الحوار والتسامح

 أهمية الحوار والتسامح في الإسلام

إن ديننا الإسلامي الحنيف حمل بين طياته قوانين عدة مهمة عملت على نشره في شتى أرجاء العالم، ولعل من أشهر هذه القوانين المهمة التي كان لها الدور الأكبر والمؤثر في تقدم المسلمين في مختلف الميادين قانون: الحوار والتسامح واللين واللاعنف الذي أكدت عليه الآيات المباركة.. ففي القرآن الكريم هناك أكثر من آية تدعو إلى ذلك منها قوله سبحانه وتعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125]، وقوله تعالى: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً) [الفرقان: 63]، وقوله تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [العنكبوت: 46]، وقوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف: 199]، وقوله تعالى: (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام: 108]، وقوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) [آل عمران: 159]، وقوله تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النور: 22].. وغيرها من آيات الذكر الحكيم.
فالحوار وفق المنظور الإسلامي، فضيلة أخلاقية، وضرورة مجتمعية، وسبيل لضبط الاختلافات وإدارتها، ورسالة الإسلام تدعو إلى التعايش الإيجابي بين البشر جميعاً في جو من الإخاء والتسامح بين كل الناس بصرف النظر عن أجناسهم وألوانهم ومعتقداتهم، فالجميع ينحدرون من (نفس واحدة)، كما جاء في القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ) [النساء: 1].
كما أن الإسلام يعترف بوجود الاختلاف بين الأفراد والمجتمعات ويقر بشرعية ما للغير من وجهة نظر ذاتية في الاعتقاد والتصور والممارسة تخالف ما يرتئيه شكلاً ومضموناً، ويكفي أن نعلم أن القرآن الكريم قد سمّى الشِّرك ديناً رغم وضوح بطلانه، لا لشيء إلاّ لأنه في وجدان معتنقيه دين، وذلك واضح في سورة (الكافرون) بقوله تعالى:(لكم دينكم ولي دين).
كما أن الإسلام في كل أنظمته وتشريعاته يقر بالحقوق الشخصية لكل فرد من أفراد المجتمع، ولا ريب أنه يترتب -على ذلك- على الصعيد الواقعي الكثير من نقاط الاختلاف بين البشر، ولكن هذا الاختلاف لا يؤسس للقطيعة والجفاء والتباعد، وإنما يؤسس للتسامح والحوار مع الآخر (المختلف).
فالأصل في العلاقات الاجتماعية والإنسانية، أن تكون علاقات قائمة على المحبة والمودة والتآلف، حتى ولو تباينت الأفكار والمواقف، بل إن هذا التباين هو الذي يؤكد ضرورة الالتزام بهذه القيم والمبادئ، فوحدتنا الاجتماعية والوطنية اليوم، بحاجة إلى غرس قيم ومتطلبات الحوار في فضائنا الاجتماعي والثقافي والسياسي.
إن الكلمة في الإسلام لها أهميتها الفائقة بل هي أول وآخر شيء في الدعوة إلى الله تعالى بسبب ما فيها من رؤية ولين وقدرة على الإقناع، وبسبب ما تحققه من ثبات وتمكن في القلوب والسلوك، سيما إذا كان الهدف هو إيصال الحق إلى القلوب ليستقر فيها ويحرك الإنسان باتجاه الفضيلة، لذلك فإن الكلمة تبقى هي الوسيلة الأساس في تحقيق هذا الهدف.
وهذا ما تؤكده الآيات الكريمة التي أرادت السمو بالإنسان إلى ملكوت الله تعالى والأنس بجواره، فيقول تبارك وتعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) [النحل: 125]، والموعظة الحسنة على حد تعبير بعض المفسرين هي: التي تدخل القلب برفق، وتعمق المشاعر بلطف، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب، ولا بفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية، فإن الرفق في الموعظة كثيراً ما يهدي القلوب الشاردة ويؤلف القلوب النافرة ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والدعوة إلى سلوك الطريق الأحسن في مقام الجدل والصراع الفكري.
إنها دعوة قرآنية تخاطب كل مجال من مجالات الصراع في الحياة وتتصل بكل علاقة من علاقات الإنسان بأخيه الإنسان.. إنها دعوة الله إلى الإنسان في قوله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: 34]، وقوله: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً [الإسراء: 53].
