر هل هي واحدة من هذه المصالح الخمس التي جاءت الشريعة بحمايتها ورعايتها؟ فإن كانت واحدة من هذه المصالح وكان الأخذ بها لا يُفَوِّت مصلحة أهمّ منها يقول مالك أنا أجتهد على وفق هذه المصلحة. و هذا باب عظيم في الاجتهاد و سنورد في ما يلي بعض الأمثلة والنماذج لتوضيح الصورة:

-1 منع عمر بن عبد العزيز الناس أن يشتروا أراضٍ في مِنى وأن يبنوا عليها بيوتاً لهم لأن ذلك سيضيق على الحجّاج مع أنه لا يوجد نص في ذلك و لكن من باب المصالح المرسلة أصدر عمر بن عبد العزيز أمره هذا (وهو ما يسميه الحنفية مقاصد الشريعة).

-2 قال الإمام مالك لو أنَّ صبياناً يلعبون ويتشاجرون و يمزِّق أحدهم ثوب الآخر أو يتلف متاعاً (يكسر زجاج منزل أو سيارة مثلاً) فالوالد (أي أبو الولد الذي سبب الضرر) يضمن (أي يدفع تعويضاً عن الضرر الحاصل) وإن لم يكن الولد بالغاً. و لكن هنا الشهود كلهم أولاد والقاعدة أنَّ الشهادة لا تصحُّ إلا من بالغ كبير. ماذا نفعل إذا تركنا القضية هكذا؟ طبعاً ستقع مفاسد كثيرة. المصلحة المرسلة هنا التي تتوخاها الشريعة هي أن نقبل شهادة الصبيان بعضهم على بعض في أمور إجرائية من هذا القبيل.

-3 تدوين قواعد اللغة العربية و المجامع الفقهية والمؤتمرات كلها أشياء حسنة تخدم مصلحة الدين …

سابعاً: العُرف: إنَّ العرف في الشرع له اعتبار فيما لم يرد فيه نص أو كان الأمر غامضاً، و الأئمة كلهم متفقون على ذلك. يقسم مالك العرف إلى قسمين: عرف قولي عرف فعلي أو سلوكي (فقط في العقود).

مثال على العرف القولي: كلمة اللحم، فلو أنَّ رجلاً أقسم أن لا يأكل لحماً، ننظر ماذا تعني كلمة اللحم في عرفهم أحياناً تُطلَق ويُقصَد بها لحم الضأن (الخروف) و في بعض الأعراف تُطلق ويُقصَد بها لحم البقر و في بعض الأعراف يُقصد بها لحم السمك. فإذاً يقع القسم على ما هو معروف عندهم إلا إن قصد كل اللحم ساعتئذ تكون النية مقدَّمة على دلالة العرف.

مثال آخر على العرف القولي: لو نذر فلان أن يتصدَّق بكل ما في جيبه من دراهم وكانت الدراهم في عرفهم تُطلَق على عملة البلاد فلا يجب عليه أن ينفق من العملات الأخرى إن وُجِدَت في جيبه إلا إن نوى غير ذلك.

أما العرف السلوكي فهو مثلاً أن يعقد فلان على فلانة دون أن يتفقا على موعد لدفع المهر و كان العرف أن يُدفَع قبل الدخول ساعتئذ يكون هذا هو الحكم.

ولو اشترى أحدهم سيارة مثلاً و لم يشترط أن تكون مكيَّفة و البائع لم يشترط ذلك فاختلف المشتري والبائع، ننظر إن كان العرف أن تكون غير مكيفة كما في بلادنا فالحق مع البائع أما إن كان العرف أن تكون مكيفة كما في بلاد الخليج فيكون الحق مع المشتري.

قاعدة: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.

