الحتمية أساس الحرية

المقالة العاشرة:
نص السؤال: قيل إن الحتمية أساس الحرية أثبت بالبرهان صحة هذه الأطروحة؟

الإجابة النموذجية: استقصاء بالوضع

طرح الإشكالية:
يقول أحد الفلاسفة ” أعطينيحلا لمشكلة الحرية أعطيك حلا لكل المشاكل الفلسفية ” إذا فربما هذه المقولة أكبردليل يدفعنا إلى القول بأن الحرية من أعقد و أقدم المشكلات الفلسفية فهي لها صلةمباشرة بما وراء الطبيعة ولقد شاع بين بعض الفلاسفة من أنصار الحتمية أنه لا مجالللحديث عن الحرية في عالم تحكمه مجموعة من الحتميات الصارمة إلا أن هناك من يعتقدعكس ذلك وهم فريق أنصار التحرر الذين يروا أن التسليم بوجود الحتميات و إدراكها شرطلممارسة الحرية فإلى أي مدى يمكن الدفاع عن هذه الأطروحة ؟ وهل يمكن إثباتها بحجج ؟وبالتالي الأخذ برأي مناصريها ؟
محاولة حل الإشكالية:
عرض منطق الأطروحة: هذا الموقف الفلسفي يرفض الطرحالميتافيزيقي لمشكلة الحرية باعتبارها مشكلة الإنسان الذي يعيش في الواقع ويواجهجملة من الحتميات . وأول من ابتدأ الطرح الواقعي لها الفيلسوف المسلم “ابن رشد” ( 1126 – 1198) ونزع التعارض القائم بين الحرية والحتمية ؛ حيث قدم وجهة نظر جديرةبالاهتمام . فالإنسان عنده حر حرية محدودة في حدود قدرته وعلمه ووعيه حيث يقول فيهذا الصدد ” … أن الله تبارك و تعالى قد خلق لنا قوى نقدر بها أن نكتسب أشياء هيأضداد . لكن لما كان الاكتساب لتلك الأشياء ليس يتم لنا إلا بمواتاة الأسباب التيسخرها الله من خارج وزوال العوائق عنها ، كانت الأفعال المنسوبة إلينا تتم بالأمرينجميعا …” ونفس الموقف نجده يتكرر مع الفيلسوف الفرنسي بول فولكي عندما يقر أنالحرية والحتمية في واقع الأمر متكاملتان والتحرر حسبه يقتضي معرفة القيود والموانع و الحتميات التي تعترضه . وقد اعتمد هذا الموقف على المسلمة التالية : أنالحتمية والحرية مفهومان غير متناقضين – حسب الطرح الميتافيزيقي – وإنما الحتميةشرط ضروري لقيام الحرية ، أما الحجج المعتمدة في هذا الطرح : نذكر منها الحجةالواقعية التي استخدمها بول فولكي في إثبات علاقة التكامل بين الحتمية والحرية بلرأى أنه انعدام الحتمية يؤدي إلى انعدام الحرية ؛ فعدم وجود قوانين تنظم السلوكالإنساني وتوجهه يؤدي إلى الفوضى في السلوك يفقد من خلالها الإنسان حريته وقد قوىحجته بمثال رائع حينما قال ” إنه من السهل علينا أن نذهب حيث شئنا بسيارة لأنحركتها مضبوطة ومدروسة بدقة سلفا ، ولكنه من الصعب أن نستعمل الحصان لأن حركاتهكثيرا ما تكون عفوية . وهناك حجة تاريخية تؤكد هذا الطرح : و هو أن الإنسان عندماتعرف كيف يقرأ مجهولات الطبيعة عن طريق العلوم الطبيعية خاصة استطاع بها الكائنالبشري أن يتحرر من مجموعة من القيود هذا الذي جعل “مونيي ” ( 1905 – 1950) يقول: ” إن كل حتمية جديدة يكتشفها العالم تعد نوطة تضاف إلى سلم أنغام حريتنا” .