هذه الدعوة الصافية التي توحي للإنسان في كل زمان ومكان، أن مهمته في الحياة هي أن يثير في الإنسانية عوامل الخير ويلتقي بها في عملية استثارة واستثمار، بدلا من عوامل الشر التي تهدم ولا تبني وتضر ولا تنفع وتدفعه في الوقت نفسه إلى أن يجعل اختيار الأحسن في كل شيء وفي كل جانب من حياته شعاره الذي يرفعه في كل مكان وزمان.
وإن القوة مهما كانت درجتها لن تنسجم مع طبيعة الرسالة الإسلامية، مادامت تعني محاصرة العقل وفرض الفكرة عليه تحت تأثير الألم أو الخوف، لذلك فإن الباري عز وجل يحذر رسوله الكريم أن يمارس التبليغ بروح السيطرة والاستعلاء، (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِر) [الغاشية: 22].
ولما كانت الأخلاق تتجلى رقة وحناناً واستيعاباً للآخرين، فإننا نلاحظ أن الله تعالى يذكر نبيه بالقاعدة الذهبية التي جعلته داعيةً ناجحاً ومقبولاً، ويؤكد له أن حيازته على هذه السجية إنما هي بفضل الله وتوفيقه: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) [آل عمران: 159]، وفي هذا الجو المفعم بالأخلاق وطيب القلب والعفو، نحدد علاقتنا بالأشياء والأشخاص، لتكون بأجمعها مشدودة إلى هذه القيم النبيلة، وسائدة في هذا الاتجاه.
فالأصل في العلاقة بين بني الإنسان بصرف النظر عن اتجاهاتهم الأيديولوجية والفكرية، هي الرحمة والإحسان والبر والقسط وتجنب الإيذاء، ومن هنا لا يجوز أن يُنظر إلى اختلاف الجماعات البشرية في أعراقها وألوانها ومعتقداتها ولغاتها على أنها تمثل حائلاً يعوق التقارب والتسامح والتعايش الإيجابي بين الشعوب، فقد خلق الله الناس مختلفِين: (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ) [هود: 119]، كما يقول القرآن الكريم.
والأحرى أن يكون الاختلاف والتنوع دافعاً إلى التعارف والتعاون والتآلف بين الناس من أجل تحقيق ما يصْبون إليه من تبادل للمنافع وتعاون على تحصيل المعايش وإثراء للحياة والنهوض بها.. ومن هنا يقول القرآن الكريم: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) [الحجرات: 13] والتعارف هو الخطوة الأولى نحو التآلف والتعاون في جميع المجالات.
يجب أن يكون الهدف من الحوار ليس مجرد فكّ الاشتباك بين الآراء المختلفة أو تحييد كل طرف إزاء الطرف الآخر، وإنما هدفُه الأكبر هو إثراء الفكر وترسيخ قيمة التسامح بين الناس، وتمهيد الطريق للتعاون المثمر فيما يعود على جميع الأطراف بالخير، وذلك بالبحث عن القواسم المشتركة التي تشكل الأساس المتين للتعاون البنّاء بين الأمم والشعوب, والحوار بهذا المعنى يُعد قيمة حضارية ينبغي الحرص عليها والتمسك بها وإشاعتها على جميع المستويات.
في سياق المعاني والصفات والسجايا الحميدة التي اشرنا إليها تأتي دعوة فخامة الرئيس القائد (حفظه الله ورعاه) في افتتاحية صحيفة (الثورة) في عددها الصادر يوم 16/7/2009م أبناء الوطن إلى الحوار والتصالح والتسامح والابتعاد عن العنف ومناخات التوتر والتأزيم ونبذ ثقافة الكراهية والبغضاء لتضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية, وتفتح الباب على مصراعيه لتعزيز إرادة التلاقي على قواسم مشتركة أساسها الثوابت الوطنية والتي يتصدرها الحفاظ على مكاسب الثورة اليمنية «26سبتمبر و14 اكتوبر»، والنظام الجمهوري والوحدة والديمقراطية والأمن والاستقرار، ولتؤكد إن من مصلحة اليمنيين جميعا السعي إلى تكريس وترسيخ ثقافة المحبة والتسامح والأخوة بين أبناء الوطن الواحد.
لان الجميع يبحرون في سفينة واحدة وعليهم حمايتها من العواصف والأمواج المتلاطمة للوصول بها إلى بر السلامة والنجاة والأمن والأمان.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.