يقول الإمام مالك إن النصوص القرآنية و نصوص السنَّة إنما تُفَسَّر على ضوء العرف القولي في عصر النبي صلى الله عليه و سلم، و هكذا فالعرف القولي مفتاحٌ هام وخطير جداً لِفَهم النصوص. و نضرب على ذلك مثلاً ما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن زكاة الفطر هي صاع من غالب قوت البلد. كلمة صاع عبارة عن مكيال معيَّن هذا المكيال يتغير من بلد إلى بلد ومن عصر إلى عصر، فالصّاع في العراق كان غير الصاع في مصر غير الصاع في المدينة … فإذاً نحن نفسر ذلك بما كان معروفاً عندما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا الحديث في المدينة.

مثال آخر كلمة النبيذ كانت تعني أو يُقصَدُ منها شراب مُكَوَّن من الماء والتمر ولا يُقصد بها النبيذ المسكر المعروف في عصرنا وقد شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم النبيذ وهذا كان سبب الإشكال الذي وقع فيه الكثير من المستشرقين عندما قرأوا كتب التاريخ فوجدوا أن هارون الرشيد كان يشرب النبيذ و ظنوه من السكارى.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إنَّ من أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة المصوِّرون “، وفي حديث آخر ” كُلِّفَ أن ينفخ فيه الروح وما هو بنافخ “، هنا نفسر المصوِّر حسب العرف الدارج في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهذا لا يشمل الحديث الصور الفوتوغرافية والمرايا و انعكاس الضوء فيكون حُكم هذه الأشياء الجواز علماً أن الإنسان له أن يبتعد عن هذه الأمور من باب الورع و لكن هذا لا ينفي جوازها وعدم حرمتها فالورع أمر والجائز أمر آخر. وبالطبع فالشيء المصوَّر له حكم آخر إن كان صوراً لفتيات عاريات لا خلاف في أنه حرام قطعاً.

أما الدليل الشرعي للأخذ بالعرف أن الله تعالى أمرنا بكثير من الآيات أن نحتكم إلى العرف بقوله تعالى: ” وأمُر بالعرف و اعرض عن الجاهلين “، أي اجعل العرف أساساً.

قالت هند زوجة أبي سفيان يوم فتح مكة وكانت تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا تسرق ولا تزني، قالت له: لقد كنت آخذ من مال أبي سفيان الهنة تلو الهنة (أي الشيء القليل دون علمه)، ماذا أصنع؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المستقبل: ” خذي ما يكفيك وأولادك بالمعروف”.

مثال آخر: قال الله تعالى: ” والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين “، قال الإمام مالك إن كانت المرأة من الأغنياء أو كانت شريفة (العادة عندهم أن النساء الأغنياء لا يرضعن) ساعتئذ لا يجب عليها الإرضاع و لكن هو حق لها، أما إن كانت غير ذلك فهو واجب عليها، لأن ذلك لم يأتِ بصيغة الأمر الجازم كقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} [البقرة: 233].

 

قاعدة: إن النص يُهَمِنُ على العُرف ولا يهيمن العرف على النص.

ونأخذ بالعرف فقط في الأمور التي علَّقها النص على العرف، أما ما ورد فيه نص فلا يغيِّره العرف حتى لو ترك أهل بلد ما جميعاً العمل بحكم شرعي، يبقى الحكم الشرعي كما هو. فلا نقول إنَّ العرف السائد اليوم هو عدم ارتداء الحجاب مثلاً خلافاً للعرف قديماً وأن الزمن قد تغير، فلو كان الأمر هكذا ما كان للشريعة الإسلامية معنى إذا كنا دائماً نحتكم إلى العرف فقط دون النص.