نقد خصوم الأطروحة: يرى هذا الاتجاه أنه من التناقض الجمع بينالحرية والحتمية في آن واحد . فحسب هذا الموقف إما أن تكون الحرية كمفهوم مطلقموجودة [من دون أي إكراه خارجي أو داخلي وبما الإنسان كائن عقلاني كما يؤكد أهلإثبات الحرية بدلالة شهادة الشعور تارة حسب “ديكارت ” ( 1596 – 1650) ” مين يبيران” ( 1766 – 1824 ) و برغسون ( 1859 – 1941 ) حيث يعتبرها هذا الأخير إحدى مسلماتالشعور والتي ندركها بالحدس ، إنها حسبه ذلك الفعل الذي يتبع من الديمومة أو الأناالعميق أما سارتر ( 1905 – 1980 ) أن الحرية هي جوهر الوجود الإنساني وتارة أخرىيعتمد هذا الاتجاه باسم الحجة الأخلاقية بدعوى مشروعية التكليف ففريق المعتزلة يرىأنه يطلب من المكلف إما الترك أو الفعل و يؤكد على نفس الموقف الفيلسوف الألمانيإيمانويل كانط “( 1724 – 1804 ) حيث يقول ” إذا كان يجب عليك فإنك تستطيعبالإضافة إلى ذلك الحجة الاجتماعية والحجة الميتافيزيقية التي تثبت وجود الحرية] وإما أن تكون الحرية غير موجودة بمفهوم مطلق أي توجد الحتمية التي تنفيها و يمثلهذه الفكرة ” أهل النفي ” وهم أنصار الميتافيزيقا الإسلامية ( يمثلها جهم بن صفوانالمتوفي سنة 128 ه الذي يرى أن الإنسان مسير بإرادة الله ) في العصور الوسطىوامتداداتها إلى العصر الحديث مع موقف سبينوزا (1632 – 1677) الذي يقول بموقفالضرورة الإلهية. وكذلك نجد أنصار النزعة العلمية الحديثة الذين يقرون بأن الإنسانمحفوف بمجموعة من الحتميات تمنعه أن يكون حرا حرية مطلقة وقد عددوها بين حتميات ؛فيزيائية ( أفعال وأفكار الإنسان تنطبق عليها قوانين الحتمية مثل انطباقها علىالظواهر الفيزيائية والكيميائية ) و حتمية بيولوجية ( يرتبط سلوك الإنسان بمكوناتهالبيولوجية التي تفرض عليه السلوكات التي يفعلها لهذا فهو يتصرف إلا في حدود هذهالمكونات يقو العالم الإيطالي لومبرزو ” أن المجرمين ليسوا مجرمين بإرادتهم وإنماالطبيعة البيولوجية هي التي أجبرتهم على ذلك ” ) وحتمية نفسية ( ترى أن السلوكالإنساني مرتبط بالمجريات النفسية تأتي إما في شكل منبهات طبيعية واصطناعية حسبواطسن ( 1856 – 1939 ) أو تأتي على شكل مكبوتات لاشعورية يستطاع أن يتنبأ بها حسبفرويد و في كلتا الموقفين الإنسان هو محتم أن يعمل وفق هذه الضغوطات كلها وهذايأخذنا إلى نوع أخير من الحتميات وهو الحتمية الاجتماعية ( ترى أن أفعال الإنسانالفردية إذا لم تلتزم بقواعد المجتمع التي تسير حياته مهما بلغت طموحاته فلا يجبعلى الإنسان أن يتجاوزها مثل ما يؤكد عليها دوركايم ( 1858 – 1917 ) ) وبعد أنعرضنا كل موقف الخصوم ورغم حججه الدامغة نجد أنه يتعرض إلى عدة انتقادات نكرها فيمايلي:
نفي الحرية بحجة وجود الحتمياتالداخلية و الخارجية ، دعوة إلى السلبية والخضوع والاستسلام وهذا الذي كان حاصلافعلا في العالمين سواء الإسلامي في أواخر سقوط نهضته عندما لم يستمع لأفكار ابن رشدوانصاع لفكرة الحتمية ، أما العالم الغربي فقد نام طيلة العصور الوسطى بفكرةالحتمية المسيحية التي شللت عقول وجهود الإنسان الغربي.
الإنسان يملك قوى كالعقل و الإرادة و الشعور تمكنه من إدراك الحتمياتوتسخيرها لخدمة مصالحه
الحرية ليست مشكلة للتأمل الميتافيزيقيبقدر ما هي مشكلة الإنسان وسلاحه لمواجهة كل أشكال الضغط . فعلى الفلسفة أن تواكبطموحات الإنسان لا أن تسكنه في معراج الأحلام الوهمية البعيدة عن التصور ولو تجسدللحظة وهم الحرية المطلقة.
و ابرز من جسد الفعل النقدي للطرحالميتافيزيقي الفيلسوف كارل ماركس ( 1811 – 1883 ) الذي فضل تغيير العالم بدعوتهإلى التحرر أحسن من تفسير العالم كما تعكف الفلسفة على فعله الآن . ولذلك أدرجالتيار التقليدي الذي يطرح الحرية طرحا ميتافيزيقيا ضمن التيارات الرجعية الرافضةللتقدم الأمر الذي ساعد على تأسيس فكرا جديدا يمثله التيار التقدمي التنموي فيمواجهة الثابت والستاتيكي.