 

أسباب انتشار مذهب الإمام مالك: شاع مذهب الإمام مالك في المغرب كثيراً مع أن مالكاً لم يترك المدينة و ذلك لأن المدينة كانت تستقطب أناساً وعلماء كثر أيام الحج و في غير أيام الحج . ومن الأسباب التي ساهمت على انتشار مذهب الإمام مالك دون سواه كمذهب الأوزاعي أو سفيان الثوري، تقييض الله سبحانه وتعالى لمالك تلاميذ كثر من مختلف الأصقاع فمن مصر كان الليث بن سعد ومن المغرب ومن العراق ومن الشام ومن اليمن، كلهم تتلمذوا على الإمام مالك وهم الذين قاموا بنشر مذهبه حتى وصلنا بالتواتر بحيث يستطيع الإنسان أن يجزم أنه عندما يقرأ الموطأ أو المدونة برواية سحنون أو غيره من تلامذة مالك يستطيع أن يجزم أنه يتبع إماماً راسخاً في العلم يبرأ ذمته عند الله باتباعه والحمد لله. وهكذا انتشر مذهبه في المغرب و في مصر و في صعيد مصر وفي اليمن و في أنحاء مختلفة متفرقة حتى أنَّ فرنسا حين استعمرت أقسام كثيرة من المغرب مدة طويلة، اطَّلع علماء القانون الفرنسيون على الفقه الإسلامي لاسيما مذهب الإمام مالك فأُعجِبوا به أيّما إعجاب، لذلك نرى أن القانون الفرنسي اليوم يعتمد اعتماداً كبيراً على فقه مالك. و بواسطة هذه النافذة انتشر الفقه الإسلامي في فرنسا واطَّلع عليه كثير من المستشرقين في أوروبا الذين بدأوا يتحركون لِصَدِّ ومحاربة هذا الغزو الإسلامي و ذلك بزرع الشكوك و الشبهات ليُبعدوا الناس عن الإسلام، فادعوا قائلين: هؤلاء العرب أصحاب الأدمغة القانونية مثل مالك وأبو حنيفة جاؤوا إلى الأعراف القَبَلية عند العرب فدوَّنوها و جمعوها و نظَّموها وفكروا بطريقة يخلدون هذه الأحكام بها ووجدوا أنَّ الطريقة هي أن يبتدعوا لها إطاراً دينياً فاخترعوا لها الأدلة من الأحاديث والنصوص القرآنية لكي يرسخوا بهذه الأدلة الأعراف العربية والقبلية التي كانت سائدة منذ العصر الجاهلي !!!. أيُعقل هذا الكلام؟ الإمام مالك الذي رحل إليه الناس وقال لا أدري والذي كان لا يُحَدِّث حتى يغتسل ويلبس البياض من الثياب ويبكي عندما يذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي لم يطأ المدينة بحافر دابة قط أدباً مع النبي صلى الله عليه وسلم، أيُعقل بعد كل هذا أن يُقال عنه ما قيل؟. فهذا شاخت، وهو أحد المستشرقين أعداء الإسلام يقول إنَّ مالكاً اخترع الحديث! فكل واحد يقيس الناس على نفسه: الدجّالون أمثال كريمر و شاخت و غيرهم يجلسون في ما بينهم فيختلقون الأكاذيب ثم يظهرونها على أنها حقائق ويظنون أن غيرهم يفعل الشيء نفسه.

يقول الدكتور أمين المصري رحمه الله وهو أحد علماء الشام إنه عندما ذهب إلى أوروبا لنيل شهادة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية -هكذا حظنا أن ندرس الشريعة الإسلامية في أوروبا؟!-

فكَّر في موضوع لأطروحته، فوجد كتاب شاخت عن الفقه الإسلامي من أهم الكتب في أوروبا (وكتاب شاخت هذا يعتمد ويؤكد هذه النظرية الباطلة التي أشرنا إليها عن اختراع مالك للحديث)، فقرر أن تكون أطروحته دراسة هذا الكتاب. فجاءت دراسته موضحة بما لا مزيد عليه اللبس الحاصل كاشفة أكاذيبهم دافعة لكل أباطيلهم وافتراءاتهم بحيث يتبين القارىء المنصف حقدَ أولئك المستشرقين وتعنتهم الذي أخرجهم عن المنهج العلمي في البحث ودفعهم لاختلاق الأكاذيب.

وهذا ما دفع إدارة الجامعة إلى رفض أطروحته وألزمته بالتحول عن هذا الموضوع، فلما أبى لم يستطع أن يحصل على شهادة الأستاذية واضطر أن يأخذ شهادة في علم النفس و علم التربية و أن يترك دراسة الشريعة الإسلامية في الغرب.

وفاته : توفي الإمام مالك في أوائل عام 179 هـ عن 87 سنة في الأرض التي لم يفارقها قط إلا للحج حباً وشوقاً للنبي صلى الله عليه وسلم. وقد بقي مفتياً للمدينة مدة ستين سنة. وكان من أبلغ الناس حزناً عليه وأشدهم بكاءً تلميذه النجيب ووارث الإمامة من بعده محمد بن إدريس الشافعي . ولقد دُفِنَ مالك رضي الله عنه في البقيع .

وكان الإمام مالك قد ترك حضور الجنازات في آخر حياته وكان يأتي أصحابها فيعزيهم ثم ترك ذلك كله و لم يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة أيضاً، فعوتِبَ في ذلك فقال: ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره. وعُلِمَ بعد ذلك أنه كان قد اُصيبَ بسلس البول و كان يخشى أن يُنَجَّسَ مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال وهو يودِّع الدنيا: لولا أني في آخر يوم من الدنيا وأوله من الآخرة ما أخبرتكم، سلس بولي، فكرهت أن آتي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير طهارة إستخفافاً برسول الله صلى الله عليه و سلم و كرهت أن أذكر علَّتي فأشكو ربي!!!.

 

من أقواله:

كلما كان رجل صادق لا يكذب في حديثه (أي مطلق حديث) إلا مُتِّعَ بعقله ولم يصبه مع الهرم آفة و لا خرف.

– من لم يكن فيه خير لنفسه لم يكن فيه خير لغيره.

إنتهينا من الحديث عن الإمام مالك وفقهه والسبب الذي جعل مذهبه ينتشر ويترسخ في كثير من أنحاء العالم الغربي والإسلامي وعرفنا كيف أنَّ اجتهاد الإمام مالك زاد في التقريب بين مذهبي أهل الحديث في الحجاز وأهل الرأي في العراق. وعرفنا لماذا نَمَت مدرسة الحديث في الحجاز و لماذا نمت مدرسة الحديث في العراق. تكلمنا أيضاً عن دور الإمام أبي حنيفة والإمام مالك في نسج شجون الصلة بين هذين المذهبين في الشكل الذي ذكرناه و انتهينا إليه. والآن ننتقل إلى الكلام عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.

*************************************************

 

الإمام البخاري(194-256هـ/810-869م):

هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي البخاري . ولد في يوم الجمعة الرابع من شوال سنة أربع وتسعين و مئة للهجرة. ويروى أن الإمام البخارى قد عميَ في صغره, فرأت أمّه رؤيا جائها فيها الخليل إبراهيم عليه السلام وقال لها يا هذه قد رد الله على ابنك بصره لكثرة بكائك فأصبحت وقد شفى ابنها. واشتهر الإمام البخارى بقوة حفظه ودقته في الرواية وصبره على جمع الحديث. كانت بخارى آنذاك مركزًا من مراكز العلم تمتلئ بحلقات المحدِّثين والفقهاء، واستقبل حياته في وسط أسرة كريمة ذات دين ومال؛ فكان أبوه عالمًا محدِّثًا، عُرِف بين الناس بحسن الخلق وسعة العلم، وكانت أمه امرأة صالحة، لا تقل ورعًا وصلاحًا عن أبيه. والبخاري ليس من أرومة عربية، بل كان تركي الأصل (أو فارسي الأصل). وأول من أسلم من أجداده هو “المغيرة بن برد زبة”، وكان إسلامه على يد “اليمان الجعفي” والي بخارى؛ فنُسب إلى قبيلته، وانتمى إليها بالولاء، وأصبح “الجعفي” نسبًا له ولأسرته من بعده.