الدفاع عن الأطروحة بحجج شخصية شكلاومضمونا:
إن الأطروحة القائلة بأن الحتمية أساسالحرية نستطيع الدفاع عنها و إثباتها بحجج و أدلة جديدة تتمثل فيما يلي:
أما الحجة الأولى تقول أنه كل دعوة إلى ممارسة الحرية خارج إطارالقوانين دعوة إلى الفوضى و التمرد واللامبالاة فلو تركت الأجرام السماوية من دوننظام وقوانين لاختلطت وتصادمت يبعضها البعض ونفس المقياس نقيس به الإنسان فبقدربحثه عن الحرية بقدر حاجته إلى قوانين تنظم حياته فها هانا حقا سيحصل التوازن لامحالة . أما الحجة الثانية فتقول أن الكائن البشري يسري في طريق تحرر كلما بذل منجهد عن طريق العمل مثل ما أكده الفيلسوف هيجل ( 1770 – 1831) واعتبره منبع للحريةكما بينه في جدليته الشهيرة ” جدلية السيد والعبد ” حيث تحول العبد بفضل العمل إلىسيد على الطبيعة و سيد سيده ، أما السيد فهو عبد للطبيعة وعبد لعبده لارتباطه بعبدهفي تلبية حاجياته . أما الحجة الثالثة قائمة على دور العلم في كشف القوانين التيتعتبر قيود تنتظر الفك نحو تحرر الإنسان منها . فقد سجل الإنسان حسب الاستقراءاتالتاريخية قفزات هائلة في حلقات الانتصار على الطبيعة وظواهرها ( الفيضانات ،البراكين ، الأمراض …) أنظروا معي في المقابل (أنشئت السدود ، أخليت المناطقالبركانية ، اكتشفت كل أنواع المضادات ضد أفتك الأمراض مثل داء الكلب كان يشكلحتمية مخيفة على الإنسانية في فترة من الفترات إلى أن جاءت مضادات باستور وحررتالإنسان من قيد الموت المؤكد…) و نفس الحال يتكرر كلما اشتدت الحمية خناقا علىالإنسان جاء العلم ليحل ويطلق سراح الإنسان من خوفه وحيرته . كما أننا يجب أن ننتبهأن إنسان اليوم صار أكثر حرية من إنسان الماضي لأنه أكثر اكتشافا للحتميات فبفضلقوانين الأثير أصبح العالم عبارة عن قرية صغيرة على حد قول عالم الاجتماع الكنديماك لوهان وصولا إلى فضاء الانترنت و إلى كل أنواع التقدم الحاصل إلى حد كتابة هذهالمقالة ، ضف إلى ما توصل إليه الإنسان في معرفة القوانين النفسية التي مكنتالإنسان من التحرر من نقائص الطبع ومختلف الميول والرغبات والعقد النفسية المختلفة، أما في الجانب الاجتماعي فلقد استطاع علماء الاجتماع أن يحصوا الظواهر التي تؤذيالمجتمعات الإنسانية فقاموا بتقليص كل المشاكل التي تهدد انهياراتها مثال حي أنظرسياسة تعامل المجتمعات الغربية مع ظاهرة التدخين أو ظاهرة المخدرات من أجل تقليصأعدادهم وتضمن السلامة الكافية لراسمي مستقبلها . وقس على ذلك كل الممارساتالسياسية و الاقتصادية في ظل عملية التأثر والتأثير بين الفرد ومجتمعه في مسائلالالتزام بالقوانين والشعور بالتكليف والمسؤولية وفي نفس الوقت المطالبة بكل أنواعالحقوق و في جميع المجالات.
حل الإشكالية:
وبعد أن صلنا وجلنا في غمار هذه الأطروحة نؤكد على مشروعية الدفاع والإثبات لأنه يظهر لنا أن القول بأن الحتمية أساس الحرية أمر أكده العلم وأثبت تاريخ العلوم و الاكتشافات و كل الاختراعات ذلك ومنه نخلص إلى أنه كلما زادت وتطورت معارف الإنسان كلما اتسعت دائرة الحرية . وعليه نكثر من تكرار قول لا بد من معرفةالحتميات و القوانين شرط لممارسة الحرية و التأكيد على الطابع العملي لمشكلة الحريةلا يستبعد الجانب الفكري الذي يتمثل في الوعي بالأهداف و الغايات و الأبعاد لفعلالتحرر . فنحن نعيش في وقتنا الحاضر لحظة رعب من إفلونزا الخنازير جعل من منظمةالصحة العالمية أن تدق ناقوس الخطر بل جعلت المرض في الدرجة الخامسة لكننا متأكدينأن العلم لن يقبع متفرجا أمام هذا المرض لأن الإنسان مرتبط دائما بآية قرآنية “وماأوتيتم من العلم إلا قليلا ” وهي كونية بالنسبة لأي إنسان شد الرحال إلى أن يكتشفألغاز الطبيعة وهذا ما يؤكد فعلا صحة أطروحتنا

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.