نشأ البخاري يتيمًا؛ فقد تُوفِّيَ أبوه مبكرًا، لكن أمة تعهدتة بالرعاية والتعليم،و دفعته إلى العلم و حببتة فيه ؛ فشب مستقيم النفس، عفَّ اللسان، كريم الخلق، مقبلا على الطاعة، وما كاد يتم حفظ القرآن حتى بدأ يتردد على حلقات المحدثين. وفي هذه السنِّ المبكرة مالت نفسه إلى الحديث، ووجد حلاوته في قلبه؛ فأقبل عليه محبًا، حتى إنه ليقول عن هذه الفترة: “ألهمت حفظ الحديث وأنا في المكتب (الكُتّاب)، ولي عشر سنوات أو أقل”. كانت حافظته قوية، وذاكرته لاقطة لا تُضيّع شيئًا مما يُسمع أو يُقرأ، وما كاد يبلغ السادسة عشرة من عمره حتى حفظ كتب ابن المبارك، ووكيع، وغيرها من كتب الأئمة المحدثين.

قوة حفظ محمد بن إسماعيل البخاري

قوة حفظه: قدم محمد بن إسماعيل البخاري بغداد فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وأرادوا امتحان حفظه. فعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر ودفعوها إلى عشرة أنفس لكل رجل عشرة أحاديث وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري. وأخذوا عليه الموعد للمجلس فحضروا وحضر جماعة من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم ومن البغداديين. فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري لا أعرفه فما زال يلقى عليه واحدا بعد واحد حتى فرغ البخاري يقول لا أعرفه. وكان العلماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون فهم الرجل، ومن كان لم يدر بالقصة يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الحفظ ثم انتدب رجل من العشرة أيضا فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة فقال لا أعرفه فسأله عن آخر فقال لا أعرفه فلم يزل يلقي عليه واحدا واحدا حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول لا أعرفه ثم انتدب الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من إلقاء تلك الأحاديث المقلوبة والبخاري لا يزيدهم على: لا أعرفه. فلما علم أنهم قد فرغوا إلتفت إلى الأول فقال أما حديثك الأول فقلت كذا وصوابه كذا وحديثك الثاني كذا وصوابه كذا والثالث والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه وفعل بالآخرين مثل ذلك فأقر الناس له بالحفظ وأذعنوا له بالفضل. قلت هنا يخضع للبخاري فما العجب من رده الخطأ إلى الصواب فإنه كان حافظا بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة.

 صحيح البخاري

هو أشهر كتب البخاري، بل هو أشهر كتب الحديث النبوي كافة. بذل فيه صاحبه جهدًا كبيرا, وانتقل في تأليفه وجمعه وترتيبه وتبويبه ستة عشر عاما. ابتدأ البخاري تأليف كتابه في المسجد الحرام والمسجد النبوي، ولم يتعجل إخراجه للناس بعد أن فرغ منه، ولكن عاود النظر فيه مرة بعد أخرى، وتعهده بالمراجعة والتنقيح؛ ولذلك صنفه ثلاث مرات حتى خرج على الصورة التي عليها الآن.

وشرطه في “صحيحه” هذا أعز من شرط كل كتاب صنف في “الصحيح”، لا يوازيه فيه غيره، لا “صحيح مسلم” ولا غيره. وما أحسن ما قال بعض الفصحاء من الشعراء:

صحــيح البخــاري لـو أنصفـــــوه ـــــــــــ ما خــط إلا بمــاء الــذهــــــــب

هــو الفـرق بيـن الهـدى والعمـى ــــــــــ هــو السـد بيـن الفتـى والعطـب

أســانيد مثــل نجــوم السـمــــــاء ــــــــــــ أمــام متــون كمثـــــل الشــهب

بهــا قـام مـيزان ديـن الرســــول ـــــــــــــ ودان بــه العجــم بعــد العـــرب

فيــا عالمــا أجــمع العـالمـــــون ــــــــــــــ عــلى فضـل رتبتـه فـي الــرتب

**********************************************************************************************************

 

 

 المولد والنشأة

ولد مسلم بن الحجاج في نيسابور سنة 206 هـ = 821م على أرجح أقوال المؤرخين، ونشأ في أسرة كريمة، وتأدب في بيت علم وفضل، فكان أبوه فيمن يتصدرون حلقات العلم، ولذا عني بتربية ولده وتعليمه، فنشأ شغوفًا بالعلم مجدًا في طلبه محبا للحديث النبوي، فسمع وهو في الثامنة من عمره من مشايخ نيسابور، وكان الإمام يحيى بن بكير التميمي أول شيخ يجلس إليه ويسمع منه، وكانت جلسة مباركة أورثت في قلب الصغير النابه حب الحديث فلم ينفك يطلبه، ويضرب في الأرض ليحظى بسماعه وروايته عن أئمته الأعلام.

وتذكر كتب التراجم والسير أن الإمام مسلم كان يعمل بالتجارة، وكانت له أملاك وضياع مكنته من التفرغ للعلم، والقيام بالرحلات الواسعة إلى الأئمة الأعلام الذين ينتشرون في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي.

 رحلاته العلمية وشيوخه

ابتدأ الإمام مسلم رحلاته في طلب العلم، وكان ذلك سنة متبعة بين طلبة العلم، إلى الحجاز، ولم يتجاوز سنه الرابعة عشرة لأداء فريضة الحج، وملاقاة أئمة الحديث والشيوخ الكبار، فسمع في الحجاز من إسماعيل بن أويس، وسعيد بن منصور، ثم تعددت رحلاته إلى البصرة والكوفة وبغداد والري، ومصر، والشام وغيرها ولقي خلال هذه الرحلات عددًا كبيرًا من كبار الحفاظ والمحدثين، تجاوز المائة، كان من بينهم الإمام البخاري أمير المؤمنين في الحديث وصاحب صحيح البخاري، وقد لازمه واتصل به وبلغ من حبه له وإجلاله لمنزلته أن قال له: “دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله”.

وكان من شيوخه محمد بن يحيى الذهلي إمام أهل الحديث بخراسان، والحافظ الدارمي أحد الأئمة الحفاظ وصاحب مسند الدارمي، وعبد الله بن مسلمة المعروف بالقعنبي، وأبو زرعة الرازي محدث الري المعروف.

 مؤلفاته

  • الكنى والأسماء
  • طبقات التابعين ورجال عروة بن الزبير
  • المنفردات والوجدان

 وله كتب مفقودة، منها :

  • أولاد الصحابة
  • الإخوة والأخوات
  • الأقران،
  • أوهام المحدثين
  • ذكر أولاد الحسين
  • مشايخ مالك
  • مشايخ الثوري
  • ومشايخ شعبة

 وفاته

ظل الإمام مسلم بن الحجاج بنيسابور يقوم بعقد حلقات العلم التي يؤمها طلابه والمحبون لسماع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أشهر تلاميذه الذين رحلوا إليه أبو عيسى الترمذي، ويحيى بن صاعد، وابن خزيمة وأبو بكر محمد بن النضر الجارودي وغيرهم، كما شغل وقته بالتأليف والتصنيف حتى إن الليلة التي توفي فيها كان مشغولا بتحقيق مسألة علمية عرضت له في مجلس مذاكرة، فنهض لبحثها وقضى ليله في البحث، لكنه لقي ربه قبل أن ينبلج الصباح في 25 من رجب 261 هـ = 6 من مايو 875م، وهو في الخامسة والخمسين من عمره، ودفن يوم الإثنين في مقبرته بنصر آباد في نيسابور

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.